Cinema Workshop ورشة سينما

شاشات عربية

بوستر الفيلم بوستر الفيلم

عزبة أدم .. سيناريو سوداوي لمجتمع إفتراضي

رانيا يوسف

هل يمكن لمجتمع ان يحيا حياة سوية دون وجود نزاع دائم بين الخير والشر , بالطبع لا فهذا قانون الحياة منذ أن خلقت الأرض , ولكن الجديد الذي قدمه لنا صناع فيلم عزبة أدم , توليفة غير إعتيادية صراع لم يكن الخير أبدأ طرفاً فيه , صراع الشر مع الشر من أجل المزيد من السوداوية التي دسها لنا المؤلف محمد سليمان في سيناريو فيلم عزبة أدم وترجمها المخرج محمود كامل في لقطات مجمعة لم يستوعب المشاهد مبرراتها  , لوحة سريالية مطموسة المعالم لقطيع من بشر جرده صناع الفيلم من أدني صفات الأخلاق , رجال كانوا أم نساء فالجميع في عزبة أدم يتحول دون مقاومة وبشكل أشبه للتلقائية الي اسمي معاني الإنحراف .

عزبة أدم كما بدت لنا في معظم مشاهد الفيلم منطقة منبوذة من العالم الخارجي لها , عشوائية التفكير والاخلاق , لم يستدل لها علي هوية مكانية الا في مشهد واحد حمل صورة الرئيس , لو أسقطناه من الفيلم لتحول المكان بكل ما فيه الي قطعة من عالم إفتراضي إختفت منه الملائكة وسكنته الشياطين بكل أفعالها الفاسقة .

لا أبالغ بهذا الوصف فمن شاهد الفيلم يمكنه أن يدرك ذلك ومن لم يشاهده لن يخسر الكثير , فالمؤلف صب كل أنواع الإنحراف في قالب شخصيات القرية والتي لم يكن للخير مكان فيها الا من خلال شخصية رجب شيخ الصيادين , التي لم يعطيها المخرج أدني صفات الشجاعة ولا المقاومة , فها هو خيط النور الوحيد الموازي لطوفان الشر سلبي الي ابعد حد يخشي الافصاح عن أهاته وظلمه والتصدي لقوة الفساد , يرحل بأمر ضابط العزية الفاسد بعد ادخال ابنه السجن ظلم متمها بالقتل , يرحل رجب عن هذا المكان المليء بوباء الانحلال , بالاضافة الي شخصية المدرس الذي سحقه أطفال العزبة تحت أقدامهم مستهزئين بعلمه وثقافته التي لا تجدي ولا ترفع عنهم غطاء الفقر , فلم يبقي شيئاً في عزبة أدم بعد سحق العلم وطرد الخير واظهاد الضعف سوي حامد ومصطفي أصدقاء الطفولة , حامد يبدو كمجرم بالفطرة ومصطفي يتبعه في أفعاله بحكم الصداقة التي تجمعهم , يتخلي مصطفي عن دراسته التي لم ينظر لها الا كونها مجرد جسراً يعبر عليه ليخرج الي المجتمع الأخر الأكثر نوراُ وثراء عنه في مجتمع العزبة المنحط المليء بالساقطات وتجار المخدرات واللصوص .

لكن مقاومته لم تدم طويلاً فمن أجل مريم ( دنيا سمير غانم ) أحد ساقطات العزبة , يتخلي مصطفي عن رغبة والده في إستكمال دراسته والتي لم يظهرها علي انها رغبته الشخصية في تردد دائم لهذا الاحساس فيشارك صديقة حامد عملية سرقة أحد الاثرياء في العزبة فتتحول العملية الي جريمة قتل يتحملها مصطفي بمفردة بعد ان يوشي به حامد في صفقة يعقدها معه ضابط الشرطة مقابل مساعدة في الايقاع بتاجر المخدرات الاشهر في العزبة .

ويتواصل الانحلال داخل العلاقات المتشابكة بين سكان عزبة أدم , يتحول مصطفي بفعل الظلم الي إرهابي بعد خروجه من السجن ويعود ليتردد علي القرية ولكن تذبذب شخصيته وتبعيته منذ البداية وراء صديقة تجعله يتراجع بعد علمه بالصفقات المشبوهة التي يقوم بها الجماعة الاسلامية التي ينتمي لها , فيهرب ويبلغ عنهم الشرطة ويتزوج من قوادة القرية ( هالة فاخر ) ويعمل معها في توظيف الاموال , ويتزوج حامد من مريم رغماً عنها وينجب طفلا يموت بسبب تجارة ابيه للمخدرات , والجميع يموتون في النهاية ومن يبقي حياً هي الساقطة .

عرض المخرج والكاتب شخصيات عزبة أدم منحلون بالفطرة فالفقر لم يكن وحده السبب الرئيسي ولا الدافع الوحيد لانحلال مجتمع العزبة المصغر عن المجتمع الكبير , لكن توافر النية والمناخ المناسب والبيئة الخصبة لذلك هما من العوامل المساعدة علي نمو كل هذه الشرور في نفس الشخصيات المستسلمة لأمرها الواقع وقدرها المحتم الذي لم يفرض عليها , فدائماً هناك خيارات وإن كانت أحياناً قاسية وبعيدة المنال لكنها لا تبدو قريبة وممكنة إلا لمن يمتلك في الاساس إرادة ووعي حقيقي بوجودها الي جانب الخيارات الاخري .

ذكرني أحد مشاهد الفيلم بمشهد من فيلم طيور الظلام بين الفنان عادل امام ورياض الخولي , مبارزة بين قطبي الشر بالحديث رغم ان لكل منهم طريق منفصل عن الاخر الا انهم بالنهاية يجتمعون تحت وطأة الفساد , كما هو الحال هنا وبنفس هيأة هذا المشهد نرصد مبارزة موازية بين حامد ومصطفي الذي يصر عن الابتعاد دائماُ عن صديقة بحجة ان طريقهم مختلفاً وكأنه واعظ ديني يبرزه المخرج في أكثر من مشهد علي هيئة ملاك يشع وجهه نوراً يظهر ويختفي أمام مريم الساقطة والتي لم تتوب عن أفعالها الا بعد زواجها بالاكراه من حامد , في نفس المشهد الذي يطابق الي حد كبير مشهد فيلم الجزيرة لأحمد السقا , ينصرف عن حامد كل أعوانه بعد إصابته بلوثة الغرور , و تطارده الشرطة حيث يقف اعلي شرفة بيته المصفح ويتبادل معهم اطلاق النيران كأنها الحرب إشتعلت دون رادع , وتضع زوجته الضعيفة مريم حداً لهذه الحرب  فتشعل في حامد النيران دون ان يحاول منعها او مقاومتها كأنه لا يقوي عليها , ويتنقم زعيم الجماعة من مصطفي ايضاُ فيقتله , وينتحر الضابط بعد تحويله الي التحقيق .

حامد ( فتحي عبد الوهاب لم يخرج عن إطارة المعتاد في تقديم شخصية ابن البلد التي رأيناه يقدمها في فيلم فرحان ملازم أدم وغيرها من الاعمال التي كانت تتشابه مع شخصية حامد , بل في هذا الفيلم بالغ فتحي في انفعالاته التي عكستها ملامح وجهه وعيونه التي يحاول دائماً أن يرسم بها ملامح الشر علي الشاشة , الصوت العالي والصراخ الذي خرق أذان المشاهد في صالة العرض جعل البعض يضحك سخرية ويعلق علي الاحداث ( خلصونا بقي ) , وبالمثل شخصية مصطفي ( أحمد عزمي ) هاديء الوجه دائماً كما تعودنا عليه وضع ايضاُ في قالب الشخصية المترددة , ومريم ( دنيا سمير غانم ) وان لم يكن دورها علي المستوي الجيد لكن أدائها المتزن وابراز المخرج لجمال وبساطة وجهها رفع من أدائها واعطي مساحة كافية يمكن ان ندلل علي نجاحها الفني من خلال هذا الفيلم , بشكل عام عند متابعة الفيلم لا يسع للمشاهد الا حل من اثنين ان يخرج من القاعة وينقذ نفسه من معاناة المشاهدة , أو يبقي ويكتم أنفاسه ويغفو علي الكرسي .

عزبة أدم

تأليف: محمد سليمان

إخراج: محمود كامل

بطولة: أحمد عزمى - فتحى عبدالوهاب – دنيا سمير غانم – محمود ياسين – هالة فاخر

إنتاج: كريم السبكى

مدة الفيلم: 110 دقائق

................................

من اسرة ورشة سينما – خاص

وس 4-1-10