فيلم قصير

فيلم سماء متحركة ارشيف ورشة سينما فيلم سماء متحركة ارشيف ورشة سينما

الفيلم العماني  القصير "سماء متحركة " لحميد العامري : كتابة النص الشعري  بالصور

 

محمد جبار الربيعي

 

كيف  يمكن ان يتجسد النص الشعري على الشاشة ؟ وهل تستطيع الصورة التعبيرعن دواخل شاعر تلاطمت في روحه الكلمات؟ خطرت لي هذه الاسئلة قبل مشاهدة الفيلم العماني  (سماء متحركة) وهو عن قصيدة بنفس الاسم للشاعر عبد الرزاق الربيعي ,والقصيدة عبارة عن محاورة تخيلها الشاعر بينه وبين الشاعر مالك بن فهم , والربيعي وظف اسم مالك لما له من تشابه مع تجربته في  الغربة والترحال خصوصاً انه هاجر من بلاد اليمن الى عُمان وهو نفس المسار الذي سلكه الشاعر لذلك اسقط الشاعر تجربته على تجربة مالك بن فهم الأزدي ,وقد شارك الفيلم  في مهرجان مسقط السينمائي للأفلام القصيرة الذي أقامته الجمعية العمانية للسينما ,  مدة عرض الفليم 11.5 دقيقة تمضي بسرعة وانت تتابع الفيلم بسبب الالقاء الجميل للشاعر والموسيقى التي كانت تتخلل ذلك الالقاء والصور المتزامنة معهما , اخرج الفيلم حميد بن سعيد العامري وصوره سعيد بن حميد العامري وقام بمونتاجه ورد بين حميد العامري وهي التجربة الثانية لهذا الفريق مع الشاعر فقد سبقه فيلم (مدن تئن وذكريات تغرق) عن قصيدة له بنفس الاسم  , يبدأ الفيلم بلقطة جميلة جداً للشاعر وهو يظهر من خلف التلة القريبة للكاميرا وكانه يظهر من العدم ثم مع اقترابه من الكاميرا يبدأ جسمه بالظهور بشكل تدريجي "وهذه اللقطة من اجمل لقطات الفيلم" تشعر عندما تشاهدها بأنك امام فيلم سيشدك بلقطات على غرار لقطة البداية ولكن للأسف لم تكن اللقطات التالية بمستوى تلك اللقطة , من الواضح ان الفيلم صنعه هواة محبون للسينما ارادوا عمل شيء جميل رغم صعوبته فالقصيدة دائما ما تكون عصية على التجسيد فهي ترتبط بخيال الكاتب وتصل الى مخيلة المتلقي( الذي يرسم صورها بنفسه في مخيلته) وهي بالتأكيد صورة لايمكن اسقاطها على الواقع , لذلك فمهما حاول المخرج وكاتب السيناريو والمصور الاقتراب من تلك المخيلة فهم بالتأكيد يخفقون وهذا سر سحر القصيدة فاذا سمع اثنان لذات القصيدة مثلا يستحيل ان تتطابق مخيلتهم لما توحيه لهم تلك القصيدة , هذا امتحان صعب يتهرب منه كبار المخرجين , لكن هناك ملاحظات ارى من الواجب علي تنبيه جنود السينما العمانية عليها .

كان يجب على المخرج والكاتب خلق خط درامي موازي للقصيدة وعدم الاكتفاء بالصور المعبرة عن روح القصيدة بخطوطها العامة وحبذا لو كان هناك ممثل الى جانب الشاعر يمثل شخصية مالك بملابسه التي تعبر عن حقبته التاريخية ليختفي ويظهر حسب المبنى الدرامي للقصيدة (خصوصا ان بناء دراما لشخصين اسهل بكثير من شخص واحد), ولا اعتقد ان هناك سيناريو مكتوب تحرك على اساسه فريق العمل لذلك تشعر في بعض اللقطات ان الكاميرا تركت على عفويتها تلتقط ما تراه امامها وبدون تحديد وطبقا لخطة مسبقة فطالت المدة الزمنية لتلك اللقطات بحيث يترك المشاهد الصورة الجامدة تقريبا ويتجه بكل تركيزه الى الصوت والقصيدة وهنا تفقد الصورة وظيفتها التي هي التمازج مع الصوت والتعبير عنه ومن الصعوبة بمكان اعادة انتباه المشاهد اليهما معا  لذلك فالمشاهد في كثير من الاحيان يتشتت في التركيز فاذا ركز على الصورة فقد الصوت و العكس لانهما لم يكونا على خط واحد ولم يكمل احدهما الآخر سوى في بعض المشاهد,  هذه معادلة على المخرج الحذر منها بشكل كبير فخطّ الصورة في السيناريو يجب ان يحسب بدقة مع خط الصوت مجسداً اياه ومعبراً عنه مع مراعاة مدة اللقطة ومحاولة تقصيرها لأن العين تملّ من اللقطة التي تطول مدتها مهما كانت جميلة ,وملاحظة مهمة اخرى اننا شاهدنا الشاعر يتنقل في الصحراء بلا هدى و اللقطات كانت عامة قريبة تمنيت ان تكون هناك لقطات عامة بعيد جداً بحيث يكون صغيراً جداً في اسفل الكادر فهذه لقطات معبرة عن التيه والضياع اكثر , كما اننا شاهدناه في الصحراء فقط مع انه كان يتحدث عن اسفاره وتنقلاته (من خلال مالك ) فحبذا لو كانت هناك لقطات له وهو في المطار مثلا او بين زحام الناس بملابسه المختلفة عن ملابس الجموع لتأكيد غربته او تصويره ينظر الى النافذه من داخل السيارة المسرعة بحيث تتحرك الشوارع امامه وهكذا كان بالأمكان ادخال لقطات كهذه او مشابهة لها لتأكيد الاسقاط على ذاتية الشاعرولكسر الملل الذي قد ينجم من تكرار اللقطات في مكان مفتوح كالصحراء فتصوير الاماكن المغلقة يخلق تنويع في الصورة ولتعزيز المقارنة بين مالك وبيئته وبين الشاعروبيئته الداخلية ووسطه الواقعي,وللاسف لااعتقد انه تم استخدام ركيزة (ستاند ) للكاميرا وان معظم لقطات  الفيلم تم تصويرها بكاميرا محملة لذلك كانت هناك اهتزازات واضحة  للصورة في بعض المشاهد افقدتها جماليتها فالعين تميل الى الثبات والاهتزازات تربكها وتفقد المشاهد التمتع بوهم المشاهدة المباشرة فذهن المشاهد يلغي اطار الصورة ويحصل عنده الغاء لحقيقة انه يشاهد صورة متحركة ويتوهم انه يراقب مباشرة والاهتزازات احدى الامور التي تلغي هذا الوهم وينتبه المُشاهد للأطار ويفقد متعة الانغماس في موضوع الفيلم ومن المؤسف حقاَ ان يسبب امر بسيط كهذا في اضعاف الصورة والاطاحة بكل الجهود المبذولة , كذلك لم يراع المصور جهات حركة الكاميرا عند استخدامه لحركة الكاميرا بشكل بانورامي فهي تنتقل من اليمين الى اليسار وبالعكس بدون خطة مسبقة وهذا بسبب عدم وجود سيناريو دقيق يحدد للمصور من اين يبدأ واين ينتهي  لتسهيل الامر على المونتير الذي من الواضح انه واجه صعوبة كبيرة في دمج اللقطات لذلك لجأ الى طريقة الظهور والاختفاء التدريجي ليخفف من حدة التنقل بين اللقطات  ومع ان هذه الطريقة  ادت الغرض منها فكانت التنقلات ناعمة تتناسب مع ايقاع القصيدة  لكن تكرارها قد يسبب الملل وكان على المونتير استخدام طرق مبتكرة اخرى, وهناك قاعدة مهمة جدا في المونتاج وهي ان اللقطة غير المعبرة والزائدة تضر بالعمل اكثر من فائدتها فتردد الشاعر في مسك لجام الفرس في بداية الفيلم اعطى انطباعاً انه يمسك لجام فرس للمرة الاولى وهذا ينافي الفكرة التي اراد المخرج تأكيدها في تلك اللقطة فلم نر حميمية بينه وبين الفرس. كذلك ظهور طفل في حافة يمين الشاشة قبل نهاية الفيلم بقليل اثرت بشكل كبير على البنية الدرامية فكسرت وحدة الشاعر المفترضة ولقطات مثل هذه مع انها لثوان معدودة قد تنسف العمل برمته " ان لم يكن لها مبرر درامي طبعا "وعلى العكس من اللقطة السابقة فقد جاءت اللقطة التالية لها مباشرة وهي  لقطة الطائر معبرة جدا,   ففي السينما كل شيء محسوب بكل دقة ولا يمكن ترك اي شيء للصدفة او العفوية الا ما ندر.

وبالتأكيد جمال الالقاء وتغيرات الصوت الذكية للشاعر ارتقت بالعمل  وانا اعترف انني قرأت القصيدة اكثر من مرة لكنني لم اتذوقها كما تذوقتها بسماعها بألقاء الشاعر فليس هناك شخص على الارض يستطيع التعبير عن القصيدة الا كاتبها كذلك كانت الموسيقى جميلة جدا ومكملة ومعبرة عن اختلاجات الشاعر لكننا للاسف لم نسمع المؤثرات الصوتية الساحرة مثل صوت الريح في الصحراء (اضيف صوت الصحراء في مشهد واحد وكان له وقع  جميل جدا) او صوت تلاطم الامواج او صوت صهيل الخيول هذه الاصوات تزيد من جمالية الصورة وترتقي بالعمل فهي اصوات طبيعية خلقها الله تعالى لتكمل سحرها و جمالها فهل تشعر بالجمال ان راقبت البحر باذان صماء؟ هذه اشياء يكمل احدها الآخر ونحن نشوه الطبيعة ان ابقينا على احدها واهملنا الآخر.الفيلم تجربة جميلة واشد على ايدي الشباب المتحمس الذي تجشم كل هذا العناء لحبه للسينما واعجابة بالقصيدة واتمنى ان ارى عملاً جديداً متكاملاً, وحماسهم ومثابرتهم الواضحين بالتأكيد سيوصلهم الى مبتغاهم .

...........................

من اسرة ورشة سينما – خاص : العراق

وس 7-12-2010

المقال للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر

 

 

 

Name:*
E-mail Address:*
Message:*
 
Please enter the code:

Note: Fields marked with * are required.