Cinema Workshop ورشة سينما

شاشات عربية

فيلم الديلر فيلم الديلر

فيلم "الديلر" للمخرج احمد صالح : الوقوع في فخ التكرار والمنافسة بين نجمين

رانيا يوسف

لا ادري لماذا يصر بعض الفنانين علي استثمار نجاح شخصية ما قدموها سابقا ولقيت استحسان الجمهور , من هنا يبدأ حصار الفنان داخل ملامح شخصية وحيدة تفقد مع الوقت نكهتها ويصبح تكرارا باهتا لا معني له , فإستثمار نجاح أي شخصية إن لم تقدم الجديد دائما للجمهور ستطيح بالفنان , طالما يصر علي الفشل المتتالي , كما لمسنا في سلسلة افلام محمد سعد التي جسد فيها شخصية اللمبي بشكل هزلي حتي احترقت وأصبحت دافعا لسخرية الجميع , نفس الشيء بدا منذ سنوات يطارد الفنان احمد السقا الذي اختار نوعية افلام الاكشن طريقا له في السينما , كان اخرها فيلم الديلر , لدرجة جعلت الجمهور يربط بين اسم السقا وتوم كروز ولكن ما هو الجديد الذي يقدمه السقا كل عام سوي القفز في الهواء والركض خلف السيارات وتسلق اسطح المباني ومبارزة عشرات الشخصيات التي يتغلب عليها جميعا بحكم انه البطل الذي لا يقهر طبعا .

فيلم الديلر هو اللقاء الاول الذي يجمع السقا وخالد النبوي في بطولة مشتركة ومبارزة فنية وتمثيلية تفوق فيها خالد النبوي واستحق لقب البطل الاول عن جدارة وتميز ملحوظ , لدرجة وضعت باقي طاقم الفيلم في حرج ومنهم كاتب السيناريو د. مدحت العدل والمخرج احمد صالح وبالطبع احمد السقا , فسيناريو الفيلم والاخراج والتمثيل لم يكن بمستوي الاداء العالمي الذي قدمه النبوي و اعطي من خلاله للجميع درساً في هوية الفيلم الاكشن دون ان يقفز عالياُ ودون ان يطيح بعشرات الرجال , فلم يقدم النبوي شخصية "علي" تاجر المخدرات والسلاح بافتعال وعصبية ملحوظة كما قدمها السقا من خلال شخصية يوسف , بل تميز النبوي بدا ظاهرا من خلال تحكمه بتوقيت تصاعد انفعلاته الداخلية وملامح وجهه وابتسامة الثقة بالنفس والتحدي التي غلبت علي شخصية "علي ", وفي المقابل هرب هذا التحكم من يد السقا وحل محله الصراخ بصوت مرتفع والأنفعالات الهائجة دون مبرر والتوتر الملحوظ الذي مارسه في عدة شخصيات سابقة ويضاف اليهم شخصية يوسف في هذا الفيلم ايضا وقد نقل هذا الانفعال المتكرر الي الجمهور الذي اكتسب من الشخصية توترها وبدأ بالسخرية من اداء السقا المبالغ فيه والنمطي والذي لا يحمل اي جديد عن الشخصيات السابقة التي قدمها في افلامه الاخري , ولا يسعنا الا ان نشهد لخالد النبوي انه غير المفهوم النمطي للادوار الثانية التي وضعها في هذا الفيلم بموهبتة التي تفجرت في هذا الدور في مكانة اعلي  بكثير من التهميش الذي استقر في ذهن المشاهد , ان الادوار الثانية لا تصنع البطولة في الفيلم ولا تمثل الا سندا للبطل الرئيسي , فالمنافسة جعلت النبوي يستعين بكامل موهبتة الفنية التي لم نرها من قبل فيما قدمه , ليعطي باقي طاقم الفيلم درسا في التمثيل وبالتحديد في هذا النوع من الأفلام . , خالد النبوي كتب اسمه علي افيش الفيلم بحروف من ذهب وذلك بأدائه المتميز والذي رفع من شأن العمل الي مكانة عالية لم يكن الفيلم سيصل اليها لو لم يشارك فيه خالد النبوي .

  الديلر , هو جديد أحمد السقا وشاركه البطولة خالد النبوي ومي سليم في أولى بطولاتها السينمائية ، وتأليف د. مدحت العدل وإخراج أحمد صالح، وهو التعاون الثاني بين أحمد صالح وأحمد السقا بعد فيلم " حرب أطاليا ". يروي «الديلر» قصة علي (خالد النبوي) ويوسف (أحمد السقا) اللذان نشآ معاً في بيئة واحدة جمعهما الفقر والطموح في السفر للخارج وحب فتاة واحدة هي  جارتهما سماح  ( مي سليم ) , لكن المنافسة تُحسم لصالح علي فيحصل على سماح بالقوة ويتخلص من يوسف ويدخله السجن ويهرب مع سماح إلى أوكرانيا ليحقق حلم الثراء السريع من خلال عمله في تجارة المخدرات والسلاح , ويدفع بسماح للعمل ايضا في احد الملاهي الليلية , بينما يعود يوسف بعد خروجه من السجن إلى تحقيق حلمه هو الآخر السفر للخارج بطريقة غير شرعية ، ولا يتخلي عن فكرة الثأر من علي بل تتضاعف لديه الفكرة بعد خروجة من السجن فيقرر الهرب داخل إحدى السفن إلى تركيا التي يتحول فيها سريعا إلى أحد سماسرة المخدرات .

مأزق المشاهد

تدور الأحداث بين تركيا وأوكرانيا «رايح جاي» لدرجة أربكت المشاهد وجعلته يفقد تركيزه ودفعته الى ان يتساءل، هما فين دلوقتي؟.. , غلبت ايضا المشاهد البانورامية التي صورت المعالم السياحية للمدينتين على أحداث الفيلم ، ففي احدي اللقطات نجد السقا يتحدث على أنه في تركيا والمشهد التالي نراه يجري في شوارع أوكرانيا، أما علي الذي قفز إلى أعلى وأصبح سياسيا لم يقدم لنا السيناريو تفسيرا ولا حتي بالاشارة ,  كيف وصل علي إلى هذه المكانة المرموقة في المجتمع الأوربي وكيف تزوج من ابنة وزير في الحكومة، واصبح صديقا شخصياً لوزير الدفاع الذي يعمل معه في بيع وتهريب السلاح  , يقفز السيناريو بشخصية علي من حارس شخصي لأحد تجار المخدرات إلى هذه المكانة دون إبداء أسباب ولا حتى بالإشارة وكأنه انطلق من الحضيض إلى القمة في طرفة عين و يتزوج يوسف من سماح بعد انفصالها عن علي و يسعي لإرجاع ابنها الذي انتزعه علي منها بالقوة .

حول السيناريو مشاعر الانتقام داخل علي بدون اي مقدمات إلى مشاعر أخوة وشفقة وخوف على نغمة «أنا واخويا على ابن عمي» . , بعد اختزال يوسف لمشاعر الانتقام من علي والتي عبر عنها عدة مرات من خلال الحوار , نراه يهم بإنقاذ علي وإنقاذ ابنه بعد دخول طرف ثالث في الصراع وهو عدو اخر من اعداء علي قام بخطف ابنه بمساعدة يوسف للانتقام من علي ، وتتبدل الامور سريعا ويتحول يوسف الذي غامر بحياته وعمل بالاتجار بالمخدرات ليصبح ذا شأن وثراء يمكنه من تنفيذ انتقامة من علي , نراه وهو يتحول بعد كل هذه المغامرات الي صديق حميم  في لحظة تتبدل مشاعره العدوانية ويضحي بحياته مقابل حياة ابن علي وبالمقابل ايضا يتحول علي الي صديق ليوسف ويوصيه بتربية ابنه بعد موته ويتعهد يوسف بحمايته وتربيته وكأنهما صديقان حميمان لا عدوان لم تجمعهما العداوة ذات يوم بالرغم من ان أحداث الفيلم بنيت في الاصل حول هذا العداء الذي دفعهما لمطاردة بعضهما، وفكرة الثأر والانتقام التي غلبت على شخصية يوسف وكانت دائما هي الدافع الاكبر له للتمرد والهروب والمغامرة في اتخاذه تجارة المخدرات طريقا له للحصول على أكبر مبلغ من المال يمكنه من كسر حالة الفقر التي يعاني منها كما يمكنه في الوقت نفسه من مطاردة علي والانتقام منه , اذا فمن اين ولدت هذه السماحة والبشاشة التي غلفت شخصية كل منهما تجاه الاخر في مشهد الختام الفانتازي ؟ .

أكشن مضحك

نضيف إلى اهتراء السيناريو لقطات الأكشن المضحكة التي قام بها السقا كعادته في مثل هذا النوع من الأفلام، حيث استنفد طاقته التمثيلية في الأداء العنيف الذي مارسه في أحداث الفيلم سواء بالأداء الجسدي أو الأداء الانفعالي حيث غلبت عليه العصبية غير المبررة في معظم المشاهد ونظرات التوعد أمام شخصية والده شيخ الجامع , فشخصية يوسف هي في الأصل شخصية مقهورة مادياً تجهل رغباتها في الدنيا واجتمعت أحلامها في الهروب من حالة الفقر التي تعيش فيه بأي طريقة ولم تجد سبيلا لها إلا السفر إلى بلاد أكثر ثراء وفخامة عله يجد فيها ضالته  .

«الديلر» من أضعف الأفلام التي طرحت في بداية هذا الموسم، كقيمة فنية وأدائية من جانب طاقم العمل الذي جاهد مستميتا ليستعرض أقصى طاقاته التمثيلية علي الشاشة ، لكنه وقع في فخ التكرار والمماطلة سواء في التمثيل او الاخراج ، فضلا عن استعراض القوة البدنية بشكل تافه، أما القيمة التي خرجنا بها من هذا العمل حقا فهي المنافسة بين خالد النبوي وأحمد السقا التي جعلت النبوي يخرج كل طاقاته التي أدهش بها الجمهور وجعلته من العلامات المتميزة في هذا الفيلم من خلال تجسيده شخصية علي , فالمنافسة حُسمت لصالح النبوي وعن جدارة وبفارق شاسع، اما السقا فلم يقدم أي جديد في الأداء الحركي لمشاهد الأكشن، التي مارسها مرارا  في عدة أعمال سابقة بنفس الأسلوب، أما الأداء التمثيلي فتشابه مع شخصيته في فيلم حرب أطاليا، فالمخرج لم يقدم السقا في شكل مختلف عما قدمه في الفيلم السابق الذي جمعهما سوياً . , مي سليم رغم أنها البطولة السينمائية الأولى لها ورغم صغر مساحة الدور فإن أداءها كان متوازنا وإن لم يكن مميزا، لكنه مقبول، أما الطاقة الأخرى الداعمة للفيلم بجانب طاقة خالد النبوي فهي نضال الشافعي الذي اشتهر بأداء الشخصيات الكوميدية في مسلسلات السيت كوم  لكن مشاركته في هذا الفيلم وضعته بقوة على أولى درجات بداياته الحقيقية في السينما، من خلال تقديمه شخصية الصديق المخلص الذي يضحي من أجل صديقه رغم تباين انفعالات الشخصية ما بين القوة والضعف والصداقة التي جمعته مع يوسف .

دعاية سياحية

عمد المخرج إلى تحويل جزء كبير من أحداث الفيلم إلى دعاية سياحية لمعالم تركيا بتركيزة المفرط على تصوير أبطال الفيلم في مجموعة من المناطق السياحية بلقطات بانورامية متعددة تصور تركيا في أبهي صورها، وصورة اخري موازية لهذه الصور الساحرة قدم نموذج لقصر قديم مهجور أشبه ب«الخرابة» التي تؤوي عددا من المهاجرين الهاربين للبلاد بشكل غير شرعي من بينهم يوسف , وكأن هذا الجمع هو مقلب القمامة الذي يلوث هذا الجمال الموازي له، فمن خلال عرض الصورة ونقيضها يضعنا المخرج أمام هذه الفكرة وأمام حل وحيد لطمس هذه الصورة القبيحة وهي التخلص من هؤلاء المهاجرين غير الشرعيين إما بإلقاء القبض عليهم وترحيلهم، أو بتحويلهم إلى سماسرة وتجار للمخدرات أو السلاح، الصورتين الاكثر وضوحا للمصير الذي ينتظر حلم الهجرة غير الشرعية على الجانب الآخر .

............................................

من اسرة ورشة سينما – خاص : القاهرة

و س  12 - 7-2010

المقال للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر