Documentary film سينما وثائقية

فيلم "ملف خاص" للمخرج سعد هنداوي
اثار الفيلم وبجرأة موضوع فقد عذرية الفتيات والعلاقات المحرمة بين الشباب
رانيا يوسف*
ثلاثة وستون دقيقة مروا بسرعة هي مدة عرض الفيلم التسجيلي ملف خاص للمخرج سعد هنداوي .
ملف خاص يفتحه ويغوص فيه المخرج لكنه لا يستطيع أن يطفو به إلى السطح , فالقضية شائكة ولن تتغير مفرداتها العنيفة إلا بتغير فكر مجتمع بأكمله , وهذا أشبه بالمستحيل وخصوصاً في مجتمعاتنا العربية التي أصلت داخل ابنائها قوة التمسك بالعادات والتقاليد والموروثات بشكل اكبر من تأصيلهم للتربية الدينية الصحيحة بمختلف عقائدها ومذاهبها او ان اختلاط الافكار بين الموروث و الدين هو الذي احدث لدى هذه المجتمعات هذا النوع من الإختلاط ما بين الثابت و المتحول . ملف خاص لم يكن اول عمل يتناول بالبحث والعرض قضية فقد عذرية الفتيات والعلاقات المحرمة بين الشباب وتأثيرها عليهم ونظرة المجتمع لهم بعد ذلك , هناك بالتأكيد أعمالاً أخري عالجت هذه الظاهرة بشكل أو بأخر , لكن هذا الجانب من حياة البعض الذي يعرض عنه الكثيرين ويفرون حتي من مجرد الإشارة اليه علناً , ولم يعطوا لأنفسهم الفرصة بالبحث السليم وراء الاسباب التي تدفع هؤلاء الشباب للوقوع في مثل هذه العلاقات التي حرمها الدين والمجتمع , والتي لا تلقي اي عبء او مسئولية بعد ذلك سوى على الفتاة وحدها دون الشاب , تلك الفتاة التي ربما تدخل مثل هذه العلاقات مجبره او مكرهه كحوادث الاغتصاب والتعدي لا تحاسب بعدها كونها مجني عليها بل كمذنبة لا تستحق سوى الاعدام , هذا ما ركز عليه مضمون الفيلم بشكل رئيسي وهو عرض ما يحيط بهذه الظاهرة واسبابها ودوافع الطرفين للقيام بمثل هذا الفعل , من خلال بحث كاتبة السيناريو أمل فوزي عن الدوافع النفسية والعواقب الاجتماعية التي تلتصق بهؤلاء الشباب من خلال اراء متخصصين نفسيين علي راسهم الدكتورة هدي زكريا .
مشاعر انسانية متضاربة
أعطانا سعد هنداوي في هذا العمل جرعة ثقيلة جداً من المشاعر الانسانية ولكن بشكل حيادي الي حد كبير لا يدين احد ولا يبرء احد , قضية العلاقات الحميمة التي تتم بين الشباب في الخفاء وما تبعها من مضاعفات إجتماعية وانسانية , وضعها لنا في محل نقاش وتساؤل ذاتي مع انفسنا عبر الاسئلة التي طرحها الفيلم بلقاءاته المختلفة سواء مع الاطباء النفسيين الذين أعطوا خلفية كبيرة وواضحة عن العوامل النفسية والاجتماعية التي تدفع بالشباب الي مثل هذه العلاقات وعن علاقتهم بما حولهم قبل وبعد دخولهم هذه التجارب بالاضافة الي الامراض النفسية التي تصيب المجتمع أثر وقوع مثل هذه الحوادث , وبتضييق الخناق تدريجياً لتحديد أفراد بعينها تمثل مجتمع مصغراً يحيط بهذه النماذج , تخلل الفيلم لقاءات لندوات عقدها متخصصون في العلوم الانسانية والاجتماعية مع نماذج مصغرة لهذه المجتمعات التي تمثلت في المجتمع البيتي وهو البيئة الاولي التي قد تنصف او تدين و تحاسب وتصدر الاحكام , فالبيت هو المجتمع الاول الذي يصدر حكمه على الشباب الذين تورطوا في مثل هذه العلاقات , وعلى البنت بشكل خاص وتحميلها المسئولية كاملة دون ادني ادانه للرجل , وعندما تسأءل الفيلم اين عقاب الرجل في هذه القضية , لم يجد إجابة محددة سوي اننا مجتمع شرقي نقبل بقوانين وضعها المجتمع الذكوري الذي نعيشه ومازال يستميت علي تحقيقها هذا الجندي الاجتماعي الذي عرضه لنا الفيلم والذي صوره لنا المخرج في شخصية الام ربة المنزل التي تروج بشكل او بأخر للثقافة وللافكار الذكورية التي تغلبت علي الثوابت الدينية والعقائدية في كل الاديان السماوية وهي التوبة والمغفرة والتسامح , فنرى الامهات يرفضن خروج بناتهن للتعليم او للعمل خوفاً عليهن بل ويتم تزويجهن زواجاً مبكراً كما عرض لنا الفيلم لمجرد ان يتنازل الوالد عن حمل الفتاة ويسلم هذا الحمل للزوج .
العادات والتقاليد المتوارثة وشرف البنت
نسج سعد هنداوي خيوط فيلمه بذكاء المحترفين حيث نوع بشكل كبير في إختياره لأبطال عمله بشكل لم يشعرنا بالملل من مجرد مشاهدتنا لفيلم تسجيلي طويل بل علي العكس مر الفيلم من بين ايدينا دون ان ندرك أنه إنتهي تاركاً تساؤلات كثيرة لم نجد لها اجابة واضحة ومباشرة أو نتيجة نستخلص منها حلاً للمشكلة سوي شيئين أولاً كما ذكر الكثيرين من الأسر البسيطة التي أتى بها المخرج كمثال حي اننا شرقيون لا نحتمل ان نحيا إلا ونحن رافعون الرأس حتى ولو كان علي حساب أجساد بناتهن , أما الشيء الثاني هو الوعي الثقافي الغائب عن ذهن الكثيرين وليس الوعي الثقافي فقط هو الذي تاه عن افكار مجتمعنا العربي بل وصول الوعي الديني بشكل صحيح اليهم هو ما ابرزه المخرج بقوة في هذا الفيلم من خلال رأي الأديان المختلفة الذي إستند الي اشهر المقولات والاحاديث والقصص والتي تدل على ان ثقافتنا السائدة حاليا هي ثقافة عادات وموروثات وليست ثقافة دينية تحمل في طياتها أحكام الدين السليم , ففي الدين المسيحي أعطانا المخرج مثالا واضحاً ومباشراً دون اللجوء الي إشارات من خلال جملة السيد المسيح من منكم بلا خطيئة فليرميها بحجر , وفي الدين الاسلامي استشهد ايضاً ببعض الاحاديث وبعض الروايات التي جاءت على لسان النبي صلى الله عليه وسلم , الاستشهاد بهذه الاراء يؤكد بها سعد هنداوي ان الروح الدينية التي يتظاهر بها الكثيرين تعرض في اصولها وتؤكد على التوبة والتسامح والمغفرة في نفس كل خطاء , هذا ما تدعو اليه كافة الأديان السماوية ولكن اين تمكث ثقافة مجتمعاتنا العربية من هذه الاحكام , فقد أفرغ المجتمع غضبه لأي شخص يدعو الي مجرد تطوير هذه المسلمات والعادات التي أكل عليها الدهر وشرب ولم تعد تدفع بالمجتمع إلا الي الوراء .
الرجل اسير المعتقدات
فالرجل مازال على هذا النموذج , اسير هذه المعتقدات , نموذج مصغر لعقلية رجل القرن الماضي وما قبله , هذه الأفكار التي عرضها علينا الفيلم والتي تدور في عقول معظم شباب هذا الجيل , هذا ما زرعه الأباء فيهم وتوالت علي نهجه الأجيال الجديدة , وهو الا يسامحوا أو يغفروا وأن يخطئوا دون حساب او عقاب لمجرد انهم ذكور , أما المرأه التي تعاقب دائما علي خطاياها إستطاعت أن تخرج من سيطرة هذا الاطار عليها وان تلعب دورا اكثر ايجابية غير دور المرأه المقهورة اجتماعيا منذ عشرينات القرن الماضي , هذا النموذج ايضا الذي طرح الفيلم جزء كبير منه متمثلا في اراء بعض من الفتيات الشابات حول هذه الظاهرة وحول إمكانية الوقوع فيها والخروج من المشكلة بحل ايجابي .
نموذج من السينما المستقلة
من يقول أن السينما التجارية هي نهاية المطاف الذي يسعي إليه أي مخرج جديد ممن يبدأون حياتهم بصناعة أفلام مستقلة فهو خاطيء , فالسينما الروائية او التسجيلية المستقلة لا تقل قيمة ولا ابداعا في مضمونها الذي يفوق أحياناً صناعة السينما التجارية التي نراها متصدرة لشباك ايرادات جميع دور العرض , ولكن الذي ينقص هذا النوع من الافلام هو إيجاد أرض خصبة لعرضها عرضا جماهيريا واسعا وذلك بتوفير دور عرض خاصة تتبني هذه الصناعة التي يعتبرها الموزعون والمنتجون السينمائيون صناعة هامشية لحد كبير بالاضافة الي خلق نوع من الوعي الجماهيري لتحفيز الجمهور للاقبال علي هذه النوعية ومتابعتها علي انها اعمالا تنتمي ايضاً الى الانتاج الفني السينمائي بجانب الفيلم التجاري , فبعد النجاح الذي حققه مشوار سعد هنداوي مخرج هذا العمل منذ بدايته في صناعة الافلام المستقلة مرورا بالاعمال التي قدمها للسينما التجارية وهما فيلمي حالة حب والوان السما السبعة , يعود من جديد ليلقي الضوء من خلال فيلم تسجيلي على مثل هذه القضية الحساسة في مجتمعنا العربي وليرصد لنا هذه الظاهرة التي ربما لو كان قد صاغ مضمونها في سيناريو فيلم روائي سينمائي لتبنته الكثير من دور العرض .
قدم سعد هنداوي صورته الفنيه في هذا العمل بشكل إحترافي يعكس الخبرة التي اكتسبها من اعماله السابقة بشكل كبير , فقد تنوعت إختياراته لعناصر الفيلم ما بين الأجيال المختلفة من شباب ورجال ونساء بمختلف طبقاتهم الاجتماعية وبتنوع ثقافتهم , كل يدلي براي في شكل أقرب الي البحث الميداني , لكن دون ان يقفد ملامح الفيلم التسجيلي هويته , هذا التعاقب من الاراء للأجيال المختلفة لم يضف لنا اي جديد من الافكار التي وصلت بين الجيلين الي حد التطابق بين اراء الشباب الشباب وابائهم , كما ان اضافة بعض تابلوهات الرقص الإيمائي الصامت وانتقاء الموسيقي التصويرية التي تسللت الي المشاهد بشكل انسيابي ساعدت المشاهد علي الارتكاز في مكانه ومتابعة احداث الفيلم بإنتباه شديد وتركيز لا مثيل له يرتقي به الى حد التعاطف والحيرة ومتابعة التفكير, ولا استطيع ان اغفل دور كاميرا نزار شاكر مدير تصوير الفيلم , هذا المبدع في التقاط اللقطات الغير تقليدية وخصوصا اللقطات الحية على وجوه الشباب الذين يملؤون الشوارع ذهاباً واياباً باحثاً عن مجرد ابتسامة او احساس زائف بالحب , هذا ما نقله لنا المخرج ومدير التصوير بإستعراض هذه النماذج التي تنتشر في شوارع وسط المدينة ومنطقة الكورنيش , أكثر المناطق إذدحاماً بهؤلاء الشباب وهذه الأحلام .
قد يختلط بنا الامر في تصنيف هذا الفيلم في ان نصنفه عملا تسجيلي أو عملا وثائقياً يؤرخ لموضوع لم تتطور أفكاره وملامحه عبر ما مضى من سنوات ولا نأمل أن تتغير وجهات النظر هذه عبر سنوات اخرى قادمة , ولكن كل ما نأمله هو ان نرى مثل هذه التجارب التي تفتح لنا بعض من الملفات المسكوت عنها والمحاطة بخط عازل والتي يخشى الكثيرون مجرد الإقتراب منها لإرضاء المجتمع , وان تكون تجربة ملف خاص نموذج لكسر هذه التابوهات المحرم الإقتراب منها .
.............
*من اسرة تحرير ورشة سينما
ورشة سينما (خاص)
..............................................................
شارك برأيك ....رأيك مهم