سينما القارات
فيلم نبي
فيلم " نبي" للمخرج "جاك اوديارد :الإحتفاء غير البرئ
ضد من يتوجه هذا الفيلم ؟ ضد العرب و المسلمين ؟ أم ضد الكورسيكيين القساة ؟ أم ضد السلطات الفرنسية؟
لا يستحق
الفيلم أن يكون حدثاً سينمائياً فرنسياً ، فاحتفاء كهذا يثير التساؤل حول براءته
هادي ياسين
على العكس مما حصل في دورة العام الماضي لمهرجان سيزار السينمائي الفرنسي
, جاءت جوائز هذا
العام 2010 مطابقة مع جميع
التوقعات , ففي دورة العام الماضي كانت
توقعات النقاد و المعنيين و المتابعين للمهرجان قد ذهبت الى أن فيلم "ميسرين" سيفوز بعشرة جوائز ، لما كان ينطوي عليه من عناصر تؤهله لذلك ، غير أن الذي حدث هو أن سبع جوائز ذهبت الى فيلم سيرافين الذي يتناول سيرة رسامة فطرية فرنسية مغمورة
- كنا قد كتبنا عنه في اصدار سابق من ورشة سينما
- و لذلك فقد وصفت تلك الدورة بـدورة المفاجآت .
في هذا العام اتجهت توقعات الجميع الى فيلم "نبي" المثير للجدل ، و قد فاز
فعلاً بتسع جوائز هي جائزة أفضل فيلم وأفضل مخرج : جاك أوديار و أفضل ممثل : طاهر
رحيم وأفضل ممثل ثانوي : نيل أويستروب و
أفضل موهبة لدور ثانوي وأفضل مونتاج وأفضل ديكور وأفضل سيناريو وأفضل تصوير ) . و كان هذا الفيلم قد فاز بالجائزة الكبرى في مهرجان كان السينمائي الدولي للعام 2009 ، و بجائزة أفضل فيلم في مهرجان لندن السينمائي ، و ترشح هذا العام
لجائزة أفضل فيلم أجنبي للأوسكار ، و فاز المخرج عن فيلمه هذا بجائزة لوي دولوك للعام 2009
باعتباره أفضل فيلم فرنسي للعام , و شوهد من قبل أكثر من مليوني متفرج ، وعومل كحدث سينمائي
فرنسي , ولكن السؤال بعد
مشاهدته : هل يستحق هذا الفيلم كل هذه
الضجة و هذا الكم من الجوائز و هذا القدر من الإحتفاء ؟
تدور معظم أحداث الفيلم في سجن فرنسي ، و محور قصته حول شاب في التاسعة عشر من عمره ، إسمه
مالك ، عربي مسلم في الأصل ، لا يعرف القراءة و الكتابة و قد أدى دوره الممثل البارع ، جزائري الأصل طاهر رحيم ، الذي استحق الجائزة عن جدارة بما لا جدال
حوله .
يبدو هذا الشاب كما لو كان مقطوعاً من شجرة ، و قد جاء الى السجن محكوماً عليه بست سنوات ,
و منذ الأيام الأولى بات يتعرض للمضايقات و الإستغلال من قبل مجموعة شرسة من المسجونين الكورسيكيين - كورسيكا تعمل
على الإنفصال عن فرنسا منذ زمن
طويل - ، و هذه المجموعة تنظر الى العرب و المسلمين بعين الإحتقار
, و تدفع ـ عنوة ً ـ الشاب المسالم الى ذبح سجين عربي ،
مستغلة ً تحرش ذلك العربي به جنسياً كذريعة للذبح بالموس ، و قد تم تنفيذ العملية في مشهد سينمائي بالغ الإتقان ,
هذه المجموعة كانت تنوي التخلص من ذلك العربي الذي يبدو أنه وضع يده على بعض أسرارها و تعاملاتها خارج السجن
فاستغلت السجين
مالك الذي لا أصحاب له و لا أهل ، و بمرو الوقت يتحول هذا المسالم من شخص خانع و خائف من الآخرين الى قاتل محترف قاسي القلب ، و ربما كانت هذه هي الفلسفة التي يقوم عليها الفيلم ، أي أنه
من الممكن أن يتحول السجن من دائرة إصلاح الى صانع مجرمين حقيقيين .
ولكن الفيلم يثير بعد نهايته تساؤلاً مشروعاً ، و هو : ضد من يتوجه هذا الفيلم ؟
ضد العرب و المسلمين ؟ أم ضد الكورسيكيين المجرمين القساة ؟ أم ضد السلطات الفرنسية التي أظهرها الفيلم و
كأنها غافلة عما يجري في سجونها ، خصوصاً و أن تواطؤ سلطات السجن مع العصابات كان واضحاً ؟ . بطبيعة الحال فأن القائمين على هذا الفيلم يرفضون ـ بصورة قاطعة ـ تساؤلاً كهذا , ولكنه تساؤل قائم حتى لو رفضوا ذلك , فالفيلم يقدم العرب و المسلمين على أنهم متعصبون ، و هم من وجهة نظر
الكورسيكيين كلاب حقراء قذرون يحلون مشاكلهم بالنباح كالكلاب ,
مهمومون بأعضائهم الجنسية ، و في المقابل فأن الفيلم يقدم السجناء المنحدرين من كورسيكا
الإنفصالية على أنهم مجاميع من
العصابات الإجرامية تدير جرائم بشعة داخل السجن و صفقات و عمليات خطف خارجه ، فيما يقدم الفيلم السلطات الفرنسية ـ خارج السجن ـ على أنها غافلة عما يجري داخل سجونها و يقدمها ـ داخله ـ على أنها متواطئة ،
بل مشاركة في تسهيل مهمات عصابات الكورسيكيين ، و بهذا المعنى فأن هذه السلطات تقف ـ ضمناً ـ موقفاً سلبياً من العرب و المسلمين ما دامت تقف الى جانب محتقريهم , بالتالي فأن السلطات الفرنسية فاسدة داخل و خارج السجون
, و عنصر الإدانة هذا موجود في الفيلم بصورة
واضحة مادام يستعرض الأحداث
هكذا , غير أن الجديد على السينما
الفرنسية هو تقديمها للنموذج العربي المسلم بهذه الصورة , و يبدو أن الفيلم قد استفاد من أحداث الشغب التي حصلت عام 2008 إثر مقتل شاب عربي على يد الشرطة الفرنسية ، و كان الرئيس الفرنسي الحالي ساركوزي وزيراً للداخلية حينها
، و هو الذي أدارالأزمة بمهارة ربما
كانت أحد أسباب فوزه بكرسي الرئاسة , و
من غير المستبعد أن يكون الإحتفاء الفرنسي بهذا الفيلم رداً على أحداث الشغب عشية احتفالات فرنسا بعيدها الوطني
العام الماضي 2009
و التي أحرق فيها شبان مهاجرون 317
سيارة و جرحوا 13 فرداً من عناصر الشرطة .
و بعيداً عن نظرية المؤامرة فأن الفيلم جيد بصورة عامة ، ولكنه لا يستحق
أن يكون حدثاً سينمائياً فرنسياً ، فاحتفاء كهذا يثير التساؤل حول براءته , و الواقع أن غياب البراءة في مناسبات كهذه قد بات أمراً متوقعاً ، و ربما بات طبيعياً ، خصوصاً اذا ما كانت سوابق كهذه تحدث على اعلى
مستويات الجوائز ، كجائزة نوبل ، و أيضاً جوائز الأوسكار , فهل يعقل ـ مثلا ـ أن تــُحجب جوائز الأوسكار لهذا العام 2010 عن المخرج الأمهر جيمس كاميرون و فيلمه العجائبي الباهر أفاتار الذي يمكن اعتباره مفصلاً في
تاريخ السينما ، في حين تذهب تلك الجوائز الى زوجته السابقة كاترين بيغلو و فيلمها البائس خزانة الألم ؟
ألم يكن ذهاب الجوائز الى هذا الفيلم مجرد تحية سياسية أمريكية الى الجنود الأمريكان في العراق و أفغانستان ، بعيداً عن المقاييس السينمائية الحقيقية ؟ إذاً لا غرابة في أن أن يكون الإحتفاء بفيلم نبي العادي .. جزءاً من هذا السياق غير البرئ .
...................................................................
من اسرة ورشة سينما : خاص – كندا
و .س 20-6-2010
المقال للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر