سينما القارات -كندا

فيلم توقيت القاهرة فيلم توقيت القاهرة


فيلم "توقيت القاهرة" للمخرجة السورية / الكندية ربى ندا : بطولة سينمائية للمدينة

 

 هادي ياسين

 

 فيلم توقيت القاهرة , هو الفيلم الطويل الثاني للمخرجة الكندية ـ سورية الأصل ـ رُبى ندا ، بعد فيلمها الطويل الأول  صباح ، و بعد ستة عشر فيلماً قصيراً , هذه الأفلام ـ جميعها ـ كتبت المخرجة نفسها السيناريوهات لها ، استقاءً من قصص هي كاتبتها أصلاً . و عبر هذه السلسلة من الأفلام ، رسخت ربى ندا أسمها كمخرجة بارزة في كندا ، فاستطاعت أن تخطف جائزة أفضل فيلم كندي من مهرجان تورونتو السينمائي الدولي للعام 2009 لصالح فيلمها توقيت القاهرة , في فيلمها الطويل الأول صباح عالجت المخرجة قضية اجتماعية حرجة داخل المجتمع الكندي ، تتعلق بالإشكالية التي تحيط بحياة العوائل المهاجرة القادمة من بلدان الشرق الإسلامي المحافظ للعيش في مجتمع منفتح كلياً كالمجتمع الكندي .

يتخذ الفيلم من حالة شابة شرقية اسمها (صباح ) محوراً له حيث تعيش صراعاً بين تمسك أهلها الشديد بالتقاليد الشرقية المحافظة و بين رغبتها في الإندماج في المجتمع  الجديد المنفتح الذي  من المفترض أن يكون مجتمعها الذي ستكون عضواً فيه و الذي عليها أن تتقبل طبيعته ، حيث ينتهي الفيلم بقبول أهلها بزواجها من شاب كندي مختلف التربية و التقاليد . ولكن بقدر ما لقي الفيلم إرتياحاً من قبل الكنديين و بعض العرب الكنديين المنفتحين إلا أنه جوبه باعتراض من قبل بعض المتشددين الإسلاميين ، الذين رأى بعضهم أن في الفيلم تلاعباً على الإسلام .  

 في فيلمها الجديد توقيت القاهرة تنتقل المخرجة بموضوعها ،  و بكادرها الفني الى الشرق نفسه ، هذه المرة ، الى قلب الشرق ، مصر ،  حيث تصل جولييت ( الممثلة الأمريكية  : باتريسا كلاركسون ) على أمل أن يستقبلها في المطار زوجها ، الموظف  لدى منظمة الأمم المتحدة ، لكن الذي يحصل هو أنها تجد في انتظارها صديقاً مصرياً لزوجها اسمه طارق ( الممثل الإنجليزي ـ سوداني الأصل : الكسندر صدّيق ) ، و الذي يخبرها بأن زوجها قد ذهب في مهمة رسمية الى قطاع غزة و هو الذي كلّفه باستقبالها , و من هذه النقطة تبدأ دراما الفيلم حيث تقدم لنا المخرجة ـ كاتبة السيناريو مفتاحاً أو مبرراً مقنعاً لما ستؤول اليه العلاقة ، بين أمرأة ناضجة لم ترتو من الحياة بعد ، و بين أعزب شرقي أسمر ، يبدو أنه صاحب خلفية في علاقاته النسائية . ولكن الذي حصل هو أن الفيلم راح يراوح على مدى 88 دقيقة فوق السطح دون أن يقدم تصاعداً درامياً يتناسب مع المبرر المعقول الذي قدمه السيناريو في بداية الفيلم لقصة حب من الممكن أن تكون مشوقة لو أن السيناريو هذا قد أعطى ـ مثلاً ـ دوراً فاعلاً للأرملة ياسمين التي يبدو أنها كانت على علاقة حميمة قديمة مع طارق ، غير أن هذا الدور بقي في دور التزيين الخارجي للقصة الممطوطة التي بقيت سطحية . ولكن إزاء هذا المط برزت القاهرة كمدينة باهرة ساحرة خطفت البطولة بامتياز ، فيما بقي الآخرون ، و قصتهم ، مجرد ظل لها أو كومبارس خلفها ، و هنا تسجل نقطة لصالح المخرجة التي قدمت للغرب سحر الشرق من خلال مدينة باهرة بسحرها الذي لا يضاهى ، وذلك من خلال معالمها المتميزة في العمران و الأسواق و المقاهي و الأزقة و الحارات و المساجد و الجسور و نهر النيل و الأغاني ، و كل ما يمور بالحياة الحقيقية ذات الدفء الخاص في هذه المدينة التي تشكل جوهر السحر الشرقي بامتياز، و في هذا الجانب كان التصوير قد حقق حضوراً واضحاً و هو الذي قدم للعين الغربية هذه المدينة الشرقية بهذا السحر .

المحصلة النهائية يمكن القول أننا أمام فيلم جميل انطوى على قدر من الرقة و الشفافية ، ولكنه مع ذلك قد وقع في أخطاء لا يمكن أن تمر على المشاهد دون الأنتباه اليها ، فعلى سبيل المثال : عندما تحاول جولييت اللحاق بزوجها و يوقف الجنود الإسرائيليون الحافلة التي تقلها الى قطاع غزة ، فأن الضابط يوجه أمراً الى الركاب بإبراز أوراقهم ، ولكن لا أحد فعل ذلك ، غير أنه يسير في الحافلة ليتوقف عند جولييت و يسألها هي ـ دون سواها ـ عن جواز سفرها و بطريقة لا تنطوي على اهتمام فني لهذا الأمر من قبل المخرجة . كما أن ثمة فتاة كانت تشارك جولييت  المقعد في الحافلة الذاهبة الى غزة ، ما أن يوقف الجنود الإسرائيليون الحافلة حتى تدس هذه الفتاة رسالة في يدها طالبة منها ايصالها الى صديقها ، و عندما يُعيد الجنود جولييت   الى القاهرة ، تبين أن هذا الصديق مقيم فيها ، فما مبرر حملها من قبل كاتبتها الفتاة معها الى غزة ، إذاً ، اذا كانت الرسالة موجهة الى صديقها في القاهرة التي ستُعاد اليها جولييت ؟  و كيف علمت الفتاة أن الجنود سيعيدونها ؟ غير أن المخرجة لم تقدم لنا تفسيراً لهذا الإلتباس .

  و لا أدري إن كان مبرراً أن يقوم المؤذن بالأذان  في مدينة تغص بالملايين من زاوية صغيرة في مسجد كبير و من دون مكبر صوت ؟ قد يكون ذلك معقولاً لو أنه كان يؤم الناس للصلاة في داخل المسجد ، ولكن المؤذن لم يكن خلفه غير رجل واحد جالس في الزاوية بغير اكتراث ، وكأنه كان ينتظر أن ينتهي المؤذن من دوره في الفيلم ليغلق باب المسجد خلفه و خلف كادر الفيلم  . و هل يجوز أن تدخل المسجد أمرأة أجنبية سافرة لتراقب المؤذن عن قرب و هو يؤدي الأذان ؟  كدتُ أقول أن المخرجة متمكنة من حرفتها كمخرجة سينمائية و ليست ككاتبة سيناريو ، لولا مشهد مضحك حصل أثناء التصوير ،  فعندما تخرج  جولييت من المسجد الى أحد الأسواق الشعبية ، يظهر رجل مصري واقف كتمثال و هو ينظر الى الكاميرا مباشرة ً ، ثم يحرك يديه و هو يتلفظ ببعض كلمات غير مسموعة دلالة الملل من تكرار تصوير المشهد ، ربما مقابل مبلغ غير مناسب له ، ثم سرعان ما يتحرك باتجاه الكاميرا فيما يبدو أنه قد تلقى ايعازاً مفاجئاً من المخرجة فأتجه مباشرة صوب الكاميرا في أداء مفضوح ، بل مثير للضحك ، و في الوقت ذاته كان ثمة شاب ، يبدو أنه تلقى الإيعاز ذاته فأوعز بدوره الى مجموعة شبان يمثلون دور الكومبارس تحركوا بذات الإتجاه . لقد كان الأمر فاضحاً و مضحكاً حقاً . و قد أبقت المخرجة عليه كما هو إما لأن كادر التصوير أو الكومبارس قد ملوا من تكرار المشهد على بساطته أو أن الوقت قد أدرك المخرجة فأبقت المشهد على حاله ، و لكن الأمر غير مبرر أبداً و ما كان على مخرجة متمكنة من حرفتها أن تقع في هفوة كهذه .  ولكن مع ذلك ، فنحن أما فيلم جميل يستحق المشاهدة حقاً .

……………………….

من اسرة ورشة سينما : خاص – كندا

وس 7-6-2010

جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر ..