Cinema Workshop ورشة سينما

شاشات عربية

عبير صبري عبير صبري

فيلم "عصافير النيل" للمخرج مجدي احمد علي  : شخصيات ضائعة تبحث عن ذاتها بأشباع الغريزة

انتقالات زمنية في حياة عائلة مصرية

رانيا يوسف

تعود في هذا الموسم السينمائي في مصر ظاهرة الإقتباس من الادب بعدما بدأت السينما المصرية الابتعاد قليلاٌ عن هذا النوع الفني وعادة ما يقدم شكل خاص جداُ للفيلم السينمائي والذي يختلف نوعاُ ما عن الشكل المعتاد للسيناريو المكتوب مباشرة للسينما .

فيلم عصافير النيل الذي يعرض الأن في دور العرض المصرية مأخوذ عن رواية للكاتب الكبير إبراهيم أصلان بنفس العنوان , قدمها منذ عدة سنوات لقراءه , وحسب رواية الكاتب انه استغرق في كتابة الرواية ما يقرب من العشرين  عاماُ , حيث كانت أحداثها تدور في ذاكرته إلي ان إجتمعت كل الخيوط لتنسج الرواية في شكلها النهائي , الفيلم سيناريو وإخراج مجدي أحمد علي , وقد عرض الفيلم داخل المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي العام الماضي وحصل فتحي عبد الوهاب علي جائزة أحسن ممثل عن دوره في هذا الفيلم , كما عرض الفيلم ايضا في الدورة السابقة لمهرجان دبي السينمائي , وفي المهرجان القومي الأخير للسينما المصرية ونال الموسيقار عمر خيرت جائزة احسن موسيقي تصويرية عن هذا الفيلم.

الفيلم يحكي من خلال الانتقالات الزمنية المتعددة بين الماضي والحاضر روايات مختلفة لعائله مصرية مضي أفرادها في إتجاهات مختلفة , عبد الرحيم بطل الفيلم أتي من القرية إلي المدينة تاركاٌ أرضه بحثاُ عن الوظيفة الحكومية وحياة المدينة الواسعة حالماُ بتغيير مستوي معيشته والارتقاء نحو حياة  أخري مضيئة , لكنه سريعا ما يصدم بمفهوم التغيير التقليدي الذي عايشناه في العديد من هذه القصص التي تتناول رحلة الانتقال من الضيق الي السعة , الانتقال من التلقائية الي الترصد من الحياة البسيطة الي ابتلاع المدينة الصاخبة , يأتي عبد الرحيم محملاٌ بالأمال التي يختزلها الكاتب في شهواته النسائية المفرطة والعشوائية التي يجد فيها دائماُ عزاء لحياة أخري فرضت علي كل من فيها اسوارا عازلة عن مجتمع أخر سوي , يطمحون إليه لكنه بعيد جدا عنهم يفصلهم عنه ضعفهم المكتسب في البحث عن الحق والصبر الذي لا يمتلكون رصيدا غيره في الحياة .

تبدو شخصية عبد الرحيم ( فتحي عبد الوهاب ) منذ المشهد الأول شخصية ضائعة لا تسعي لتكوين حياة متوازنة لكنها تعكس مفردات شخصية ساذجة هوجاء تسعي دائماُ لإرضاء شهواتها بفطرة الحيوان دون إعمال العقل , والعقل هنا يكمن دائماُ في الطرف الأخر وهن النساء اللاتي علي نقيض شخصية عبد الرحيم , فكن الرادع الأكبر لفراسته الجسدية وضآلة عقله , وكأنهن يسلمن الفريسة من يد الي يد , شخصية :  بسيمة ( عبير صبري ) التي تنجح في إغرائه ليقيم معها علاقة , هي نفسها التي ترفضه عندما تلمس سلبيته ومدي ضعف ارادته وترحل عنه ليواصل رحلة البحث عن أخري تكبح شهواته فتمسك الاخري بزمام عقله وتقوده حيث تريد , ومن شخصية الي اخري ومن امرأه الي أخري يتأرجح عبد الرحيم الذي لا يفقه شيئاُ في الحياة سوي معاشرة النساء اللاتي يقعن تحت يديه , سواء في الحلال أو الحرام حسب رغبة الطرف الأخر , فبسيمة التي يدعي حبها في البداية تجد فيه عزاءا لها في وحدتها , أما الشخصية الثانية وهي شخصية الأم التي يتعرف عليها من خلال عمله في إحدي مكاتب البريد , تستدرجه في دلالات ايحائيه صريحه لرغبتها في معاشرته, لكنها وبشكل غير منطقي ترفض اقامة علاقة معه الا بعد الزواج الذي سريعا ما ينتهي من أجل الحفاظ علي الدخل الثابت التي تحصل عليه من معاش زوجها السابق , والذي يستحيل الحصول عليه بعد اعلان زواجها من عبد الرحيم , فتقرر التضحية بحقها الطبيعي كانثي من أجل مواصلة الحياة وتربية أبنائها وتنفصل عنه , لكن شهوته الحيوانية لا تستوعب سوي إرضاء إحتياجاته الجسدية , فيقوم بإغتصاب زوجته السابقة بعد الطلاق .

عبد الرحيم شخصية سلبية اتكالية  تعكس ثقافة توريث اللامبالاه وخليك في حالك ومن خاف سلم  , والمقولة الاشهر إمشي جنب الحيط التي ترددت علي مسامعنا طوال الوقت حتي أصبحت جزءا من ثقافتنا اللغوية ,عبد الرحيم ظهر دائماُ في خلفية الأحداث التي جمعته مع تلك النساء اللاتي كن أكثر منه إيجابية فهن كن عقله المغيب الذي سيطرت عليه شهواته اللانهائية بشكل تام وهي دائماُ ما  كانت تمثل بالنسبة له قيدا يطوق عنقه أمام كل إمرأه يصادفها حتي انه خسر الوظيفة التي مثلت حلمه في المدينة وهو الذي أتي من قريته بحثاُ عنها بعد أن تغلبت عاطفته علي إعمال العقل .

نرجس ( دلال عبد العزيز ) هي الأخت الكبري لعبد الرحيم وهي الشخصية الأكثر فاعلية من أخيها , تمتلك  قوة خفية تمكنها من تحمل ضربات الحياة القاسية , فهي مثل كل أم مصرية تحاول الحفاظ علي بيتها وستر أسرتها من تقلبات الزمن وضعفها الوحيد هو خوفها من الظلام , ظلام الروح والحق والوعي , ظلام الظلم والجهل والقهر الذي تفيض به نرجس وهي نسخة من نماذج كثيرة من هذه الطبقة الموجودة علي أرض الواقع , تحاول نرجس دائماٌ أن تكون في مقدمة الأحداث بفاعلية وقوة لاتتوفر في شخصية الاخ , فتتولي نرجس مسؤولية  اخيها وابنائها وزوجها ( البهي – محمود الجندي ) الذي أصابته خيبة أمل وانكسارا نفسيا بعد الاستغناء عنه وإحالته على التقاعد , فتبدأ رحلة نرجس في الحفاظ علي كيان هذه الاسرة حتي باعت اثاث البيت دون علم أحد , يرفض وعيها هدم هذا الكيان بعدما ذهب كل فرد منهم باتجاهه وإختياره , أبنائها اللذين يمثلون المستقبل يدخلون في متاهه لا نهائية بدعوي البحث عن حقهم المشروع في حياة بسيطة لكنهم يدركون أن لا أحد ينتبه لوجود ظل لهم , فيبقي احدهم مطاردا والأخر سجينا , أما الأم وهي التي تمثل الماضي فتختار الرحيل من هذا الظلام الي النور الدائم .

يظل عبد الرحيم دائماُ كالعصفور الحزين الذي يبحث عن عش يهبط عليه , لكنه يصاب مثل ملايين أخرين بأمراض أصبحت عادية في مجتمعنا , وأصبحت من سمات مجتمعنا , يصاب عبد الرحيم بأحد هذه الأمراض التي تدفعه الى السكن في عش ثابت  بجوار بسيمة حيث يتقابلان معا من جديد ولكن بعد مضي الزمن , في داخل احدى مستشفيات العاصمة حيث  نقلها لنا المخرج مجدي أحمد علي في صورة هادئة نوعاُ ما لكنها لا تعكس مجمل الصور الحقيقية الصادمة في واقع الأمر , فالعصفور الذي شرب في البداية من ماء النيل لم يعد اليه , لكنه شرب ورحل وانتهي الى المكان الطبيعي له , فالماء ملوث والأكل مسرطن والهواء أصبح شحيحاُ والأمراض أكثر تطوراُ وانتشاراُ , وأسرة المستشفيات الحكومية أصبحت المأوي الطبيعي للمواطن المصري .

..........................................

من اسرة ورشة سينما – خاص : القاهرة

و.س 7-6-2010

جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر ..