Cinema Workshop ورشة سينما

فيلم" بالألوان الطبيعية" :عندما تتحول السينما الي لعبة مصالح بين المتطرفين ودعاة الحرية
محمد شكر
ما نعيشه في المجتمع المصري وغيره من المجتمعات العربية من تضارب بين المتعصبين ودعاة الحرية اشبه بما حدث عقب احداث الحادي عشر من سبتمبر فالامريكان بقيادة بوش الابن أعلنوا حربهم المقدسة علي الارهاب وتبنوا قضية ظاهرها الحق وباطنها الباطل فبعد تدمير أفغانستان والعراق بقي الإرهاب وبقيت القوات الأمريكية التي كانت تهدف من البداية لتحقيق مصالح سياسية واقتصادية في المنطقة فالامريكان كانوا علي باطل وقاموا بما قام به الارهابيين من قتل وتخريب .

 ولكل منا منطقه الخاص في تلقي السينما وفي تلقي الأحداث السياسية ولكن ان تصبح السينما كالسياسة لعبة مصالح فهو أمر مرفوض لأن الحملة التي تشنها جبهتا التشدد والتحرر باسم فيلم "بالالوان الطبيعية" لا تعنيه في شيء لانها مجرد حرب بين اتجاهات فكرية حاصرت الفيلم الذي وقع ضحية المتعصبين سواء للفن او لجدران كلية الفنون الجميلة او للدين الذي يحرم او لا يحرم الفن حسب قناعات وثقافة اصحاب وجهتي النظر وهو ما يعبر عن تفشي ظاهرة الارهاب في المجتمعات العربية .

 ويمكن بقليل من الهدوء ان نلحظ خروج أسامة وهاني فوزي من أرض هذه المعركة قبل اشتعالها وتقديمهما لرؤية موضوعية تقترب من رؤية غاندي الذي استخدم مغزله للتحرير والخلاص من الاحتلال بالعصيان المدني ففيلمهما الجديد لم يتهم احداً بما يسوءه ولم يرفع السلاح في وجه الآخر لكنه يطرح مادة انسانية تمكن الإنسان من الحصول علي حريته دون تجريح الآخر معتمداً علي نقد الذات ومحاولة تنقيتها من الشوائب التي علقت بها نتيجة تعرضها لغبار الموروث الشعبي او الديني الذي تسبب الفهم الخاطئ لبعض جوانبه لأزمات ثقافية متتابعة لا يمكن تخطيها بإعلان الحرب ولكن بالتواصل والاقتراب .

 ولكن الفيلم تحول لمادة صراع والقضية لا تتمثل فيما يحمله الفيلم ضمن احداثه لان الكثير من قادة الصراع الذين اعلنوا الحرب علي الفيلم لم يشاهدوه واكتفوا بالتريلر الدعائي الذي لا يمكن الحكم من خلاله علي اي عمل لانه كمادة دعائية يهتم المنتج بجعله مثيراً ومبهراً او صادماً لتحقيق نوع من الجذب للفيلم , ولكن القضية هي صراع الديوك الدائر علي أرض مصر الذي يسعي فيه المتعصبون والرافضون لدور الفن لكونه حراماً من وجهة نظرهم للانتصار علي دعاة الحرية الذين لا يتعاطون افكارهم التي يصدرونها ويقعون في دائرة الاتهام الذي يلصقونه بغيرهم لانهم يتعاملون بنفس التطرف مع المخالفين لهم في الرأي فالتطرف هو الشعار الذي يرفعه الجميع والتطرف هو السمة التي تميز الجميع سواء المنغلقين او دعاة الحرية .

 وفيلم بالألوان الطبيعية لا يعبر عن علاقة الدين بالفن بقدر تعبيره عن أزمة الفنان المعاصر في مواجهة المجتمع مقدماً نقداً كاريكاتوريا لكل شوائب العملية الفنية التي لا تقتصر علي الفن التشكيلي فقط ولكنها تمتد لباقي أغصان شجرة الفنون الوارفة التي يتسيدها غير الموهوبين والمتسلقين الذين ساهموا في الارتفاع بأسماء لا تستحق أن نعرفها لتتصدر المشهد الفني والثقافي دون أن تكون الأفضل او الأكثر موهبه وهو ما تعانية كافة الفنون من سينما لغناء لمسرح كما يتطرق لأزمة التعليم في مصر سواء تعليم الفنون او غيرها لأن الصورة في كلية الفنون الجميلة لا تختلف عن واقع اياً من الجامعات المصرية ولكن منطق هاني فوزي ينقل وجهة نظر القائمين علي العملية التعليمية التي تؤكد عدم جدوي التعليم او اكتساب المهارات في مجتمع اختلت فيه الموازين واختلط به الحابل بالنابل فلم يعد هناك مكان لأصحاب المواهب .

 ولأننا لسنا أوصياء علي الخلق ولا نمسك بمفاتيح الجنة والنار في ايدينا فلم يقع هاني او اسامه فوزي في فخ الوصاية علي المتفرج التي يلجأ اليها المثقفون عادة لممارسة تطرفهم علي خلق الله فكل ما فعله هو مجرد الطرح فلم يدن والدة يوسف او حبيبته او زملاءه او حتي العاهرة التي تبيع جسدها لمن يدفع الثمن وهذه الرؤية تعطي ما لقيصر لقيصر وما لله لله وتعيدنا الي انسانيتنا فلا تجد شخصية ضمن العمل تفرض ما تراه صائباً علي شخصية اخري لاننا في النهاية بشر والصواب والخطأ نسبي الي حد كبير والحساب في النهاية بيد الله لا بيد الشيوخ والقساوسة .

ورغم براعة اسامة فوزي في التعامل مع سيناريو هاني فوزي الذي يعتبر استكمالا لفيلمهما الاخير "بحب السيما" الذي تبني نفس المواقف والافكار الا ان هناك تكراراً واضحا في مشهد حوار البطل مع الله وهو الذي قدماه في الفيلم السابق علي لسان محمود حميدة وكان من افضل مشاهد الفيلم علي مستوي الاداء والحوار ولكنه تكرر في الالوان الطبيعية مرتين بدون مبرر لان احدهما يكفي لفهم حالة الحيرة التي يعيشها البطل بسبب العالم الجديد الذي يدخله وصراعه النفسي مع ما يحمله من موروث اجتماعي وديني ويمكن اعتبار مشهد النافورة في وسط النيل هو مفتاح العمل لان هاني واسامه تعاملا مع النافورة كجزيرة منعزله في المشهد الاول ولكن المشهد الاخير الذي ضم يوسف واشباهه عبر عن رؤية المخرج والمؤلف التي تقبل التعايش مع الاخر وتحترمه وتسعد بوجوده رغم الاختلاف فالمشهد الاخير جمع اطراف الصراع بكل تناقضاتهم كأن اسامه فوزي يقول: ان هذا المكان الضيق الذي نقف عليه يتسع للجميع وهو المعني النهائي الذي القاه الينا فيلم بالالوان الطبيعية قبل ان يسدل تتراته بصمت وهدوء ولكن الفيلم نفسه لم يغفل طرح الصراع الدائر بين كافة الطوائف والفئات في المجتمع ويمكن ان نتذكر بوضوح مشهد قاعة الرسم التي علا فيها صوت الموسيقي الاجنبية ثم الموسيقي الشرقية وصوت الاذان ثم جرس الداعية المسيحي في مشهد واحد ليؤكد علي وجود هذا التباري في فرض قناعات وافكار قد لا تناسب الجميع .

 ويمكن التأكيد علي ان اسامه فوزي ما زال يملك عصاه السحرية التي تستخرج افضل ما في الممثل من شحنات انفعاليه رغم ابتعاده عن السينما لمدة خمس سنوات كاملة فاختياره للابطال جاء موفقا حيث قدم كريم قاسم شخصية يوسف بشكل يتناسب مع نقلات الشخصية من الحيرة والشك لليقين فالشخصية اكتملت وتطورت مع تدفق الاحداث ونجح كريم في الامساك بتفاصيلها بمساعدة المخرج الذي قدم وجهاً مبشراً هو رمزي لينر في شخصية علي الفنان الذي لا يجد معني للاشياء مما يجعله خارج بؤرة الابداع الحقيقي كما قدم يسرا اللوزي في شخصية تقترب الي حد كبير من شخصية يوسف الا انها كانت اكثر تأثراً بالذنب الذي اختبأت منه وراء النقاب كما تميزت فرح يوسف في تقديم شخصيتها النصف مصرية ونصف المانية والتي تعتبر الشخصية الاكثر صدقاً مع نفسها بالاضافة لفريال يوسف في شخصية ليلي التي كانت جيدة ولكن اللهجة خانتها في بعض المشاهد كما تميز ابراهيم صالح وتامر سمير بالاضافة للكبار سعيد صالح الذي عبر عن فئة من الفنانين الذين يعيشون بجوار ما يحبونه لعدم قدرتهم علي ممارسة الفن وانتصار التي اضفت علي العمل شيئاً من خفة الظل التي تمتلكها وقدمت شخصية الأم التي تحارب ميول ابنها الفنية للحفاظ عليه من الانحراف الذي تراه في الرسم وتظهر في مشاهد كثيره كشبح من الاشباح التي تطارد البطل كما تطارد كل الفنانين ولا يمكن اغفال المشاركة المتميزة لتامر حبيب كممثل لا سيناريست والذي قدم دوراً به مسحة كوميدياً لم نرها في مشاركاته السابقة كممثل وقد يكون اسامة فوزي يؤهله للصعود كممثل في الادوار الثانية وعلي النقيض من هذه الشخصية تأتي شخصية محمود اللوزي الذي يؤكد علي تميزه من خلال اداء جاد وواع يؤهله للاستمرار علي ساحة السينما كما قدم حسن كامي شخصية تتشابه تفاصيلها مع العديد من الشخصيات التي قدمها من قبل ومن بين عناصر الفيلم الجيدة صورة الساحر طارق التلمساني وديكور صلاح مرعي الذي تناسب مع طبيعة الفيلم ورغم محدودية اماكن التصوير إلا انه قام بجهد واضح في إيجاد تفاصيل تعبر عن طبائع الشخصيات خاصه في منزل يوسف ومنزل ليلي كما جاءت موسيقي تامر كروان مختلفة باعتماده علي عدد من القصائد الغنائية التي تكشف البعد الشعوري للشخصيات وتتسلل دون صخب إلي أسماعنا لتساهم في رفع حساسية المشاهد الهامة ورسمها بالألوان الطبيعية.

......................

ورشة سينما – خاص : القاهرة

و س 17-1-2010


 

 

Name:*
E-mail Address:*
Message:*
 
Please enter the code:

Note: Fields marked with * are required.