قراءة اخرى


امهرجان "بين سينمائيات" ...."فكرة أمي" وأفكار أخري


ياقوت الديب

"بين سينمائيات" المهرجان الرابع لسينما المرأة العربية واللاتينية ، مهرجان جوال يقام في القاهرة لأول مرة مؤخرا بمركز الأبداع بدار الأوبرا المصرية ... رغم كل الظروف الصعبة ومرحلة التحول الكبري التي تشهدها مصر حاليا والمتمثلة في ثورتها الشعبية العظيمة التي اندلعت يوم 25 يناير الفائت ، الا أن عزيمة وأصرار و مثابرة بنت مصر الشابة المخرجة "أمل رمسيس" قد أوصلت المهرجان الي بر الأمان بأدارتها له وأشرافها علي تنفيذه ومتابعة كل دقائقه وتفصيلاته وهمومه في تحد تحسد عليه يضاف الي مسيرتها في عالم السينما في مصر ... استطاعت "أمل" أن تستحوذ علي جمهور محب للسينما وعاشق لجمالياتها ، بعد أن هيأت له فرصة الرؤية وجمال المشاهدة ومتعة التعرف علي سينما من نوع بالغ الخصوصية ، صنعتها عقول سينمائيات أتين من كل حدب وصوب في تظاهرة تباري وأبداع ... سينما تنطق اللاتيتينية أو مترجمة اليها ، تعرض قضايا وأفكار مهموم بها كل البشر في أي مكان من العالم ، وهنا تبرز القيمة وينعكس دور السينما بمعناها الواسع في صنع انسان يدرك حقيقة ماحوله ويغرف من تجارب الآخرين ، لعله يستطيع التغيير أو علي أقل تقدير يشارك بقدر امكاناته وفي حدود استعداداته لصنع غد لعله أفضل.

عرض خلال المهرجان مايزيد علي الخمسة عشر فيلما تنوعت بين: الروائي القصير والتسجيلي الطويل والقصير لعدد من السينمائيات المخرجات الأجنبيات ومنهن: الأسبانيات "مايدر أولياجا" و"باولا رودريجيث" و "آنا مارتينيت" و "أنيركي أرجوييس" ، الهندوراسية "كاتيا لارا" ، الأرجنتينية  "فرانكا جونثاليث" ، الكوبيات "كلوديا كالديرون" و "خوليا جارثيا" و "ديسيير روندون" و "خوليانا فانجول ، ومن العربيات: الكندية "علياء خشوق" ، اللبنانيات " دانا أبو رحمة" و "هيني سرور" ، الفلسطينية "ناهد عواد" ، والمصريات "أمل رمسيس" و "مني عراقي". وقد افتتح المهرجان بتواضع شديد وببضع كلمات بسيطة ، بعيدا عن البهرجة والطنطنة والصوت الزاعق ، وجاء الافتتاح بفيلم "فكرة أمي" Amaren Idea  للمخرجة الأسبانية "مايدر أولياجا"Maider Oleaga   وأفكار أو أفلام أخري تنوعت فيها الرؤي وتباينت فيها الأفكار وحفلت بجماليات سينمائية بسيطة التركيب عظيمة الدلالة.

فيلم الافتتاح "فكرة أمي" التسجيلي الطويل (80 ق) انتاج أسباني مكسيكي مشترك ، جاء كمحاولة لقراءة أحد جوانب من تاريخ الحرب الأهلية الأسبانية الطاحنة التي درات رحاها بين عامي 1936 – 1939... هذا الجانب الاجتماعي المأسوي الذي خلفته هذه الحرب والتي راح ضحيتها آلاف المواطنين الأبرياء ، سواء بالموت داخل الوطن أو بالهجرة القسرية خارجه لأوطان أخري اعتبرت المهاجرين دخلاء لايستحقون حمل شرف المواطنة ، وبالتالي وقع هؤلاء المساكين بين سندان دول المهجر ومطرقة نظام ديكتاتوري دموي أجبرهم علي الهجرة وهم لم يبلغوا الحلم بعد ، لكنها "فكرة أمي" التي أرادت منها حماية أولادها من البطش والقتل فأبعدتهم خارج الحدود ، الي أن تهدأ العاصفة ويزول خطر الحرب ، لكنهم أمام العوز والفقر والحاجة آثروا العيش في مهجرهم ولو علي هامش الحياة طوال عشرات السنين ، علي أن يعودوا لنظام يتربص بهم بعد أن قتل وشرد ذويهم وأهلهم ... أنها المأساة بكل جوانبها الاجتماعية والنفسية التي يصورها الفيلم في طرح سينمائي مفعم بجماليات السينما صورة وصوتا ، رغم قتامة القضية ومأسوية المشكلة.

فيلم "ساعة التحرير دقت" تسجيلي طويل أيضا (62 ق) للمخرجة اللبنانية "هيني سرور" ، يعد أحد أهم الوثائق التاريخية التي تدور حول الاستعمار البريطاني بوجه عام في منطقة الخليج وفي سلطنة عمان بوجه خاص ، والتي تصدت لوجوده ورفضت بقاء قواعده علي أراضيها ، ماأطلق عليه "جبهة ظوفار الشعبية" والتي نجحت في تحرير جزءا مهما في جنوب البلاد ، بعد أن نظمت صفوفها ودربت صبيانها وشبابها ونسائها علي حمل سلاح المقاومة والنضال ، وعلي الجانب الأنساني حملت الجبهة علي عاتقها تطوير المجتمعوالارتقاء بهثقافيا وتعليميا وصحيا في حدود الأمكانات المتواضعة المتاحة ، ومنمنطلق فكري تحرري في مواجهة العقلية القبلية والعنصرية والأفكار المتخلفة لممارسة وادارتها. ويؤكد الفيلم علي معان أنسانية سامية ويعكس صورة من صور نضال وكفاح الأنسان ضد قوي الشر والعدوان التي تتربص به من الخارج ، وضد قوي التخلف وزمن السحر والشعوزة.

فيلم "الصومال أرض الأرواح الشريرة" التسجيلي القصير (20 ق) أخراج "مني عراقي" لم يبعد موضوعه عن أهم و أخطر موضوعات الساعة .. لكن هذه المرة قد يكون أكثر هما علي المستوي الأقليمي لا المصري فقط. و ظني أن الآرواح الشريرة التي تتحدث عنها المخرجة في فيلمها هي تلك الأرواح الأتية أولا من خارج المياه الأقليمية للصومال لتستبيح لنفسها حق الصيد في هذه المياه التي يحميها القانون الدولي للبحار و المحيطات ، و من الداخل أيضا تأتي هذه الأرواح الشريرة المتمثلة في جماعات القراصنة دفاعا عن حق الصيادين الصوماليين في ممارسة حرفتهم في حدود مياههم الأقليمية دون تعد من الآخرين أو مزاحمتهم في أرزاقهم ، الي جانب الحياة القلقة البائسة التي يمر بها الصومال في الوقت الراهن من قبل المتآمرين عليه سواء من دول الجوار أو جماعات الضغط الداخلية.و من الفيلم نفسه تبرز المخرجة قضية النفايات الذرية و التخلص منها في شواطئ الدول الفقيرة أو المغلوبة علي أمرها و منها بالطبع الصومال.

فيلم "ممنوع" تسجيلي طويل (67 ق) انتاج مصري أسباني مشترك للمخرجة الشابة "أمل رمسيس" ، ظني أنه من أقوي الأفلام التسجيلية التي تنبأت حقيقة بثورة 25 يناير العظيمة ، فعندما يصبح كل شيء "ممنوع" وعندما يقهر الفكر وعندما يستشري الفساد الأخلاقي وعندما تكبت حرية المأة وعنما يمنعنا نظام بائد من مناصرة أخواننا في "غزة" بالاتفاق مع نظيره الصهيوني وبمباركة من المتاجرين بالقضية الفلسطينية ... عندها لايكون الخلاص أو الفكاك ألا من خلال ثورة كانت لابد وأن تقوم. والحقيقة أن هذه الثورة قامت بالفعل مع أخر مراحل "مونتاج" هذا الفيلم ، حتي أن مخرجته المحت الي هذا مع تترات النهاية ... قدمت "أمل رمسيس" عملا سينمائيا متكاملا علي المستويين: الفكري والجمالي ، وذكرتنا بأشعار أحمد فؤاد نجم وألحان وغناء الشيخ أمام عيسي ... هذا الثنائي الذي لم وربما لن يتكرر ، لكن مصر ستبقي ولادة وعلي الدوامز

علي هذا النحو المتميز من السينما ، جاءت بقية أفلام المهرجان لنخاطب كل العقول وترضي كل أذواق محبي السينما وعشاق جمالياتها ... تجارب من هنا ومن هناك تعكس سينما نحن في أمس الحاجة اليها ، فهي "سينما الحقيقة" التي تعكس بلا تزويق أو رتوش أو تصحيح أو مقص رقيب ، صورا من الحياة ودروس مستفادة تفجر طاقات الثورة فينا ، ثورة ضد قوي الظلام والتخلف وضد نظم القهر والاستبداد ، وعلي الجانب الآخر ضد سينما تجارية رخيصة تستهدف الربح علي حساب كل القيم والمثل العليا.

بقي أن نشير الي بعض الهنات التي صاحبت المهرجان ، حيث أننا ننشد الاقتراب من الكمال ونفض كل غبار أو سلبية تحسب عليه ، لعل أولها الأعلام الشحيح عن المهرجان وتغطية فاعلياته بشكل أفضل ، ثانيها ضيق وقت النشاط اليومي الذي يتطلب التقديم و العرض ثم تبادل الحوار مع صناع الفيلم بعد عرضه ، ثالثها ادارة الندوات التي اقتصرت علي منظمة المهرجان "أمل رمسيس" حتي مع فيلمها ، رابعها علي الرغم من ضيق وقت الحوار ألا أن الصوت الغالب كان لصانعة هذا الفيلم أو ذاك وغاب صوت الجمهور ألا فيما ندر ... لكن الظروف الراهنة وصعوبة المهمة وكبرحجم المسئولية لاشك أنها أسباب نلتمس معها العذر للمخرجة "أمل" ، وفي النهاية هو نجاح بكل المقاييس يحسب لها ولمصر أيضا.

………………………………

ورشة سينما – خاص : القاهرة

و س8-6- 2011  

المقال للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر

 

 

 

 



Name:*
E-mail Address:*
Message:*
 
Please enter the code:

Note: Fields marked with * are required.