Cinema Workshop ورشة سينما

Screens2009 شاشات

تعليقات الجمهور في صالة السينما

لماذا سمحت الرقابة بعرض افلام الموسم عرضاً عاماً رغم أن بعضها يحتوي علي مشاهد لا تصلح إلا للكبار؟

العنف والإيحاءات الجنسية موجودة حتى في أفلام الكارتون التي تعتمد علي قاعدة جماهيرية من الأطفال

رامي عبد الرازق

بينما كنت أشاهد فيلم «السفاح» في إحدى الحفلات الصباحية انتبهت إلى إحدى السيدات وهي تضع يدها على عيني الطفل الذي كان يجلس بجانبها في أحد مشاهد القتل بالفيلم.. كان الغرض من عملية وضع اليد هو حجب المشهد عن عيني الطفل الذي لم يكن عمره يتجاوز العاشرة أو الأحد عشر عامًا..ولما كانت مراقبة سلوك وتعليقات المتفرجين جزءاً من عملية قراءة وتحليل أي فيلم بالنسبة لي، فإن سلوك الأم أو الأخت «لم أكن أدري صلة قرابة السيدة بهذا الطفل» دفعني للتساؤل عن أسباب اصطحابها له إلى دار العرض لكي تغمض عينيه طوال نصف الأحداث تقريبا!!

فما المتعة التي وجدتها في ذلك؟وما الشعور الذي يتراكم في داخل وعي ووجدان هذا الطفل عن السينما والأفلام؟! بل ما مشاعره في اللحظة التي تغمَّي فيها أمه عينيه بينما تنقل له الصالة أصوات المشهد بكل ما فيها من رعب وقتل ودماء؟! وعندما انتهى العرض تجَّرأت وسألتها لماذا اصطحبت طفلك إلى هذا الفيلم طالما تنوين أن تغمضي عينيه طوال الأحداث..وبصراحة شديدة كنت أنوي الخوض معها في سجال عنيف إذا قالت لي إنها لم تكن تعلم ما يحتوي عليه الفيلم من مشاهد قتل ففيلم كـ «السفاح» لابد أن يتملئ حتي التخمة بعشرات الجثث خاصة مع النزعة الدموية التي صبغت كل أفلام الصيف تقريبًا هذا الموسم، ولكن السيدة ببساطة قالت لي إنه أصرَّ على ذلك- أي الطفل - وأنها لم تجد غضاضة في اصطحابه طالما أن الفيلم ليس عليه لافتة للكبار فقط! وقررت هي كأم أن تمارس دور الرقيب في أن تمنع عن عيني طفلها المشاهد التي تعتقد أنها يمكن أن تؤذي مشاعره الصغيرة أو تشوه أفكاره.. ثم تركتني ومضت دون أن تنتظر تعليقًا مني أو رداً.

احكي يا شهرزاد

 وتذكرت ساعتها أني قبل يومين كنت في نفس دار العرض أشاهد فيلم «احكي يا شهرزاد» وفي مشهد إجهاض إحدى بطلات الفيلم والمصَّور بشكل تفصيلي تساءل طفل يجلس في الصف الذي أمامي بشكل بريء جدا عن سبب الدم الذي يسيل على قدمي الممثلة وإذا بأمه تصمت بينما أجاب أبوه وهو يتصور أنه عثر على الإجابة المفحمة لطفله «عندها واوا يا حبيبي» فيرد الطفل «فين؟» وتضج الصفوف الثلاثة التي تحيط بتلك الأسرة العجيبة بالضحك منتظرة جواب الأب الذي لم يجد بداً من أن ينهي النقاش البيولوجي مع ابنه مستغلا سلطته الأبوية ناهرا الطفل بقوله: «اسكت بقى يا ولد مش عارفين نتفرج» ولما كانت فكرة التصريح بعرض الأفلام عرضًا عامًا أو للكبار فقط من الأفكار الجدلية جدًا في كل موسم سينمائي، فقد فكرت أن أكتب في هذه المسألة متسائلاً ومتعجباً من سماح الرقابة بعرض كل الأفلام في هذا الموسم عرضاً عاماً رغم أن بعضها يحتوي علي مشاهد دموية وجنسية لا تصلح بأي حال من الأحوال إلا للكبار والكبار قوي وكنت أتعجب جدا من ذلك رغم إدراكي لجهل بعض الأسر من ناحية واهتراء ذمم بعض القائمين على دور العرض من ناحية أخري والذين لا يمكن أن يقاوموا سعر تذكرة زيادة لأي طفل أكثر من ثلاث سنوات حتى لو كان الفيلم «للكبار فقط» ولكن صادف أني بعدها كنت أشاهد فيلم الكرتون الجديد العصر الجليدي وإذ بمشهد تمد فيه أحد الشخصيات الكرتونية يدها بين قدمي بقرة ضخمة فإذ بها تفاجأ بأن تلك البقرة ما هي إلا ثور ذكر وبالتالي يفور غضبه ويطارد الشخصية التي أمسكت به من أسفل بينما الشخصية تصيح «كنت أعتقد أنكِ أنثي» فإذا بطفل يجلس بجانبي مباشرة يسأل أمه قائلا: «هو مسك إيه يا مامي؟» ولكم أن تتخيلوا محاولة إجابة الأم علي هذا السؤال وكم الأفكار التي انتابتني أنا وقتها .

لافتة للكبار فقط

ألوم الرقابة علي سماحها بعرض عدد كبير من الأفلام التي كان يجب أن تعرض ولو شكليا تحت لافتة للكبار فقط متذكرا أفلاما مثل «الغابة» أو «حين ميسرة» و«الريس عمر حرب» التي صُرح بعرضها للكبار فقط العام الماضي رغم أنها لا تحتوي علي نصف المشاهد الدموية أو الجنسية التي توجد في أفلام أخرى من تلك التي تعرض في الموسم الحالي

ولكن تعليقاً واحدا من طفل في فيلم العصر الجليدي الجزء الثالث جعلني أعدل عن فكرة لوم الرقابة بشكل كامل على ذلك التصريح، فمن الواضح أنها حالة عالمية فالعنف والإيحاءات الجنسية موجودة حتى في أفلام الكارتون التي تعتمد علي قاعدة جماهيرية من الأطفال وهو ليس لإعفاء دور الرقابة من المساءلة لكنها حالة يأس من أن شيئاً يمكن أن ينصلح. الأسبوع الماضي ضجت صالة السينما التي كنت أشاهد فيها فيلم السفاح بالضحك في مشاهد كثيرة رغم أن الفيلم ثقيل الظل لدرجة خانقة ولا يحتوي علي أي عنصر يمكن أن يجلب ابتسامة ورغم أنه ليس مطالبًا بذلك بحكم موضوعه وأسلوبه فإن الجمهور نجح في أن ينتزع لنفسه بعض الضحكات التي يسببها عادة استخفافه وعدم اقتناعه بما يدور أمامه علي الشاشة وتذكرت ما كتبه يوما الناقد المخضرم سمير فريد في كتابه «مخرجون واتجاهات في السينما المصرية» من أنه «كما يقوم الناقد بمساعدة الجمهور على تلقي الأفلام بشكل أفضل...يقوم الجمهور بمساعدة النقاد علي تلقي الأفلام في تفاعل عميق عندما يشاهد النقاد الأفلام في قاعات العرض مع الجمهور» حيث يعترف بأنه تعلم هذا الدرس عام 68 عندما شاهد فيلم «شيء من الخوف» في عرض خاص فتأثر جدا بأداء محمد توفيق وهو يوِّقع مقهورا على ورقة زواج شادية وأداء أحمد توفيق وهو يصاب بلوثة عقلية في نهاية الفيلم ولكن عندما شاهد الفيلم مع الجمهور ضجت الصالة بالضحك في المشهدين وأدرك الناقد الشاب وقتها أن سبب ضحك الجمهور هو مجموعة كبيرة من الأخطاء في إدارة الممثلين وفي الأداء والإلقاء بل في السيناريو والمونتاج وزوايا التصوير وأحجام اللقطات كل هذا هو الذي- أدى ولا يزال يؤدي- إلي ضحك الجمهور في رد فعل معاكس لما يريده صناع الأفلام

فيلم السفاح

ويكفي أن يحضر صناع فيلم «السفاح» أحد العروض ليروا مدى ضحك الجمهور على أداء وانفعال وفاء سالم في مشهد محاولة تحرش ضياء عبد الخالق بها أثناء احتجازه أسرتها مع هاني سلامة أو السخرية الشديدة من أداء ممثل بحجم وإمكانيات خالد الصاوي في دور أبو رعد المرتزق اللبناني ولست أضرب مثلا بالسفاح؛ لأنه الفيلم الوحيد الذي يثبت النظرية الشهيرة التي بلورها لنا سمير فريد لكن هناك العديد من الأفلام في هذا الموسم تكاد تعتبر أمثلة لردود الأفعال العكسية لدى الجمهور ويكفي تلك التعليقات التي تسخر من دموية فيلم «إبراهيم الأبيض» والتي رغم سماجتها فإنها تعكس مدى انفصال المتلقي عن الفيلم الذي يتابعه مثل (الشاشة بتخر دم أو الفيلم ده كان لازم يتعرض في العيد الكبير علشان مليان دبح) لكن أين صناع الأفلام من تلك التعليقات أو الضحكات التي تؤكد وجود أخطاء فنية وسينمائية في أفلامهم ؟! إنهم بالطبع وخلال الأسابيع الأولى من عرض الأفلام مشغولون لدرجة كبيرة بالظهور في أكبر كم من البرامج التليفزيونية دون أن يشاركهم لحظات نجاحهم المفترض أي من النقاد النازيين أو الجمهور غير الواعي والذي لا يدرك ما وراء أفلامهم من فن وقيمة ورسالة حتى إذا ما تجرأ أحدنا وكتب ينتقد أي فيلم يصبح غرابا ينعق خارج سرب المجاملات والمباركات و«انتو شرفتوا مصر ورفعتوا راسنا وهي دي السينما وإلا بلاش» فنردد نحن في يأس «بلاش أحسن» .

................

عودة الى شاشات 2009

عودة الى الصفحة الرئيسية

 

* ناقد سينمائي من اسرة كتاب ورشة سينما-خاص

 

 شارك برأيك

Name:*
E-mail Address:*
Message:*
 
Please enter the code:

Note: Fields marked with * are required.