Cinema Workshop ورشة سينما

شاشات

فيلم  أمريكا للمخرجة شيرين دعيبس

تجديد الافكار وكسر نمطية الصورة والاداء المرح لمجموعة الممثلين هي ميزة الفيلم

الانقسام النفسي  أصاب الشخصيات ولم يبدأ عند وصولهم أمريكا فحسب , بل داخل فلسطين وبين افراد الاسرة

يحمل الفيلم تيمة الأمل والامنية في خلق حياة مشتركة

رانيا يوسف

بعد العرض الخاص الذي أقيم للفيلم الفلسطيني الأمريكي المشترك "أمريكا " ضمن مشاركته في المسابقة العربية لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته هذا العام , خرج بعض متابعي الفيلم ينبذون فكرة الفيلم والتي إعتبروها دعوة صريحة لتهجير الشعب الفلسطيني وشتاته في العالم ليفسحوا المجال لاسرائيل بالاستيلاء علي ما تبقي من الأراضي الفلسطينية , ويبدو لمتابعي الفيلم للوهلة الأولي أن الموضوع مكرر في عدة أفلام سابقة تضمنت خلالها تلميحات وأراء حول تهجير الفلسطينيين من أراضيهم , لكن فيلم أمريكا لمخرجته شيرين دعيبس بريء من هذا الإتهام , وإن نظر له البعض بهذه النظرة الأولية والنمطية التي تنحصر في الاذهان عند تناولنا للأعمال الفلسطينية وردود الافعال حول هوية الفيلم طالما انه انتاج مشترك بين امريكا وفلسطين .

فالمشكلة الموازية لمشكلة نمطية بعض الافلام في السينما الفلسطينية هي ارتباط فكرة الانتاج المشترك بين الدول العربية والاوربية والامريكية بالشبهة الثقافية واتهام بعض الاعمال انها دعم للأفكار المناهضة للسياسة العالمية في اطار السينما , ربما يوجد بالفعل اساس لهذا الاتهام الذي تحول الي هاجس كلما سمعنا عن عمل سينمائي بتمويل مشترك تساهم فيه أكثر من دولة وبات الوضع محيراً عند تصنيف جنسية الفيلم التي من الممكن ان تتوزع بين اكثر من ثلاث واربع دول ساهموا في انتاج الفيلم , لكن ادارة المهرجانات تجاوزت هذه الحيرة بتصنيف الفيلم تبعاً لجنسية مخرجه الأصلية , لكن ليس من العدل تعميم هذه الشبهة علي كل ما يأتينا بتمويل أوربي أو أمريكي .

اشكالية الفيلم الفلسطيني

أمريكا وهو فيلم أعتبره مختلفاً عن انتاج الأفلام الفلسطينية التي أصبحت موضوعاتها تميل الي التطابق أحياناً , فنحن ندرك أن المشكلة الرئيسية التي يعاني منها الشعب الفلسطيني مع الاحتلال الاسرائيلي والقسوة والظلم والاضطهاد الخ , وهذا أكثر ما ينعكس دائماً بوضوح في انتاجهم السينمائي ويبدو واضحاً أمام العالم , حتي تعودنا عليه كسمة أساسية لا يخلو منها الفيلم الفلسطيني , فما نلبث أن نسمع أنه فيلم فلسطيني الا وسرعان ما نتنبأ بمضمونه وقصته التي لا تنحرف عن كونه صرخة تصيغ المأساة وتصف الوضع الحالي مع اختلاف التناول والاسلوب الفني بين كل مخرج وأخر , مما يشعرنا في مرات كثيرة بالتكرار خصوصاً في تصوير الجدار العازل والمناطق الحدودية ونقاط التفتيش وانتشار الجنود الاسرائليين في شوارع المدينة , هذه اللقطات التي لا يخلو فيلماُ فلسطينياً منها حتي صارت سمة وعلامة مميزة للفيلم الفلسطيني .

وربما إختلاف فكرة هذا الفيلم " أمريكا " , أثارت هذا الجدل بين بعض النقاد , صدمة المشاهدة الاولي وتجديد الافكار وكسر نمطية الصورة والاداء المرح لمجموعة الممثلين والاطفال المشاركين , التميز البارز الذي أبدته شيرين دعيبس مخرجة الفيلم في مزج الحديث بين الشخصيات ما بين العربية والانجليزية بسلاسه أعطت روحاً فكاهية للاحداث وعكست الانقسام النفسي الذي أصاب أبطالها والذي لم يبدأ عند وصولهم أمريكا فحسب , بل أعلنت لنا عنه مبكراً داخل فلسطين بين الاسرة , بين الجيل القديم من الاجداد والجيل الحديث من الاحفاد , وكأنه يعكس صورة لشتات أكبر هو شتات الروح داخل الوطن .

ويمتد هذا الشتات الذي سريعاً ما يتحول الي مثابرة وراثية في دماء الشعب الفلسطيني , مثابرة علي البلاء والغربة الداخلية والظلم , بعدما تقرر مني الهجرة الي امريكا من أجل إبنها الوحيد والاقامة عند أختها رغدة التي هاجرت ايضاً منذ خمسة عشر عاماً مع زوجها وبناتها التي ترفض تأمرك سلوكياتهم وتداخلهم  التام في المجتمع الغربي وضياع أصولهم العربية وذوبانها في عادات المجتمع الامريكي .

دافع الأمومة

الأمومة هي الدافع الوحيد وراء فكرة الهجرة الي امريكا الذي دفعت مني أن تترك أرضها وأهلها وعملها في أحد البنوك الفلسطينية , ومن جهه أخري تقبل إحساس الغربة والعمل في احد محلات الوجبات السريعة التي تخجل من ان تخبر عائلتها عنه , هذا الدافع الوحيد الذي لا يمكن لنا ان ننبذه ولا ان نلومها عليه , احساس الامومة والخوف علي الابناء والتفكير لهم في مستقبل افضل هو شعور تلقائي وطبيعي يدفع بالام ان تلقي بنفسها في الجحيم ليس فقط ان تهجر تاريخها ووطنها وأهلها وذكرياتها .

 نجحت المخرجة في الخروج من فكرة التحريض والدعوة الي التهجير بتوظيفها لفكرة الامومة المجردة من أي أفكار أو نوايا سوي حبها لطفلها , مجرد حالة انسانية لأم تخشي موت ابنها الصغير أو تعرضه لاعتقال ولا حرج في سعيها لينال درجة أفضل من التعليم والنجاح خارج أسوار الإحتلال وهو حق مشروع لكل أم حتي وان لم تكن أرضها محتلة , وتعلنها مني مباشرة عندما يبدأ إبنها بتغيير سلوكه وانتهاج أفكار وأفعال أصدقائه التي تنحرف عن أسباب هجرتها الي أمريكا , فتدعو إبنها انها لم تغادر الوطن الا للبحث له عن مستقبل أفضل لا ليرتدي الزي الامريكي ويتزين بالعقل الامريكي والا فما الحاجة للغربة اذاً , فالفيلم يجمع بين المرح والمشاعر الانسانية والحنين الي الوطن بكل ما فيه من مأسي وإضطهاد وعنصرية لأنه في النهاية يظل وطن .

" دعونا نعيش مثل ما انتم عايشين "

يحمل الفيلم أيضاً تيمة الأمل والامنية في خلق حياة مشتركة وربما هذه الدعوة الحقيقية التي نادت بها شيرين دعيبس مخرجة الفيلم , وهي توفير حياة مناصفة بين الفلسطين واليهود سواء داخل فلسطين أو خارجها , إختزلتها شيرين في شخصية مدير المدرسة التي التحق بها فادي ابن مني بأمريكا , وهو شخصية يهودية أمريكية  أشبه بالكاريكاتيرية , سريعاً ما نجده يندمج مع مني وعائلتها كأنه فرداً منهم أو صديق حميم .

صرخة صاغتها شيرين في هذا العمل جاءت بعد يأس من انهاء الاحتلال الاسرائيلي كلياً , فحاولت إيجاد مخرج للدائرة السياسية المفرغة والتي لن تنتهي وقدمت دعوة صريحة وعلنية لفكرة التعايش السلمي بين الجانبين شرط أن تتوفر المساواه في توزيع الحريات والعدل , حسب ما عرضته المخرجة من وجهة نظرها في أمريكا أرض الحريات كما يسموها , ولكن هل المهاجرين من بلاد عربية يتمتعون فعلاً بنفس هذا القدر من العدل والحرية التي يتمتع بها المواطن الامريكي أو المهاجر الأوربي داخل أمريكا ؟.

حصد الفيلم جائزة جمعية النقاد الدوليين الفايبريسي في مهرجان كان 2009 كما شارك في مهرجاني ستوكهولم و سان دانس قبل مشاركته في مهرجان القاهرة .

.................

من اسرة ورشة سينما : خاص- القاهرة

وس -2009