صديقة الملاية .. صرخة صامتة , لكن في وجه من ؟
رانيا يوسف

إستقبلنا خبر إقامة اسبوع الثقافة العراقية في القاهرة تحت اسم ليالي بغداد بشغف كبير لمتابعة حركة الانتعاش الثقافي العراقي الذي بدأ
يأخذ مساحة اكبر من الحرية مؤخراً , تضمن الاسبوع عروض لمختلف أنواع الفنون والثقافة العراقية من حفلات غنائية وعزف موسيقي وامسيات شعرية اقامها ضيوف الملتقي من كبار شعراء العراق سواء اللذين جاءوا خصيصا
من العراق لحضور الملتقي او من المقيمين بالقاهرة بالاضافة لمعرض خاص بالكتب التي لم تصل الينا من قبل وهي اصدارات دار الشؤون الثقافية التي تتبع وزارة الثقافة العراقية والتي للاسف لا يوجد لها مصدر توزيع
في القاهرة , وبالطبع كانت هناك مشاركات سينمائية ضمن هذا الاسبوع الثقافي , كان من المقرر ان يعرض بها مجموعة من الافلام التسجيلية والروائية القصيرة والطويلة , لكن ولأسباب غير معلنة تم الغاء عرض فيلم
بعنوان الوضوء بالدم للمخرج حسن قاسم وعرض بدل منه فيلمان تسجيليان قصيران الفيلم الاول يعطينا ملمح سريع عن رائحة بغداد الحضارية يستعرض اهم صور بغداد قبل الحرب والعلامات التي ارتبطت باذهان العرب عن شارع
المتنبي حيث سوق الكتب الوفيرة والنادرة , والمقاهي المميزة علي ارصفة الشوارع والجوامع والمزارات السياحية حضارة بابل واشور ,أما الفيلم الاخر كان اقرب للدعاية او الوقفات الاعلانية والتعريفية عن رابطة
اتحاد الشعراء في العراق , ثم عرض في اليوم التالي الفيلم الروائي القصير صديقة الملاية بحضور وزير الثقافة العراقي والكثير من الفنانين والمثقفين العراقيين , لكن أصحاب الدار غابوا عن معظم العروض لم تشهد
قاعة العرض حضور مصري لا من جانب المثقفين والفنانين ولا من جانب وسائل الاعلام التي لم تشير في اي مطبوعة عن خبر اقامة هذه العروض , مما جعل بعض الاحتفاليات قاصرة الحضور علي الضيوف دون وجود مشاركات مصرية
الا مجموعة من المثقفين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد عرفوا موعد العرض عن طريق الصدفة اما بدعوة من اصدقائهم فناني العراق او خلسه من حارس الامن , اذا فالهدف من اقامة هذا الملتقي ليس التبادل الثقافي
والتعرف علي ما أصبحت عليه الثقافة العراقية بعد الغزو الامريكي ولا لاعطاء الفنانين العراقيين مساحة حرة لتعريف المصريين بثقافتهم , لكن يبدوا انه مجرد شو إعلامي او بروتوكول سياسي وضع صندوق التنمية
الثقافية ووزارة الثقافة المصرية في حرج اقامته دون رغبتهم , لكنهم يمتلكون طرق عديدة لاجهاض انتشار نجاح هذا الاسبوع لاسباب يستحيل ان تبدو ثقافية , فلم يقوم المكتب الاعلامي للوزارة بطبع ملصقات تعريفية
للبرنامج الاسبوعي ولا ابداء أي تفاصيل عن مواعيد العروض وخصوصا السينمائية منها كأنها عروض سرية لا يتوجب علي المصريين حضورها ولكن انتزعت مواعيدها في تكتم تام من حراس الامن في دار الاوبرا , فالحمد لله
ان السينما في أمتنا العربية وصلت الي هذه المكانة من التأثير الذي يدفع البعض لتجاهلها بهذا الشكل .
رغم أن الفيلم الروائي الوحيد الذي عرض ضمن هذا الاسبوع والذي جاء تحت عنوان صديقة الملاية , يتناول صرخة صامتة في وجه من يحاولون تدمير التاريخ والثقافة العراقية , الا ان الفيلم قدم بطريقة دبلوماسية الي
ابعد حد , فالمخرج أسقط عامل الزمن عن احداث الفيلم فلم نستطع تحديد الجاني المشار اليه , هل المقصود به ادانة ديكتاتورية حكم صدام , ام الاحتلال العسكري الامريكي القائم الي الان , وجاء خلو الفيلم من اي
حوار لتأكيد هذه الفكرة , فالمخرج قدم أحداث مطموسة الزمان للتأكيد علي ان هذا الانتهاك كان يمارس في السابق ومازال قائم وبشكل أعنف في ظل وجود الاحتلال الامريكي , فالديكتاتورية والاحتلال وجهان لعملة
واحدة , يصب كل منهم في تدمير تراث صاحب الارض .
صديقة الملاية , يستمد هذا الفيلم إسمه من لقب المطربة العراقية الكبيرة , صديقة الملاية وهي احدي اشهر مطربات العراق وكانت أول مطربة تشدو بصوتها من دار الاذاعة العراقية عام 1936 ,والتي أثرت التراث
الغنائي باعمال خالدة في ثقافة الطرب العراقي الي الان , من هذه النقطة بدا المخرج يدخلنا في احداث الفيلم حيث ربط بين الحنين الي الذكريات الذي يمكن ان يختزل في اغنية تتردد علي مسامع البعض وتعلق في
الذاكرة منذ طفولتهم وحتي فترة صباهم ونضجهم ثم ربط بين الارتباط الحسي والارتباط بالمكان الذي يصبح تدريجياً في ذاكرة الفرد انتماء للارض والوطن .
الصورة السينمائية في هذا الفيلم كانت البطل الرئيسي حيث إختزل المخرج لغة الحوار وأعاد تكثيفها من خلال لغة الصورة , وأعطي مساحة كبيرة للتعبير عن مشاعر وانفعالات الشخصيات من خلال الاداء الحركي , دون ان
نعلم في اي مدينة نحن , يدخلنا المخرج في حالة من الشجن علي نغمات موسيقية تصدر من راديو احد المقاهي الهادئة في وسط أحد الشوارع الخالية تماما من أي مظهر من مظاهر الحياة , ثم يقطع المخرج هذا الهدوء عندما
تنقطع الكهرباء ويصمت صوت الموسيقي , ويعود الصوت ويختفي مراراً حتي ييأس بطل الفيلم من استقرار الكهرباء وهو الذي تعلقت أذنه بالجو الموسيقي المنبعث من الراديو , فيقرر مغادرة المكان ليكمل استمتاعه الحسي
بالتجول وسط الشوارع الخالية والمظلمة والتي لم يستطع المخرج تغيير صورتها التي ارتبطت بأذهاننا في الكثير من المسلسلات المصرية , حيث أن الفيلم صور في مدينة الانتاج الاعلامي بالقاهرة , وفي موقع مميز جدا
استهلك كثيرا في عدد كبير من المسلسلات , فهذا الجو المكرر الذي لم يحاول المخرج تغيير مفرداته واشباعه بالقدر الكافي بروح شوارع بغداد , ومحو الصورة النمطية التي ارتبطت بأعيننا عنه , قطع علينا التواصل مع
الحالة الفنية التي تعايشنا معها منذ إنطلاق صوت الاغاني العراقية القديمة من راديو المقهي , ومنها يسترسل المخرج في معايشة شخصية البطل لهذا الجو الحسي من خلال الخيال والاحلام المزعجة التي تراوده وتتحايل
علي ذاكرته تريد محو أي اثر يربطه بهذا المكان ومنها بهذا التراث والتاريخ , لكنه يستعين علي هذه القوة بعزمه واصراره علي قهرها رغم قوتها تبدو مفرطة تكبل جسدة وتحيطة بنيران من كل جانب وتلوث عينه بمشاهد
قتل استباحوا فيها حتي دم النساء , كل هذا الصراع وضعه مخرج الفيلم ( حكمت البيضاني ) من خلال الاستعارات الواضحة والتي تمثل تورية للأوضاع السياسية التي عاشتها ومازالت تعيشها العراق الي اليوم , فالمخرج
لم يترك وسيلة لردع رغبات البطل عن تحقيق أحلامه الا ووضعها في هذا الحلم المزعج والذي يتمني كل مشاهد للفيلم أن تظل هذه الصورة المأساوية مجرد حلم سيصحو منه البطل ذات يوم فلم يجعل الفيلم روح المأساة تقهر
ارادة هدمها .
الزمان في هذا الفيلم مفقود هويته لم نستدل عليه من خلال اي اشاره او علامة , لم نشاهد مثلا صورة لصدام حسين داخل المقهي , ولم نشهد دورية امريكية تسير في الشارع , اما عنصر المكان يتكشف لنا تدريجياُ من
خلال الموسيقي المصاحبة للاحداث , وخصوصا اغاني المطربة صديقة الملاية , التي وضعها الفيلم كأحد الرموز الهامة التي تمثل الثقافة الموسيقية العراقية والتي يحاول البعض طمسها , الفيلم يقدم روح فنية وثقافية
عالية ولكن بشكل متردد نوعا ما , فطمس عامل الزمن داخل الفيلم ان لم يكن يدين جهة بعينها , فإنه يلقي المسئولية علي جهات كثيرة تحاول تخريب تراثنا العربي بأكمله , الفيلم قصة حسن العاني وبطولة باسم قهار
واخراج حكمت البيضاني .