سينما القارات
جورجيا اوكيففيلم "جورجيا أوكيف" للمخرج بوب بالابان : فصل في الرسم الأمريكي
هادي ياسين - كندا (خاص)
لو كان هذا الفيلم ( جورجيا أوكيف ) ـ و هو من انتاج 2009 ـ قد أخذ فرصة العرض المطلوبة قبل توزيع جوائز الأوسكار لهذا العام 2010 ، لكان من المحتمل جداً أن يكون بطلاه ، الممثلة جوان ألن و الممثل جيرمي ايرونز ـ الحائز على الأوسكار سابقاً ـ ، قد ترشحا لنيل احدى الجائزتين ـ أو كليهما ـ كأفضل ممثل و ممثلة ، و لوجد جيف بريجز الذي أخذ جائزة أفضل ممثل عن فيلم قلب مجنون ، و بغير استحقاق ، أنه أمام منافس شديد البأس ، يقف بقامه ابداعية عالية ، و يبز في تمثيله جميع المرشحين ، والذين كان يقف في مقدمتهم الممثلان المعروفان حائزا الأوسكار سابقاً مورغان فريمان و جورج كلوني . و لوجدت ساندرا بولوك ، التي خطفت جائزة أفضل ممثلة عن فيلم الجانب الأعمى ، أنها أمام منافسة بارعة التمثيل لا تقل شأناً عن المنافستين الكبريين خاطفتي الأوسكار سابقاً : ميريل ستريب و هيلين ميرين .
و فيلم جورجيا أوكيف ، بتوقيع المخرج بوب بالابان ، أقل ما يمكن أن يقال عنه : إنه فيلم جميل و رقيق و هادئ . ولكن هذا الهدوء إنما يطبع شكل الفيلم و طبيعة إخراجه حسب ، أما أحداثه فتنطوي على قصة حب عاصفة جمعت بين الرسامة الأمريكية الشهيرة جورجيا أوكيف جوان ألن و الفريد ستيغليتز جيرمي ايرونز . فعلى مدى 88 دقيقة ينشد َ المشاهد الى تجاذب بين حبيبين ناضجين في العمر مع فارق السن دخلا في تجربة عاطفية كان اساسها علاقة فنية بدأت بأعجاب ستيغليتز بأعمال جورجيا أوكيف ، ولكنها تطورت الى علاقة حب سرعان ما تـُوّجت بالزواج ، ذلك الزواج الذي تحول ، لاحقاً ، الى سلسة من خيانات ستيغليتز المفضوحة لـ جورجيا ، والتي دخلت بسببها الى المصح و تحت رعاية شقيق ستيغليتز الطبيب , و الذي كان يعنفه بسبب الأذى الذي ألحقه بهذه الإمرأة الشفافة و سمّم حياتها.
تبدا أحداث الفيلم من العام 1916 ، عندما أقام الناشر وأب الفن الفوتوغرافي الأمريكي الحديث الفريد ستيغليتز أول معرض شخصي للرسامة جورجيا أوكيف. حيث تبدأ ـ إثر ذلك ـ بالإنتقال الى العيش في نيويورك . و لتنطلق من هناك شهرتها ، خصوصاً و أن ستيغليتز كان بارعاً في استقطاب الصحافة و وجوه المجتمع و المعنيين بالفنون ، بل أنه عمد ـ إمعاناً في إبرازها ـ الى إقامة معرض فوتوغرافي ـ خاص به ـ أبرز فيه مفاتن جسدها بطريقة فنية كانت في حقيقتها جديدة و غير مطروقة في عالم التصوير الفوتوغرافي آنذاك .
ولكن اذا كانت احداث هذا الفيلم قد بدأت ـ زمانياً ـ من بداية العلاقة بين الإثنين ، فأن سيناريو الفيلم يبدأ ـ مكانياً ـ من مرسم جورجيا ، حيث ترسم أحدث لوحاتها وقد تقدم بها العمر ، و نضجت أفكارها تماماً بخصوص الرسم ، و التي تطرحها و هي تتحدث أثناء ما ترسم . فتقول : ( أنا لا أثق بالكلمات . الأفضل أن نترك للوحة أن تتحدث عن نفسها ) ، و تضيف : ( لا أظن أن اهتمامات أحد تتوافق مع اهتماماتي ... فأنا في النهاية أصغي الى نفسي ) . و هذه ، في الحقيقة ، كانت فلسفة جورجيا أوكيف في الرسم ، و على أساسها بنت شخصيتها الفنية المتفردة . و إذ توضح هذه اللقطات الأولية للفيلم مرحلة متقدمة لدى جورجيا أوكيف في السن و في النضج الفني ، فأن الإنتقال الى بداية علاقتها مع ستيغليتز ، يظهر على شكل تذكر الرسامة لها و هي ترسم في مرسمها لوحتها الجديدة بعد سنوات طويلة مرت على ما جرى ، . أي أن أحداث الفيلم تبدو كما لو كانت عبارة عن مونولوج داخلي أثناء الرسم .
ففي الفيلم ، كما كان في الواقع ، فأن ستيغليتز ، قبل أن يتعرف على أوكيف كان متزوجاً من امرأة أخرى ، انتهت علاقته بها حالما اكتشفت خيانته لها مع أوكيف في ستوديو التصوير الخاص به ، فيقول ـ عندما يهجر منزله ليعيش في الأستوديو ـ أنه : لم يكن سعيداً مع زوجته طوال خمسة و عشرين عاماً ، ولكن سلسلة أحداث الفيلم توضح أن الزوجة هي التي لم تكن سعيدة معه ، بعد أن عرفنا أن حياته مع جورجيا كانت سلسلة من الخيانات ، و بالتالي من الإضطرابات التي لم تتوقف إلا بعد وفاة ستيغليتز نفسه عام 1946
و أيضاً في الفيلم ، كما كانت في الواقع ، فأن أوكيف كانت تضيق ذرعاً بالمدينة التي غابت عنها الفضاءات المفتوحة بسبب ناطحات السحاب في نيويورك ، و التي تحجب تلك الفضاءات الرحيبة التي تحبها ، و عندما تفصح لزوجها عن هذا الأمر فأنه ينتقل بها ، في العام 1918 ، الى منزل أهله الواسع خارج المدينة ، وهناك بات تعلق أوكيف بالفضاءات الواسعة أمراً أكيداً ، حين راحت تفضل التجوال و البحث عن البساطة و تركز بصرها و مخيلتها على مواضيع مختلفة في الرسم ، كانت تفتقر اليها ـ كلياً ـ في المدينة مغلقة الفضاءات . و من هنا بدأ هذا التعلق يترسخ بصورة جلية لدى الرسامة ، عندما اختارت الحياة ، في الفيلم كما في الواقع أيضاً ، في صحارى نيو مكسيكو حيث الطبيعة الخشنة ولكن البسيطة ، القاحلة مظهراً ولكن الغنية مضموناً بالنسبة اليها . لذلك فقد عُرف عن الفنانة عيشها بين الهنود الحمر ، و كثرة تأملاتها في تلك المناطق الصحراوية ، و كشوفاتها التي ميزت رسوماتها ، و التي أصبحت علامة فارقة في سجل فن الرسم الأمريكي ، و التي بموجبها اُطلق عليها لقب بيكاسو أمريكا ، حيث أحدثت انتقالة جديدة في تناول المضامين و طرح الأشكال على مستوى هذا الرسم . بل أن تأثير أوكيف قد طال حتى أعمال ستيغليتز الفوتوغرافية نفسها
ولدت جورجيا أوكيف في 15/11/1887 . و في العام 1905 درست الفن لسنة واحدة في معهد شيكاغو للفنون ، ثم انتقلت الى رابطة طلبة الفنون في نيويورك في العام 1907 فتركتها بعد عام ، ولكنها حازت في العام 1908 على أول جائزة عن أحد أعمالها الفنية ، غير أن ذلك بدل أن يكون حافزاً لإستمرارها في الرسم فأنها توقفت عن ممارسته ، لقناعتها أنها لا يمكنها أن تنال التميز ما دامت محصورة في إطار ما تعلمته من محاكاة للواقع في الرسم . غير أنها بعد أربعة أعوام التحقت بدورة للرسم في جامعة فرجينينا ، و هناك تعرفت ـ عن طريق آرثر دوو على أعمال الفنان المتميز بول بونت ـ آفن و كذلك على الفن الياباني ، و هذا التعرف أحدث انتقالة في فن الرسامة ، و ربما كان هو الذي وضع أقدامها على الطريق الخاص بها في الفن حتى توقفها عن الرسم في السبعينيات من القرن العشرين حين بدأت تفقد بصرها ، ولكنها عندما توفيت في العام 1986 عن 99 عاماً كانت قد تركت تراثاً كبيراً و متميزاً قدم شحنة لواقع فن الرسم الأمريكي و أعمالاً كبيرة أغنت متاحف أمريكا الكبرى الشهير .
لقد بذل ( بارابان ) جهداً واضحاً في تقديم هذا الفيلم الجميل بمعونة الممثلَين الفذين : ( جوان آلن ) و ( جيرمي ايرونز ـ بطل فيلم " لوليتا " ) ، اللذين استحوذا على 80% من مشاهد الفيلم الذي لعبت الإضاءة المدروسة دوراً كبيراً في تقديم مشاهده بعناية فائقة عززتها موسيقى رائعة و مونتاج انسيابي متوافق مع السيناريو الرصين الذي يتوافق مع مضمون فيلم من هذا الطراز ، و الذي قد يبدو أنه غير رائج في سوق السينما المبهرجة .. ولكنه بقياسات الإبداع السينمائي يُعد تحفة سينمائية عالية القيمة .
................................
ورشة سينما :خاص –كندا
و س 19-11-2010
المقال للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر
Cinema Workshop
ورشة سينما
