Cinema Workshop ورشة سينما

شاشات عربية

فيلم تلك الأيام فيلم تلك الأيام

فيلم "تلك الأيام" للمخرج احمد غانم : جدل النص الأدبي والصورة

 

رانيا يوسف

 

هناك أعمال سينمائية تجبرك علي مغادرة قاعة العرض لتلتقط أنفاسك وتنظف وجدانك مما شاهدته , وهناك أعمالاُ أخري تجبرك علي إعادة مشاهدتها أكثر من مرة , وتشعرك بالعطش الدائم لتلقي المزيد منها , ولعل الأعمال السينمائية التي تؤخذ عن أعمالاٌ أدبية تحمل هذه الروح الفنية السحرية , والتي تشارك بجزء كبير في نجاح العمل السينمائي , لكنها تكون دائماُ محل مقارنة وجدال بين الأصل الادبي والتمثيل البصري , ويظل السؤال قائماٌ عن مدي نجاح انتقال عنصر الحكي والخيال اللا محدود الي عنصر الصورة المحدد بأداء فريق معين من الممثلين في إطار بصري يحمل رؤية عين المخرج وحده داخل حدود شاشة السينما وتحت تحكم ميزانيات إنتاج محددة , نضف الي ذلك سؤال أخر أكثر أهمية  وهو : ما هي حدود الفنان في تحويل الاصل الروائي لفيلم سينمائي وهل يتطلب هذا نقل مطابق للأحداث ام يمكن للكاتب أن يستلهم روح النص الأصلي وبعض أحداثة الأساسية وسمات شخصياته الرئيسية , أي يعيد صياغة الفكرة العامة التي يحملها الأصل الأدبي بما يتناسب مع موهبته ورؤيتة الذاتية وتوجهاته التي من الممكن أن تخالف رأي الكاتب الأصلي للرواية ؟, إذا ما هو المعيار في إعادة تشكيل أفكار الأخرين علي شاشة السينما ؟, وهل يمكن للسينما أن تحتذي بنجاح خطي المسرح الذي إستلهم معظم إنتاجة من الأدب العالمي علي مدي عدة قرون قدمت خلالها ألاف الرؤي المتباينة حول روايات أدبية طوعت جوهر الحدوتة الأساسية حسب روح كل عصر قدمت فيه وحسب ذاتية الفنان في التعبير عن هم معاصر بأشكال فنية متعددة حديثة ومبتكرة , لكن السينما تختلف في إعادة الخلق الأدبي عن المسرح الذي يتماس مع الادب في فكرة التخيل ولو لفترة قصيرة ومحدودة هي خارج اطار العرض الذي تحكمه طبيعة حدود جدران المسرح وهذا من أكثر ما يميزه عن السينما التي تفرض علي المشاهد صورة بصرية معينه .

فيلم "تلك الأيام" , هنا إسم الأشارة هنا يحدد زمان مبهم يربطنا بالماضي وأثاره التي خلفها علي الحاضر , والحاضر الذي نحيا فيه محاصرين بظلال الماضي وبين خطي المستقبل المجهول لنا , فالزمان هنا عنصر هام بالنسبة لكل من احداث الرواية التي كتبها الأديب الكبير فتحي غانم ما بين عامي 1962 و1963 وتناولت فترة سياسية و تاريخية هامة من حياة الشعب المصري وبين أحداث الفيلم الذي قدمه إبنه المخرج أحمد غانم مع السيناريست علا عز الدين , و محاولة إعادتهم صياغة تلك الأيام في شكل سينمائي معاصر طوعت فيه الأحداث بما يتناسب وأحداث العصر وتغيير هوية بعض الشخصيات الأساسية للحدث الرئيسي كشخصية عمر النجار , المعتقل السياسي بتهمة الارهاب في الاربعينات لقتله عدد من جنود الاحتلال الإنجليزي , هذه الشخصية حولها الكاتب والمخرج في الفيلم السينمائي الي ضابط الشرطة ( علي النجار ) الذي ترك مهنته وانزوي بعيدا عن الاحداث تحت سيطرة شعور قاهر بالذنب إثر قتله لأحد المطاردين بعد قتل الأخر لصديقه الضابط اثناء مطاردتهم لمجموعة من منفذي عمليات التفجير في مصر , فالشخصيتين بينهما هوة عميقة ومناقضة , فشخصية عمر في الاصل الروائي هي نفسها الشخصية التي يطارها علي في الفيلم السينمائي , فكيف تتطابق الشخصيتان وهما يسيران في إتجاهين متضادين , "علي" الذي نكتشف تدريجياُ انه مصاب بهلاوس عقدة الذنب لقتله أحد الارهابيين أثناء مطاردته له ,  ليس بدافع المطاردة ولكن بدافع الثأر بعدما قتل هذا الارهابي صديقه الضابط , فلا يجد سبيلا للتخلص من هذه الهلاوس الا بالاتجاه الي الله , مرة عندما يراوده طيف امه المتوفاة وهي تلقي عليه بعض من أيات الله فيبتسم وينشرح صدرة ومره أخري ينتابه هذا الهاجس فيسرع للتقرب من الله أكثر ومواصلة صلاته في حديقة منزل المفكر السياسي سالم عبيد , ان كان الايمان هو تخليص النفس من كل الشرور فمعناه يختلف عند كل من علي والارهابي الذي قتله فالفرق واضح بين التدين الظاهر علي شخصية ضابط الشرطة وبين استغلال الدين في ظهر فيه الارهابي القتيل مختبأ في ملابس إمرأه منتقبه , مفارقة كبيرة بين شخصية عمر النجار المعتقل السياسي في الاصل الادبي وبين شخصية علي النجار في الفيلم السينمائي , فقد حول كاتبا السيناريو ملامح علي من مسجون سياسي وقاتل مدان تحت راية الارهاب الي ضابط  شرطة والقتل بالنسبة له أداء واجب مقدس أثناء التعامل مع الشخصيات الاجرامية , فإختلف بناء الشخصية الي النقيض من ارهابي ثوري في فترة الاربعينات الي ضابط شرطة يطارد الارهاب في الالفية الجديدة , مما أضعف تفاعل الشخصية مع باقي أطراف العمل وخصوصا شخصية سالم المؤرخ السياسي الذي يستعين بـ علي للإجابة علي أسئلة تخص بحثه حول الارهاب في فترة التسعينات من خلال تجربته الشخصية مع المتطرفين أثناء مطاردته لهم , مما أضعف كثيراُ تأثير شخصية علي , علي المتلقي فهو محرك هام للحدث لكنه بدا بملامح هزيلة يائسة بالنسبة لباقي الشخصيات فتغيير هوية الشخصية احدث فجوة كبيرة أثرت علي البناء الدرامي للفيلم , فالبعض عادة لا يحبذ وضع العمل السينمائي في مقارنة مع الاصل الأدبي , فكل منهم له تناول مختلف عن الأخر , ولكن لم استطع فصل هذا الجانب عند مشاهدة الفيلم .

 

 المفكر السياسي سالم عبيد , الذي يعد كتابا عن ظاهرة انتشار الارهاب في مصر في فترة التسعينات ,  إختار احد شهود العيان الذي كان قد تعامل مع بعض المتطرفين علي ارض الواقع من خلال مطاردته لهم , ليروي له تفاصيل عن ملابسات حياتهم وأفكارهم وتوجهاتهم , لكن ضابط الشرطة لا يدرك كل هذه التفاصيل الدقيقة جدا من حياتهم وخصوصا ان ما يجمعه بهم دائما هو الموت دون اي حوار فكيف له ان يبصر أدق التفاصيل من الداخل وهو لا يري الا صورة خارجية ملزم بمطاردتها دون أن يفكر , فالمخرج تخلي عن أهم عنصر كان يمثل قلب الاحداث في الرواية وهو شخصية عمر النجار الذي يقدم رؤية نفسية ومعايشة ذاتية تفيد في تحليل الاسباب التي ربما تكون مخفية علي الكثيرين من خارج إطار التجربة ومنها بالطبع ضابط الشرطة , واعطاها سمة سطحية معاصرة إختصرها في شخصية علي الضابط مما  أضعف تأثيرها علي الاحداث وقلل من توترها  , وحصر التفاعل بين شخصية المؤرخ وبين الضابط في مطاردة كل منهم لزوجة سالم عبيد , وربما كان هذا التحول أضعف ما جاء في السيناريو , فلم تؤثر فينا شخصية علي بالقدر الذي تركه سالم عبيد المفكر السياسي المشهور وصاحب المؤلفات العديدة والاستاذ الجامعي المرموق إجتماعياُ الذي يرفض إعطاء جرعة الحقيقة كاملة للأجيال الجديدة , حسب ما تلقنه علي يد استاذه الامريكي والذي إستبدله أيضا كاتب السيناريو عن الاصل الروائي لشخصية الأستاذ الفرنسي الذي تعلم سالم علي يده وهو إستبدال لمدلول واضح عن انتقال القوي من الغرب الاوربي الي القوي الامريكية .

سالم عبيد هذا الشاب الثوري الذي تعرض للإعتقال مقابل أفكارة السياسية الحره يتخلي عن قناعاته ويشي بأصدقائه لإرضاء النظام السياسي الذي يحوله الي عقلية ثقافية عالمية موجهه , ويتظاهر سالم بإصابته بعدوي التقية والتي أصبحت ستارا عند البعض بدافع الخوف من نشر أفكارهم علي الملأ , والتقية هي إخفاء معتقد ما خشية وقوع ضرر مادي أو معنوي علي صاحب هذه الأفكار , لكن شخصية سالم أبعد ما تكون عن هذه الفكرة , فهو يطوع فضوله للمعرفة والبحث حتي وان لم يدونه في مؤلفاته لكنه دائم الإستفادة منها , فيكتشف الكاتب الكبير من خلال بحثه , حلقة الوصل بين إنتشار العمليات الارهابية وبين تهريب مجموعة من رجال الاعمال للسلاح والمصالح الخفية التي تجمع بينهما , فيعمل علي إستغلال الفرصة في بناء ثروة قائمة علي تجاهل هذا النشاط وتحويل وجهته الي عوامل أخري .

 ترجم المخرج إنفعالات شخصياته الداخلية وغموض ذكريات كل منها من خلال الاضاءة القاتمة والمكثفة والمبالغ فيها طوال الاحداث , والتي عكست من خلال تجسيد الظلال واستخدام الظلام علي نصف وجه الشخصيات بشكل مكثف مدي تأثرهم بفكرة أنصاف الحقائق التي راودت الكاتب ومعلمه الامريكي , علي إعتبار أننا من الشعوب التي لا تستوعب الحقائق كاملة , ويحسب للمخرج تقديم الوجه الجديد ليلي سالم في اولي بطولاتها السينمائية الطويلة بعد تجارب قصيرة , وان كان ادائها كسول بعض الشيء ويخلو من تنوع الانفعالات بما يتناسب مع شخصية أميرة المرأه المستهترة المغيبة معظم الوقت عن الحياة بسبب تناولها المفرط للكحول وحياتها المملة مع زوج لا تحبه , وايهام نفسها دائما بخيانته .

أحمد غانم تأخر كثيراُ علي تقديم أولي تجاربه السينمائية كمخرج ومن خلال هذه التجربة , وإن حملت بعض الضعف في بناء السيناريو وتوجيه الممثلين , لكننا نستقبل فنان ذا إحساس عالي يقدم نفسه للجمهور من خلال عمله الاول , ودائماُ ما يحمل العمل الأول نقاط ضعف يمكن تداركها والاستفادة منها في الاعمال التالية .

 

تلك الأيام

قصة : فتحي غانم

سيناريو وحوار : أحمد غانم – علا عز الدين

بطولة : محمود حميدة – أحمد الفيشاوي – ليلي سالم

إخراج : أحمد غانم

إنتاج : العدل جروب  2010

.........................................................................................................

من اسرة ورشة سينما :خاص – القاهرة

وس 26-5-2010

جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر