Cinema Workshop ورشة سينما

فيلم إحكي يا شهرذاد للمخرج يسري نصر الله : المرأه في عيون أدم

قصص نفسية لسيدات تعرضن لظروف إجتماعية قاسية وضغوط جنسية

رانيا يوسف

ينتابك شعور غريب عند متابعة أحداث فيلم إحكي يا شهرذاد , إحساس يدفع بالمشاهد سواء كان رجلاً أو إمرأة أن يعتلي الكرسي المجاور لكرسي المذيعة هبه التي تجسد دورها الفنانة مني ذكي لتغمض عينيك عن اي حاضر وتغوص في اعماق الذات المنسية وتقف لدقائق أمام نفسك لتواجهها بكل نواقصها واخطائها .

إحكي يا شهرذاد رواية ممتدة لعدة تجارب إنسانية تجمع ما بين عالم المرأه وعالم الرجل من خلال جانب واحد ورؤية واحدة هي عين شهرذاد السردية التي إنتقاها الكاتب وحيد حامد لتقود دفة الاحداث صعودا وهبوطا ولكن دون أن يتحيز الكاتب لطرف معين مقابل الطرف الاخر أو يغالي في تحميل المسئولية كاملة وارتكاب الخطأ لطرف واحد فقط من أطراف العلاقة المزدوجة والمعقدة جداً بين الرجل والمرأه , فلكل حكاية ظروف وجوانب وملامح مختللفة وتفاصيل تختص بها وحدها عن غيرها ولا يمنع من وجود متشابهات أحيانا في هيكل المعاناة الخارجية لكن لا يوجد تطابق مطلق بين كل قصة واخري , فحواء قادرة أن تجسد كل ليلة في علاقتها بالرجل شخصية غريبة وجديدة علي مسامعنا , لا يدرك ابعادها جيدا الطرف الاخر الذي يصعب عليه احيانا التسلل لعقل المرأه وادراك غايتها وهدفها ونواياها الحقيقية تجاهه .

قصص نفسية

الكاتب وحيد حامد تمكن من خلال خبرته الطويلة في عالم الكتابة السينمائية أن يحترف تشخيص إحساس النماذج الحية من حولة وإختزال ردود أفعالهم لتظهر لنا بعد ذلك بنمط جديد من خلال السطور في أعماله كشخصيات واقعية تنبض بالحياة نشعر بحيويتها ووجود مشابه لها في واقعنا وأحيانا تتطابق مع شخصياتنا الذاتية في كثير من المواقف .

إحكي يا شهرذاد مجموعة من القصص النفسية لبعض السيدات الاتي تعرضن لظروف إجتماعية قاسية وضغوط جنسية دفعت ببعض منهن الي ارتكاب الفاحشة والي ارتكاب الجرائم او الي الانعزال عن العالم الذكوري او الي الانقسام البدني والنفسي لإرضاء قطيع من مجتمع تميز بالاذدواجية في تصرفاته وتضخيمه لصغائر الاشياء , هبه (مني ذكي ) مذيعة برنامج توك شو بأحد الفضائيات وهي ايضاً  زوجة لأحد الصحفيين الذي يطمع ويسعي لهدمها وتحويل نجاحها الجماهيري في تقديم المواضيع السياسية الي ركام يقف فوقه ليعتلي سلم النجاح دون بذل مجهود أو تضييع للوقت , فيطلب منها الانصراف عن عرض مثل هذه الموضوعات التي تثير غضب المسئولين مما يدفعهم الي تأخير فرصتة ان يصبح رئيس تحرير احد الصحف القومية الهامة , فتنصاع هبه لرغبة الزوج الاناني وتحاول الابتعاد عن كل ما هو سياسي بحت في عملها وتتجه لفتح مواضيع جديدة , اكثر انسانية واجتماعية تعبر عن الهموم التي تجتاح حياة النساء  لكنها كلما حاولت الابتعاد عن المأسي السياسية والاندماج في المشاكل الاجتماعية كلما اقتربت اكثر واكثر من اوضاع سياسية مختبئه في رداء اجتماعي تعجز عن اخفاء وجوده الواضح , حتي يفاجئها زوجها بعبارته المباشرة ان السياسة تدخل في كل شيء حولنا , اذاً الي اين ستهرب هبه  فهي تدور مع ضيوفها في حلقات مفرغة يعزلها عن الخارج جدار صلب لا يسمع داخله سوي صدي لصوت شكواهن .

نماذج نسائية متعددة

النموذج الاول في عالم سرد شهرذاد هو نموذج العانس التي تجاوز عمرها سن الزواج وتقيم بعد بلوغها الخمسين في مصحة نفسية أملاً في كسر إحساس الوحدة والضياع الذي لحق بها وطاردها في كل مرة ترفض فيها أن تكون عارضة لانوثتها داخل فاترينة يشتهيها الرجال , سوسن بدر قدمت هذه الشخصية بتنوع إحساسها بين الفرح والالم والحزن والتردد والاضطراب بطريقة هادئة جدا في العرض وعنيفة جدا في الاحساس , نموذج المرأه الجميلة المثقفة المرأة العاملة التي تأبي الحياة الشكلية مع رجل لن يقدم لها في الحياة سوي فحولته , مفتقداً أهم ما تبحث عنه النساء في الطرف الاخر  وهو الامان النفسي وليس كبح شهواتها وقت اللزوم .

أما النموذج الثاني والذي أشهد أن المؤلف قدمه بكل محايدة وتوازن في صنع النهاية له هو نموذج صفاء ( رحاب الجمل ) , صفاء الاخت الكبري لشقيقاتها الاخريات تدفعها كرامتها كأنثي تعرضت للخيانة والغدر قبل ان يدفعها احساس المسئولية تجاه اخواتها , الي الانتقام من الرجل التي وهبته نفسها بعد ان تكتشف غدره بها و بباقي اخواتها بنفس الطريقة والاسلوب, فتقتله وتشعل فيه النار داخل مشهد انتقامي مبرح ووسط حالة من الهيستيريا التي لحقت بها بعد علمها بفعلته مع شقيقاتها .

لم يعطنا الكاتب إحساس بالتعاطف مع شخصية صفاء علي أنها ضحية خداع رجل بل وضع صفاء واخواتها موضع حواء التي أخرجت أدم من الجنه بعد غوايته , فالاخوات الثلاثة كن يتسابقن بإستماتة لإثارة هذا الرجل نحوهن ولكن خفيه بعيداً عن اعين بعضهن , وصفاء نفسها الفتاة التي تبدو جادة ظاهرياً أعطته ما لم يكن يرغبه منها بكل سهولة ودون سعي منه لذلك وتباعاً كانوا اخواتها سارا علي نفس منطقها دون ان يعلم احد منهن طبيعة علاقة الاخريات به وكأنهن ولدن منحرفات بالفطرة , ربما كان يرمي الكاتب الي دفع التهمة عن الرجل والصاقها بالمرأه علي انها غاوية له وليست ضحية لخداعة وكذبه فقسم المؤلف المسئولية بين الجاني والمجني عليه دون ان نعلم من هو الجاني ومن هو المجني عليه , فأنصف في العقاب بين الرجل والمرأه , صفاء قضت خمسة عشر عاماً في السجن وهو قتل علي يدها .

شهرذاد الثالثة دكتورة اسنان من طبقة راقية جدا وغنية من طبقات المجتمع المصري ونلاحظ من خلال تصنيف المؤلف و إختياره للشخصيات تفاوت في المستوي الاجتماعي لكل شريحة تم معالجتها  في الفيلم , شخصية العانس تنتمي لطبقة متوسطة وصفاء تنتمي لطبقة شعبية والان طبيبة الاسنان وزوجة احد السياسيين التي تقع فريسة لإحتيال الزوج المزيف تعد من طبقات المجتمع الراقي , فهذا التتابع يدل علي ان المرأه هي المرأه مع اختلاف مستواها المعيشي مشاكلها لم تتفاوت مع حجم ثروتها او فقرها بل المشكلة الكبري لدي كل النساء اينما كانوا هي الرجال مع تعدد الروايات وأماكنها واختلاف محتواها ومن منهم الجاني ومن المجني عليه تبقي علاقة الرجل بالمرأه جدلية لا تنتهي .

عادات وتقاليد

أما الشخصيتان الاخريان لحلقات البرنامج الاولي يدعوها سلمي حايك مصر , لا ادري لما فهي لا تشبه سلمي حايك لا شكلاً ولا مضموناً , فتاة مقسومة نصفان كما عبرت هي عن حالتها , تعمل بائعة في احد محلات العطور الراقية نراها ترتدي القصير والمكشوف وعندما تتبعها عيون الكاميرا في رحلة عودتها لمنزلها داخل احد الاحياء الشعبية جدا التي ترفض هذا النمط الغربي , بل يلزم سكانه بإتباع عادات وتقاليد متدينة حفاظاً علي شرقيتهم , فتتحول سلمي الي فتاة محجبة وملتزمة فور دخولها من هذا الباب وتصبح صورة ممسوخة للنموذج الأمثل الذي يقبل به مجتمعها والحي التي تسكنه , سرد سريع للشخصية التي لم يكمل ملامحها المؤلف بل تركها مطموسة المعالم دون استعراض لتفاصيل اكثر و الاشارة الي اساس المشكلة التي تضعف قوي سلمي وتجعلها تقسم الي شطرين , فلا يهم لأن اسباب هذا الانقسام بديهية ومعروفة فهذا الشكل ليس غريب علينا ولا علي المجتمع العربي بشكل عام ويكفي الاشارة اليه سريعا حتي لا يكون تكرار مستهلك او موضوع لاستنفار شريحة تنتظر اقل تفصيلة لتهيج علي صانعها بإسم الدين , فقضية حجاب المرأه لإرضاء المجتمع وحده دون الله لم تعد غريبة علينا ولو يتوقف مفهومنا للحجاب عند غطاء الشعر لتحولت الي ظاهرة دينية عادية لمجتمع متدين وليست ظاهرة سينمائية ولكن ما قصده الكاتب كما ذكر في حواره ان الغطاء الحقيقي الذي نتجادل فيه ونحاول ازالته هو حجاب العقل وليس حجاب الرأس .

هبه مقدمة البرنامج تحولت في نهايته الي احد النماذج المجاورة لها في الحلقة بعد ازلال زوجها وإهانته لها ضرباً حتي تشويه وجهها الذي هو رأس مالها الحقيقي امام الشاشة وعمد الي ذلك ليطيح بهذا النجاح غيرة وانتقام وأنانية سببها له فشله في الوصول الي كرسي رئيس التحرير محملاً اياها المسئولية عن هذا الفشل ,  فتقود هبه حلقتها الاخيرة من علي كرسي الضيوف كمثال حي ضد هذا العنف الزوجي , ليست كمذيعة بل كإمرأه حالها حال كل الضيوف السابقين انثي لم تشفع لها شهرتها ولا نجاحها بالتخلي عن ممارسة الجريمة الانسانية ضدها لتأكيد الارتباط علي ان حياة المرأه وعلاقتها بالرجل لا تخضع لأي معايير طبقية سواء نجاح او شهرة او ثراء او ثقافة او جهل , فالرجل هو الرجل والمرأه هي المرأه ان كانوا ملوكاً او جاهلين , هي نفس المرأه وهو ذاته الرجل داخل كل بيت مغلق يخفي توترات وعلاقات واسرار لم ولن ندركها كاملة مهما وصل بنا العلم والبحث والثقافة والتحليل .

معالجة المخرج

المخرج يسري نصر الله إتهم كثيراً بغموض إسلوبه في سرد أفلامة سواء في السيناريو او في إتباعة لتكنيك إخراج فني محترف يصعب علي المشاهد البسيط استيعابه , هذا ما جعل منه مخرجاً له بصمة متميزة ومختلفة عن كل مخرجين جيله , نراه هنا ايضاً في بعض المشاهد لم يتخلي نهائياً عن هذا المنطق ولكن الفكرة الاساسية للسيناريو واضحة لكل أصناف المشاهدين رغم محاولات يسري المستميتة في مزجه بين اسلوبه وبين سيناريو الفيلم لكن الكاتب وضعه دون ان يدرك في التزام تام بعدم تغريب الاحداث فلم يستطع المخرج هذه المرة أن يصنع عملاً فنياً لا يستوعبه سوي النقاد , لكنه ولأول مره صنع عملاً جماهيرياً ونقدياً وتجارياً متعادل البناء ولكن لا يخلو الفيلم بالطبع من اسلوب المخرج الذي إعتدنا عليه والشعور به من اول مشهد يظهر لنا علي الشاشة , فإن لم يكن قد وضع إسلوبة الفلسفي علي السيناريو لكنه تركه علي باقي العمل , اسلوب متفرد لا يشبه أحد في توظيف اللقطات وتكنيك الصورة والاضاءة المبهرة الناعمة والغامضة لبعض الوقت وأخيراً إكتشافة لروح جديدة تمتع بها اداء جميع طاقم العمل ,  وجوه رغم احترافها التمثيل الا اننا وجدناها بشكل مختلف في اعادة اكتشاف انفعالات واسلوب مبتكر لأدائهم علي الشاشة , فقد حقق المخرج الكبير يسري نصر الله معادلة صعبة لم نلمسها في اعماله السابقة وهي تقديمه لعملاً سينمائياً يرضي جميع الاطراف , النقاد والجمهور والمنتج والسوق السينمائي.

يؤكد وحيد حامد في هذا الفيلم أن المرأه ليست كائن ضعيف كما يظنها الرجل بل هي كائن يفكر ويقرر كائن حر بإختياراته ويقوي الدفاع عن نفسه ضد ظلم وغدر الرجال بل وتعاود بعد ذلك مواصلة الحياة من جديد , فالمرأه تقرر الوحدة وتتخلي عن انوثتها والمرأه تقتل الخائن دفاعا عن شرفها والمرأه تحتج علي الظلم وتتحايل علي اذدواجية المجتمع الشرقي والمرأه تواجة العنف والقهر , وجهة نظر ذكورية قدمها لنا بحيادية كل من وحيد حامد ويسري نصر الله , تحية لهم .

.............

من اسرة تحرير ورشة سينما –خاص

وس اص 246-9-2009