Cinema Workshop ورشة سينما

سينما وثائقية

فيلم البنات دول فيلم البنات دول

الفيلم التسجيلي "البنات دول" للمخرجة تهاني راشد

الكاميرا تجولت علي ارصفة الشوارع وداخل العربات المحطمة لعرض واقع فتيات الشوارع

قصص عن فتيات و اطفال رضع مجهولي النسب بسبب تعرض امهاتهم للخطف و الاغتصاب المتكرر

البعض عد هذه المظاهر همجية متخلفة وإتخذت مبررا لمنع عرض الفيلم

 رانيا يوسف

 هل يمكن ان تتقمص السينما التسجيلية وظيفة كتب التاريخ التي تدون تاريخ الشعوب ؟ نعم , ربما لو اعطيناها مساحة اكبر من الحرية تتحرك في فراغها لتقدم ما يدور حولنا من ماض وحاضر ونتائج متوقعة للمستقبل بواقعية ومصداقية , لكانت الافلام التسجيلية رباط تواصل هام وقوي بين الاجيال المتعاقبة ودليل بصري علي مدي تقدم  او تخلف هذا المجتمع في كل مجالات الحياة .

 الفيلم التسجيلي الطويل البنات دول للمخرجة تهاني راشد , واحد من الاعمال التسجيلية التي تصيب المتلقي بصدمة عند مشاهدته للمره الأولي وبالطبع مثل هذه الأعمال لا تكفي مشاهدتها مرة واحدة لذا عند تكرار المشاهدة يتولد عند المشاهد احساس تلقائي بالمسؤولية والالم تجاه البنات دول , والبنات دول هم جزء اجباري من مجتمعنا لا يمكن التنكر من وجودهم ولا التنصل من مسئوليتنا نحوهم .

 كوميديا هزلية سوداء شديدة المحلية وواحدة من اكثر المشاكل التي نصادفها جميعاً يومياُ في الشارع المصري , البعض يدير ظهره لهن ويمضي مسرعا يتملكه احساس الدونية من التعامل او التقرب منهن وكأنهن مخلفات هذا المجتمع الطبقي وهناك أخرون يمرون عليهن مرور الكرام يتركون لهم تنهيدة أسي من خلف زجاج سياراتهم ويلقون بالمسؤولية علي غيرهم وهناك القليل ممن استجابوا لواقع وجود فتيات الشوارع في مجتمعنا , لكن بشكل اكثر ديناميكية وفعالية كشخصية السيدة هند التي تتردد عليهن بانتظام تتحدث معهن وتحاول بتلقائية غريزة الامومة داخلها الوقوف الي جانبهم واعطائهم قدر كبير من الحنان والرعاية المفقودة لديهن .

مجموعة من البنات فقدن الحماية والامان والرعاية من قبل ذويهن ويفقدن الاهتمام والانتباه من قبل مجتمعهن , لسن مهمشات بقدر ما هن منسيات , لا يربطهن اي تفاعل بالمجتمع سوي في مطاردة رجال الشرطة لهن , لذلك قرروا بناء حياة خاصة ومتكاملة فيما بينهن , حياة منفصلة عن مجتمعهن الذي ينفر من الاعتراف بوجودهن , ليمارسن معاً من خلال معاناتهن المشتركة ، مشاعرهن المفقودة والتي ادي حرمانهن من ممارستها وتلقيها ممن حولهن الي تحويل طاقاتهن لقوة عدوانية ظاهرة وصلت لحد محاولة جرح اجسادهن , والبعض يعتبر هذه المظاهر همجية متخلفة لا تليق بالصورة الحضارية والثقافية التي ندعي الحفاظ عليها , إتخذت مبررا لنبذ الفيلم ومنع عرضه في مصر لأكثر من أربعة سنوات لما يحتويه من الفاظ وشتائم جاءت في حوار شخصيات الفيلم , علي الرغم من ان هذه اللغة تمارس في الواقع كل لحظة علي لسان طبقات المجتمع المختلفة ولكن في الظل حيث لا وجود لكاميرات تدون وتناقش وتعرض .

 تجولت كاميرا تهاني راشد علي ارصفة الشوارع وداخل العربات المحطمة , حيث تعيش وتنام تلك الفتيات هن واطفالهن الرضع الذين يجهلون نسبهم , وذلك لتعرض امهاتهن للخطف و الاغتصاب بشكل متكرر عجزت فيه الفتيات علي تحديد هوية والد ابنائهن , إتخذن من ارصفة الشوارع وسادة لهن ومن القمامة غطاء لصغارهن واحتمت كل منهن بقوة الأخري , من قسوة الاهل ومن مطاردات الشرطة ومن الجوع والفقر والجهل , فتحولت مشاعرهن العدوانية الي مشاعر الفه وكأنهن اسرة واحدة , كل فتاة منهن لديها حلم بسيط و مشروع لكنها لا تسعي لتحقيقة ربما لفقدانها الثقة بنفسها و يأسها من إعادة خلق تواصل بينها وبين المجتمع وربما لإقتناعها أن خلاصها الوحيد يكمن في تغييبها عن الحياة بتناولها كل أنواع المخدرات , لكن ما يجدد الحياة فيهن دائماً هو انتمائهن لبعضهن البعض وللمرأه التي تزورهن بإستمرار وتستمع اليهن و تحتويهن ومشاكلهم وقد حل هذا النموذج الفردي محل المجتمع والمؤسسات الاجتماعية ومؤسسات حقوق المرأة في رعاية ما يسمون بفتيات الشوارع , فنموذج الاستاذة هند التي تحتضن مشاكل الفتيات ساكني الارصفة هو نموذج فردي غير فعال رغم جهودها المستميتة في اصلاح تلك الفتيات ,  ورغم ارتباط الفتيات بها واعطائها ثقتهم الكاملة لكنها في النهاية لا تمثل الا مسكنا يزول تأثيرة بمجرد ابتعادها عنهن ليعدن بعد ذلك الي حالة الضياع اللاارادي الذي يعيد فصلهن عن العالم و يدفعهن يأسهن من  استرجاع حياتهن الطبيعية الي التنصل من انوثتهن مقابل الحصول علي قوة ذكورية تمكنهن من حماية انفسهن من خطر حياة الرصيف ومن الخطف والاغتصاب ومن انجاب جيل جديد يجهل مصيره .

 اعطتنا المخرجة نماذج لشرائح عمرية متعددة , نماذج لفتيات دون العشرين من عمرهن وفتيات بلغن هذا العمر ونماذج اخري لأطفال دون سن العاشرة , ونماذج اخري لشباب واطفال رضع يعايشون هذه الماساة مع امهاتهم ويشاركون فيها من داخل صناديق القمامة التي تمثل سكنهم ومأواهم في الشارع , ورغم ان العمل انثوي موضوعا وتنفيذا الا ان المخرجة اتاحت الفرصة لبعض الذكور بالمشاركة في الحديث وان كان بقدر اقل من مشاركة البنات , فالمشكلة التي تعانيها ( البنات دول )هي نفس المشكلة التي تدفع الشباب الي اغتصابهن وتحريضهن علي اجراء عمليات نصب وسرقة ودفعهن الي تناول الكحول والمخدرات , الفقر والجهل هما اللذان  القيا بهؤلاء علي الأرصفة سواء اولادا  او بنات  , فالاثنان ضائعان في الشارع ومجني عليهم ولكنهم ايضا يمارسون القهر ضد بعضهم البعض عندما تتملكهم رغباتهم الطبيعية في الحياة والتي بالنسبة لاسلوب حياتهم يستحيل تحقيقها بالطرق المشروعة .

تميز الفيلم بروح العفوية والدعابة والسخرية التي غلفت حواديت الشخصيات حتي عندما تحدثت عن مواضيع شائكة وجدية لا تقبل المزاح وقد يراها بعض المشاهدين جرأه غير معتادة علي مجتمعنا العربي وعلي الفتيات المصريات ولكن اية فتيات هن ؟ , فهن خارج حدود تقاليد المجتمع وبالتالي خارج حدود اي قواعد متعارف عليها , فكل فتاة منهن عرضت تفاصيل حياتها ومعاناتها بشجاعة لا يجرؤ عليها الرجال انفسهم , فواحدة تأمل ان تصطحب ابنتها ذات يوم الي المدرسة , والاخري تسعي لتتسول ثمن دواء ابنها الصغير , واخري توشك علي الولادة وتجهل من هو والد طفلها القادم من بين العشرات اللذين اغتصبوها واختزلت كل احلامها في الحصول علي وثيقة هوية ونسب لإبنها كي لا يلقي نفس مصيرها ويكبر في الشارع وكي يحسب علي هذا المجتمع كفرد منه ,  واخري تشبهت بهيئة الرجال صوتا وصورة حتي لا تتعرض مثل اخريات للخطف والاغتصاب , ومنهن من تنتظر خروج زوجها او حبيبها من السجن فتعمل مكانه في جمع القمامة لتربية ابنائها , الخ من الصدمات المتتالية والملامح المنكسرة والعيون الخائفة والمستقبل المجهول لهن ولأبنائهن مجهولي الأب .

هذه الصور تعلق في ذاكرة المشاهدة من خلال براعة المخرجة في وصف تفاصيل هامة من حياة كل فتاة داخل اطار فكاهي اقرب الي الفانتازيا الساخرة والكوميديا الموجعة , فمشاهد الفيلم تجمع بين حكي الشخصيات لتجربة كل منهن وبين تصوير طقوس حياتهن اليومية علي ارصفة الشارع , لحظات عنفهن وتغيبهن عن الحياة , لحظات انكسارهن واحتوائهن لبعض , اعطتهن المخرجة حرية كبيرة في الحركة وتتبعتهن كاميرا نانسي عبد الفتاح بعفوية وتلقائية وكأنها تصور موقف شاهدته صدفة اثناء تجوالها في احد الشوارع , نضيف الي ذلك الخلفية الموسيقية لتامر كروان والتي تزيد من حالة الهزل والفنتازية التي تعكس مدي يأس (البنات دول) من تغيير حالتهن للأفضل والابتعاد عن حياة الشارع و تنفجر طاقاتهن في النهاية بين الدموع والرقص والركض في الحياة وسط زحام الشوارع ومطاردات الشرطة والخوف الدائم من تعرضهن للاغتصاب او التشويه البدني الذي ترك اثره علي وجه بعض منهن كضريبة معروفة فيما بينهن لمن تتخذ الشارع بيتاُ لها , سواء بهروبها من اهلها او عدم وجود مأوي اخر لها سوي الرصيف .

 المخرجة المصرية المقيمة في كندا , تهاني راشد قدمت عدة أعمال تسجيلية تناولت من خلالها الاوضاع السياسية والاجتماعية ليس فقط في مصر ولكن في منطقة الشرق الاوسط ,  من اعمالها فيلم سريدا امرأه من فلسطين , وفيلم بيروت وفيلم اربعة نساء من مصر وفيلم البنات دول الذي شارك ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان كان عام 2006 , ومنع من العرض في مصر , واخر اعمال تهاني راشد هو الفيلم التسجيلي الطويل (جيران) الذي عرض في المهرجان القومي الاخير للسينما المصرية وحصل علي جائزة احسن فيلم في فئة الافلام التسجيلية الطويلة .

...................................................................

من اسرة ورشة سينما : خاص – القاهرة

و .س 20-6-2010

المقال للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر