سينما القارات

فيلم المحطة الأخيرة فيلم المحطة الأخيرة

المحطة الأخيرة .. في حياة تولستوي    

الفيلم هو جزء من اهتمام العالم بالذكرى المئوية لوفاة ( تولستوي ) التي تصادف في العشرين من نوفمبر  2010

 

هادي ياسين

 

في العام ( 1979 التقيت بالفنان العالمي الشهير ( أنتوني كوين ) الذي كان قد زار بغداد  صحبة الفنان الراحل ( مصطفى العقاد ) . و في ذلك اللقاء سألت ( كوين ) عمّا اذا كانت في باله شخصية ما ، يتوق الى تمثيلها لكنه لم يفعل ذلك بعد ، فأجابني أنه يتوق الى تمثيل شخصية صديقه الكاتب الشهير ( أرنست همنغوي ) و كذلك  شخصية ( بيكاسو ) . لكنه أضاف : أنه يعشق ( شخصية عظيمة ) يتمنى أن يمثلها .. تلك هي شخصية الكاتب الروسي الشهير  ( تولستوي )  ، غير أن)  كوين ) أوضح لي أنه ينتظر أن يتقدم به العمر كي يكون قريباً من هذه الشخصية .. شكلاً و نضجاً

 في ذلك العام كان الفنان في الرابعة و الستين من عمره ، غير أنه توفي في العام 2001     عن  86 عاماً دون أن يمثل تلك الشخصية الروسية العظيمة  ، ولكن جاء العام 2009  ليخرج  ( مايكل هوفمان ) فيلمه الجديد ( المحطة الأخيرة ) الذي يلقي الضوء على السنتين الأخيرتين من حياة ( تولستوي ) ، و التي انتهت بوفاته في محطة صغيرة للقطار . و هذا الفيلم ـ المصنوع بمهارة  ـ يتناول طبيعة علاقة الكاتب الشهير بزوجته ( صوفيا ) ، و هي علاقة اتسمت بالإحتدام الحاد ، على الرغم من الحب الكبير الذي ربط الأثنين طوال حياتهما الزوجية .

 و اذ رحل ( انتوني كوين  ( ولم تتحقق رغبته في تمثيل شخصية ( تولستوي ) ، فأن المخرج ( مايكل هوفمان ) وجد ضالته في الممثل الكندي المخضرم ( كريستوفر بلمر ) ،  الذي ترشح هذا العام 2010 لجائزة الأوسكار عن دوره المميز في هذا الفيلم ( المحطة لأخيرة ) ، فيما  أسند دور  ( صوفيا ) ـ زوجة تولستوي ـ الى الممثلة البريطانية ( هيلين ميرين ) و التي ترشحت للأوسكار ، عن دورها في هذا الفيلم أيضاً. و كان المخرج قد رشح ـ أولاً ـ الممثلَين البارعَين ( أنتوني هوبكنز )  و ( ميريل ستريب ) لهذين الدورين ، ولكن ( هوبكنز ) انشغل بأمر آخر فيما فضلت ( ستريب ) دورها فيلم ( جولي و جوليا ) الذي ترشحت عنه للأوسكار كذلك . 

و يأتي فيلم ( المحطة الأخيرة ) كجزء من اهتمام العالم ( المعني بالثقافة و الفكر الإنساني )  بالذكرى المئوية لوفاة ( تولستوي ) التي تصادف في العشرين من نوفمبر  2010 ، حيث بدأت الإستعدادات منذ بداية العام بإصدار طبعات جديدة ، في عدة دول ،  لروايته الشهيرة ( آنا كارنينا )  ، كما تم ترميم فيلم ( بالأبيض و الأسود ) كان قد تم العثور عليه في الأرشيف الروسي ، و يظهر فيه ( تولستوي ) ممتطياً فرسه أو و هو يداعب كلبه . كذلك أقيمت عدة  معارض لأعماله الأدبية و للكتب التي تناولت سيرته  أو أدبه و فلسفته و فكره  

.حيث كان تولستوي مفكراً و فيلسوفاً اجتماعياً من طراز خاص ، و هو الذي تأثر بأفكاره ، لاحقاً ، كل من ( غاندي ) و ( مارتن لوثر كنغ) و سواهما

  يعطي سيناريو الفيلم  دوراً كبيراً لـ ( صوفيا ) التي كانت قد ( دوخت ) الكاتب  ـ كما هو معروف ـ خلال  السنتين الأخيرتين من حياته ، و باتت العنوان البارز لصخب و اضطراب هذه الفترة التي كانت قبل ذلك مفعمة بالسلام و بغزارة الإنتاج الأدبي . فتولستوي بات خلال هاتين السنتين  يوسع من سماحته و روحه الفائضة بالمحبة تجاه الأخرين ، الأمر الذي راح بموجبه يعامل شغيلته من الفلاحين و العمال ، في ضيعته ،  كجزء من عائلته الخاصة و  ،ليس العائلة الإنسانية  حسب . و هذا الأمر هو الذي راح يثير حفيظة (صوفيا ) و غضبها  ، فباتت تتوجس خوفاً حقيقياً من أن تشمل وصيته هؤلاء ( الغرباء ) و هي التي أنجبت له ثلاثة عشر طفلاً خلال الثمانية و أربعين عاماً التي عاشتها معه كزوجة مخلصة  و واكبت ولادة أعماله الأدبية الشهيرة و ساعدته ليس في توفير المناخ الملائم لإنجازها  ، بل في تدوينها و حفظها أيضاً، فقد قامت ـ مثلاً ـ باستنساخ روايته الشهيرة الضخمة ( الحرب و السلام ) ست  مرات . 

و ثمة نقطة أساسية لم يغفلها الفيلم .. فـ (صوفيا ) تصغر تولستوي بنحو ستة عشر عاماً ، ومن هنا تبدأ اللقطات الأولى من مشهد تظهر فيه الزوجة بثيابها البيضاء و بكامل زينتها لتدلف الى سرير زوجها العجوز  ، في أيماءة الى رغبتها في أن يشبع لها غريزتها ، ولكنها تصطدم  ببرودته و عدم اهتمامه بهذا الأمر الغريزي الإنساني الخطير ، مما يشكل أحد عوامل حنقها على الحال الذي آلت اليه الأمور ، ولكن ربما كان من الطبيعي جداً  أن تحنق هذه المرأة بسبب هذ الأمر غير أن حنقها لم يعد لهذا السبب وحده ، بل أن ثمة هواجس اخرى باتت تسيطر عليها  ، و قد تمثلت في خوفها  من أن تفقد  ثروته و حقوق مؤلفاته ، الأمر الذي جعل أمر وصيته ـ التي علمت أنها قد اُعدت  في غفلة منها ـ بمثابة كابوس بات يحكم كل تصرفاتها ، و هو ما يدفعها الى أن تصرخ في وجه زوجها ذات يوم بالقول : ( حسناً ، سأذهب الى المحطة .. و القي بنفسي تحت عجلات القطار ) .. و تضيف : ( و ستكون السيدة تولستوي هي : آنا كارنينا ) ، في إشارة الى بطلة روايته  

  الشهيرة  التي تحمل هذا الأسم   ،غيرأنها  لم تلق بنفسها تحت عجلات القطار بل تحت عجلات مزيد من التمسك بـ ( تولستوي ) ، و بطريقة ظهرت فيها كعبء ثقيل عليه ، بالرغم من أنه ظل متمسكاً بحبها .. و يقول لها ذات مرة : ( لم أتوقف عن حبك طوال حياتي معك .. ولكن الله وحده يعلم كم أنك جعلت ذلك صعباً ) . و يقرر أمامها ـ حاسماً ـ : ( اذا لم استطع أن أعمل و أن أجد السلام .. فإنني سأمضي بعيداً ) . و فعلاً نفذ الكاتب وعيده ذات ليلة حين غادر منزله الكبير في غفلة منها ، و وقـّع وصيته في الغابة دون علمها .. و رحل ، و لم  يتواصل الاّ مع ابنته  ماشا ( كيري كوندون ) عبر خطابات يرسلها اليها من المحطات ، و لا يعلم بهذه الخطابات سوى سكرتيره ( فالنتين بولغاكوف ) الذي لعب دوره ـ ببراعة  فائقة ـ الممثل ( جيمس ماكفوي ) ، حتى يصل الخطاب الأخير الذي يعلمهما أن صحة تولستوي في خطر ، و هو في محطة قرية ( استابو ) للقطار. ولكن ( صوفيا ) التي كانت قد علمت بالأمر متأخرة تلحق به أيضاً ، و هناك وجدت حشداً كبيراً من مراسلي صحف العالم و هم يتابعون ، لحظة بلحظة ، صحة الكاتب الأشهر في العالم . لكن ( صوفيا ) تـُمنع من مقابلة زوجها و تعزل عنه ، فيما تتحرق لملاقاته ، و لم يـُسمح لها برؤيته إلا في الساعة الأخيرة من حياته . 

عندما غادر تولستوي منزله ، يظهر في مشهد و هو يتأمل المنزل ، ثم يتقدم خطوات ، فيسجد على الأرض مقبـّلاً إياها . فيسأله سكرتيره : ( هل تنوي أن تعود ؟ ) فيجيبه تولستوي : ( لقد تركت هذه الحياة خلفي الآن) .

و في المشهد الأخير من الفيلم يظهر طبيب الكاتب الخاص أمام حشد الصحفيين المرابطين في المحطة ليعلن لهم : ( في الساعة السادسة من هذا  الصباح .. غادرت روح عظيمة  عالمنا : ليف نيكولايفش تولستوي ) .. حقاً كان روحاً عظيمة لن يأتي الزمان بمثلها أبداً . 

.........................................................

من اسرة ورشة سينما – خاص : كندا

و س 25 -10-2010  

المقال للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر

 

 

Name:*
E-mail Address:*
Message:*
 
Please enter the code:

Note: Fields marked with * are required.