
فيلم " طباخ الريس " للمخرج سعيد حامد
السينما العربية عندما تقدس الديكتاتورية
حميد عقبي
الفقراء ملح العالم منذ بداية ميلاد السينما، قام الكثير من المخرجين مثل شابلن، سيكا، بونويل، بازوليني وغيرهم بعكس صورة إنسانية للفقراء والمهمشين، السينما أداة فكرية وفلسفية لفضح البرجوازية والنظم السياسية الفاسدة .
يوسف شاهين صاحب أروع لقطة ستظل محفورة في أذهاننا في فيلمه الأرض، حيث يتم جر محمود المليجي فيتشبث بالأرض بيديه وأصابعه ، قدمت السينما المصرية في عصرها الذهبي صورة واقعية للمشاكل الاجتماعية رغم مضايقات الرقابة وسطوتها .
فقدت السينما المصرية شبابها وبريقها وأصبحت أداة لتزيين صورة الحاكم المستبد وتقديمه في صورة مثالية ومقدسة، صورة الفقراء والمهمشين في الكثير من الأفلام المصرية في السنوات الأخيرة هي صورة مقرفة ومقززة ، فالحارة والحي الشعبي مسكن للإجرام والجهل والرذيلة، سكان العشوائيات والحواري فئة مستهلكة وعالة على الحكومة والرئيس الذي يسعى بكل جهد لرفع مستوى شعب صعب كسول وأكول .
فيلم طباخ الرئيس نموذج لأفلام تقدس الديكتاتورية وتسخر من الشعب المصري وبالذات فئة الفقراء وسكان العشوائيات والحواري، طلعت زكي يُجسد شخصية الطباخ والمحكوم الذي يكتشف صورة الحاكم ويناضل لنقلها إلى الآخرين الذين يجهلون عبقرية وروعة ومثالية الرئيس .
المعارضة فئة حاقدة تشوِّه صورة الحاكم وتجهل أن امن وسلامة البلد قد تنهار في حال تغير هذا النظام، هذا ما يريد الفيلم قوله ويؤكد عليه .
في بداية الفيلم نتعرف بالتوازي على الطباخ الذي يعيش مع زوجته في بيت أخوها ولا يتمكن من الحصول على قُبلة واحدة، اخو زوجته يُرابط بغرفة النوم كلما يخرج منها تدعوه زوجته للحضور لممارسة الجنس، صورة للمواطن الذي همه وعمله الجنس ولا يهتم بأولاده أو أسرته في الحارة ، الستات ليس لهن هم إلا الأكل والطبخ ، ومع ذلك يجهلن حتى الطبخ، إحدى السيدات تسأل الطباخ عن المحشي والأخرى عن الطاجن وهو يرد ويرشدهم .
في مكان آخر خالد زكي الذي يلعب دور الرئيس يُعاني من الممارسات الخاطئة للحكومة ويكتشف أن توجيهاته بتوفير الخدمات والرعاية الصحية والاجتماعية لاتنفذ بالشكل المطلوب، الرئيس يعمل ليل نهار يُفكر في غذاء ورفاهية ثلاثة وسبعين مليون نسمة، يكتشف أن بعض المشاريع التي يفتتحها وهمية ومع ذلك لم يُغير المسئولين .
الطباخ يدفع رشوة لعمال البلدية والكهرباء للسماح له بممارسة عمل كشك الطاجن الذي يملكه، الفساد منتشر بشكل فضيع ومع ذلك الأمل الوحيد هو أن يعرف الرئيس بهذه السلبيات، ويتمنى الطباخ أن يلتقي يوما بالرئيس ليعطيه صورة حقيقية للواقع .
يعرض الفيلم الرئيس هو الآخر يبحث عن وسيلة للاطلاع على حقيقة الواقع وهموم الشعب، ويقرر النزول للشارع بدون موكب أو حرس، الرئيس يحب شعبه ولا يخاف منه والشعب يُحب الرئيس، لكن الفيلم يطرح مشكلة المعارضة كعنصر يُعيق نزول الرئيس خوفا عليه، بعد نقاش وجدل بين الأمن والرئيس يرفض الأخير كل التحذيرات ويُقرر التجول بشوارع القاهرة الشعبية كأي مواطن عادي؛ تقرر الحكومة إعلان كسوف للشمس يُصيب بالعمى في يوم جولة الرئيس.
يخرج الرئيس فلا يجد احد بالشوارع ومع ذلك يواصل رحلته يلتقي أخيرا بالطباخ وبعض المواطنين، تتواصل الأحداث ويُصبح متولي طباخ الرئيس لنتعرف على صورة مقربة للحاكم الذي يأكل أكلات مصرية أصيلة وخفيفة ويقضي كل وقته لخدمة الشعب الذي لا يتغير همه الأول والأخير الأكل والشرب والجنس، يقدم الفيلم الصورة العكسية للرئيس .
من وجهة نظر صناع الفيلم العيب الرئيسي وسبب التخلف هو الشعب، الرئيس إنسان رقيق صادق همه الأول والأخير خدمة ورفاهية شعبه لكن الشعب والمسئولين لا يُساعدونه .
مثل هذه الأفلام تجد دعم السلطات والمخابرات كونها تقدم صورة مقدسة لنظام ديكتاتوري متسلط، هذه الأفلام شهادة زور مدفوعة القيمة لتزييف الواقع وذلك بصناعة وهم التغيير، فحل جميع مشاكل الشعوب العربية بيد حكامها وهم بحاجة للمزيد من الوقت للقدرة على حل جميع المشاكل، علينا إذن ألا نفكر بحكام آخرين لنمنحهم الوقت وفي حال موتهم فعلينا اختيار احد أبنائهم للحكم.
بطريقة مباشرة وغير مباشرة يقدم الفيلم دعاية للتوريث، فمبارك هو الرجل الوحيد المخلص والمحب لمصر وأكيد ابنه سيرث هذه الميزة.
لايمكن أن نصنف هذا الفيلم بأنه فيلم سياسي هو مجرد اسكتش ساذج يطرح القضايا بشكل مباشر ويقدم واقع سطحي بشكل يتحيز فيه للحاكم الذي يقدمه كأنه قدر لا يجب أن نفكر في معارضته هو أشبه بظل الله، معارضته خيانة للوطن كونه مقدس.
تحرص الشاشات العربية من الخليج إلى المحيط على عرض مثل هذه الأفلام كون الهدف واحد، الدراما التلفزيونية هي الأخرى تروج لمثل هذه الأفكار.
هناك سياسة إعلامية عربية تشترك في هذه النقطة، فالحاكم منزه ومقدس والشعوب هي المتخلفة و ناكرة لجميل هؤلاء الحكام.