Cinema Workshop ورشة سينما

فيلم "لما حكيت مريم" للمخرج اسد فولادكار

اسئلة متراكمة عن الحب وبيت الزوجية والخيانة واشياء اخرى

رانيا يوسف

 

اختير عرض خاص لعدد من الاعمال السينمائية التي تعبر عن المرأه او عن الموضوعات التي تتعلق بمشاكل المرأه العربية , فكان " لما حكيت مريم " . لكن مريم لم تحكي بل مزقت قلوب المشاهدين طوال عرض الفيلم الذي قدمه لنا المخرج السوري اسد فولادكار في اولي تجاربة السينمائية , حالة رهيبة من مشاعر الحزن واحساس الشلل اصابت كل الحاضرين رغم انه ليس فيلماً مأساوياً ولا مرعباً  , بل فيلماً يملك احساس عالي وعنيف ارتسمت ملامح هذا العنف والحزن علي وجوه كل الحاضرين نساءا كانوا او رجال فالجميع اصبح في لمح البصر  جزء داخل حكاية مريم .

خصوصية الحياة الزوجية بين الرجل والمرأه وإقامة هذا الكيان المشترك بينهما التي يتسرب منه الحب تدريجيا و يبدأ في الانهيار عند دخول طرف ثالث لافساد العلاقة , يقدمها المخرج اسد فولادكار تجسيد جديد لهذه المشكلة الاجتماعية التي قدمتها السينما المصرية داخل عدة اعمال سينمائية , علاقة الاهل السلبية بالزوجين وتدخلهم في حياتهم حد تدميرها , فالعلاقة الثنائية في حد ذاتها لا يشوبها اي شائبة نموذج للحب الصافي المتدفق صوره المخرج من خلال شخصيتي مريم وزياد وبدأ يستعرض تفاصيل هذه العلاقة تدريجيا بذكاء حتي ادخلنا في حالة من الغموض حول المشكلة الاساسية بينهما منذ المشهد الأول للفيلم حيث سيدة يبدو عليها البؤس والقلق والانهيار تمسك بصور الماضي وتعرضها امام شاشة تبدو مجهولة للحظة الاولي بالنسبة للمشاهد ولن يكتشف هويتها الا مع مشهد النهاية , تبدأ مريم بسرد تفاصيل قصتها وتعود بنا الي قصة تتكرر في اغلب البيوت العربية زوجان تغمرهما السعادة فما جمعهم هو الحب وليس انجاب الاطفال التي تعجز مريم عنه وتحاول بكل الوسائل تفادي اهانات والدة زوجها لكن القدر لم يشأ أن يهدي مريم وزوجها طفلاً  , فتصاب والدة زياد بهوس الاحفاد وتدفع بإبنها للزواج بأخري والتخلي عن الفرع العاقر التي تزوجها وارتبطا معا .

مريم شخصية اسطورية نوعا ما رغم ان الموضوع قد يبدو فكرة مكررة لكن المخرج بذل مجهود متفرد ومتميز يجعل المشاهد سواء كان رجلا او امرأه يقطر قلبه دماً علي مريم , تعاطفا مع تلك السيدة التي أصابها الصدع في حبها وانهيار حياتها البسيطة بين يوم وليلة علي رأسها لذنب لم ترتكبه .

 طرح المخرج عدة اسئلة من خلال الاحداث أهمها هل يتزوج الرجل والمرأه فقط لينجبا الاطفال وبدون هذا السبب قد تنهار هذه العلاقة التي جمعها في البداية حب لا يوصف .

 

إنكسار مريم

 

الأنثي التي تطعن في إحساسها والتي لا تقبل أن يشاركها طرف أخر في زوجها وحبيبيها , نراها تخضع ذليلة علتها أمام رغبة والدة زوجها القاسية والتي لم توقفها سلبية الإبن , فقد ظهر منذ اللحظة الاولي رجل مسلوب الارادة امام رغبات والدته برغم تعلقه وحبه الكبير لزوجتة مريم , فيقرر الانصياع لوالدتة والتخلي عن استقراره ويقدم علي الزواج من فتاة صغيرة تعمل معه , ونري مريم التي فشلت جميع محاولاتها في البحث عن حل لازمتها أوصلها تفكيرها ويأسها معا الي باب الدجل والشعوذة ومحاولة الاحتيال علي قدر الله , نراها تستسلم اخيرا لقدرها وترضي بالامر الواقع والتحول من زوجة الي عشيقة .

العمل الفني الذي يفشل في التأثير علي المشاهد يسقط سريعا من ذاكرة المتفرج فور خروجة من دور العرض , لكن العمل الذي يحمل صورة متدفقة دائما بالاحساس يحول المتلقي الي جزء فعال من العمل السينمائي , وهذا التفاعل بين العمل والمشاهد من اكثر المميزات التي حملها هذا الفيلم , في بعض المشاهد التي تسلل احساسها عنوة الي قلوب وعقول المشاهدين , هذا الصوت الذي يأتي دائما خلف صورة باهته لسيدة لا نعرف نهاية مأساة قصتها واللقطات المتكررة والمجهولة المعني بالنسبة لنا , يد مجهولة تمتد فوق جسد عاري متخشب ليس له ملامح او هوية تقوم هذه اليد البطيئة الحركة بتغسيل هذا الجسد بحنان وحزن لندرك في اخر مشاهد الفيلم انه جسد مريم  التي أوصت الا يلمسها غير حبيبها فهذه يد الجاني الاناني الذي تخلي عنها لينجب طفلا يرضي به امه التي فارقت الحياة قبل ان تري هذا الحفيد المنتظر . كل هذا الغموض الذي احاط القصة جعل سيل الدموع في صالة العرض لا ينقطع والتي كانت ممتلئة اكثرها بالنساء , فكلهن ظنوا انفسهم مريم .

من الطبيعي ان ارصد تفاصيل الفيلم وأدوات المخرج في تشخيص القصة ولكن اكثر ما جذبني هو رصد ردود فعل الجمهور , والاشارة الي براعة المخرج ونجاحه في التعبير عن أدق تفاصيل مشاعر المرأه والتي لا يدركها كثير من الرجال , لانها تفاصيل صغيرة وضعها المخرج في بؤرة ضوء شخصية مريم , هذا السيل العنيف من الحزن والاسي والالم الذي فجره سيناريو الفيلم  في مشهد قامت فيه مريم بمرافقة زوجها الي حفل عرسه علي الزوجة الثانية , برعت في اداءه الممثلة اللبنانية برناديت حديب ,  استعراضت عدة انفعالات متضاربة في لحظة واحدة هي لحظة وقوعها تحت مصيدة اليأس والذهول الذي اصابها وهي تشهد قران زوجها بأخري , بدأتها بالصمت والانصات لانتقادات الناس ومحاولة الاختباء خلف كسرتها لكنها في النهاية فجرت كل المشاعر الساكنه وانهارت امام اعين الجميع زوجة كسرتها خيبة املها في زوج لطالما احبته حتي وفاتها .

زياد هذا الزوج السلبي المتردد دائما في مشاعرة ما بين حبه لمريم وبين عالمه الجديد الذي دخله مسلوب الارادة , شخصية هادئة علي قدر عالي من السلبية لا تنحرف تعبيرات وجهه عن الهدوء مطلقاً , يدفع دائما بزوجتة لتقف في وجه المدفع لتدافع عنه وعنها حتي حولها من زوجة الي عشيقة يفتضح امرها بين الناس عندما تكتشف زوجتة الجديدة استمرار علاقتهم الجنسية بعد طلاقهم , فيترك مريم مرة اخري وحيدة تواجه مصيرها القاتم وتدفع ثمن حبها لزوج اناني يتخلي عنها دوما  .

اللقاء الاخير بين مريم وزياد والتي سعت اليه مريم بإلحاح وقد تحولت الي جثة متحركة فقدت الاحساس بالزمن لكنها لم تفقد حبها لزياد رغم الكوارث التي لحقت بهذا الحب الفردي , اذا كان حب زياد عند مريم هو شريان الحياة بالنسبة لقلبها ليستمر في النبض , فلقد اختارت ان تتخلي عن حياتها بالكامل مقابل هذا الحب , توقفت الحياة بمريم واختارت الرحيل في هدوء لكن حتي في موتها لم تقبل ان يودعها احد سوي زوجها الذي قام بتغسيلها وحملها بيده الي قبرها .

تنتهي حكاية مريم ولكن الحكايات لن ولم تنتهي فمريم وزياد مازالوا بيننا .

تحية لفريق العمل وتحية اكبر للمخرج المتميز اسد فولادكار علي تجسيده الراقي لاحساس ومشاعر المرأه

...................

من اسرة ورشة سينما : خاص- القاهرة

وس3-2-2010.