Cinema Workshop ورشة سينما

افلام تارانتينو : الأحتفال بالسينما

فيلم "أوغاد مجهولون" السينما تحرق المستبدين

ترجمة: نجاح الجبيلي

إن أفلام كوينتن تارانتينو هي احتفال بالسينما وبالأخص الأصناف الشعبية وهو ليس في حالة عشق مع أعرافها فقط بل مع اللغة الأمريكية التي كانت جزء من نسيجها , وفيلمه الجديد "أوغاد مجهولون" هو إجلال لفيلم الحرب الذي أصبح نوعا مسلّيا خلال فترة الحرب العالمية الثانية كوسيلة لدعاية الحلفاء ، على الرغم من أن الحرب لم تكن ، علي الأقل بصورة مباشرة ، مثيرة لاهتمام السينما النازية التابعة لغوبلز .

وقد استمرت حتى حين حلّ السلام ، وكانت ذروتها في الخمسينيات والستينيات لكن الباعث لتارانتينو على عمل هذا الفيلم هو فيلم دعاية إيطالي عادي عرض عام 1978 من إخراج "إنزو ج. كاستيلاري" بعنوان " ذلك القطار المصفح الملعون" وقد عرض في العالم الناطق باللغة الإنكليزية بصورة محدودة بعنوان " أوغاد شائنون Inglorious Bastards "( ملاحظة المترجم : لكي لا تتعارض حقوق فيلم تارانتينو الجديد مع الفيلم القديم قام بإضافة حرف U إلى الكلمة الأولى بعد حرف O وأبدل حرف A في الكلمة الثانية بحرف E فأصبح عنوان فيلم تارانتينو " Inglourious Basterds" ).

وفي فيلم كاستيلاري الرديء التي كانت حبكته خرقاء , هناك حفنة من الأمريكان الغرباء في طريقهم إلى سجن عسكري في فرنسا بعد أسابيع من هروبهم من حراسهم في يوم تحرير أوربا , لكنهم عندئذ انسحبوا إلى مهمة سرية ضد الألمان بينما كانوا يتجهون نحو الحدود السويسرية .

إن حبكة تارانتينو لا تحمل الكثير من الاضافات لكن صناعة فيلمه كذلك وهو يتبع الفيلم الأصلي في مخاطبة الألمان والفرنسيين والأمريكان بلغاتهم الخاصة .

يتضمن الفيلم خمسة فصول والفصل الأول رائع يفوق ما عمله تارانتينو من قبل ، وأدار تصويره بشكل مدهش أحد أروع السينماتوغرافيين في أمريكا وهو "روبرت ريتشاردسون" وعنوان الفصل "مرة من المرات في فرنسا المحتلة من قبل الألمان عام 1941" وعنوانه ومزاجه وموسيقاه التي ألفها "إنيو موريكوني" تستدعي إلى الذهن مشهد الافتتاح في فيلم "مرة من المرات في الغرب" للمخرج سيرجيو ليوني.

إنه يوم جميل في فرنسا , كان فلاح يقطع الخشب خارج الحقل البعيد وجماعة صغيرة من القوات الألمانية على دراجاتهم النارية يقتربون من بعيد , وقائدهم هو الكولونيل "لاندا" من القوات الخاصة ( أدى دوره بذكاء الممثل النمساوي كرستوفر فالتز وفاز بجائزة أحسن ممثل في مهرجان كان لسنة 2009 -م) , السادي الدمث ذو الشخصية الكارزمية المتهم بتعقب اليهود الهاربين .

وبينما الكاميرا تدور حولهما يحقق "لاندا" مع الفلاح "لاباديت" بأسلوب متملق لعوب فيه تهديد مراوغ , كان لاندا يتكلم الفرنسية بطلاقة وبنعومة لكنه فجأة يوحي بالتكلم بالإنكليزية , هل يعرض تارانتينو التسوية بهذا التحول في اللغة؟ كلا ، إنه جزء من استراتيجية لاندا المميتة في جعل لاباديت يخدع نفسه , وفجأة ينفجر العنف وينتهي المشهد الذي يستغرق حوالي 25 دقيقة في الوقت الحقيقي بالربط الدرامي الذي لا ينتهي حتى الفصل الثالث .

مشهد الافتتاح بدا  مسلّ وجاد أخلاقياً وربما يفكر المرء بما كتب روبرت وارشو في مقالته العظيمة " الغربي" عام 1953 مشيراً إلى أنه " في أفلام الحرب ، من الممكن تقديم منافع العنف ضمن هيكل المسؤولية" مضيفاً " وفي أفضلها قد تمثل أفلام الحرب وجهات نظر أكثر تمدناً من أفلام الويسترن وإذا لم تشوهها باستمرار العواطف الأيديولوجية فقد نأمل في أن نجد فيها ما يتطور إلى أعلى شكل من الدراما".

إن العاطفة الإيديولوجية ليست تهمة يمكن أن توجه إلى تارانتينو لكن فيلمه بعد ذلك ،على الرغم من استحواذه المطرد ، غير منتظم ومتكسر وكأنه يتبع موتيف الانتقام في الفصل الأول , وفي الفصل الثاني الذي تدور أحداثه بعد سنتين يقدمنا إلى "الأوغاد المجهولون" وهم مجموعة من الجنود الأميركان اليهود الذي يرسلون إلى فرنسا المحتلة كي يمارسوا القتل الوحشي ضد النازيين , وقد جندّهم رجل غير يهودي من أقصى الجنوب الأمريكي الكابتن "ألدو رين" وهو اسم مشتق من الممثل ذو رقبة الثور "ألدو ري" وكان نجماً في أفلام حرب مثل "صرخة المعركة" و "العراة والموتى" , إن خطاب الافتتاح لرين الذي يؤدي دوره "براد بيت" يذكرنا بخطابات المهمات لـ"باتون" في فيلم جورج سكوت و للرائد الغريب الذي جسد دوره "لي مارفن" في فيلم " دستة أشرار" وهذه الحفنة البغيضة تعذب مسجونيها وتضربهم حتى الموت بمضارب البيسبول وتنزع فروات رؤوسهم وتنقش علامات الصليب النازي على جبهاتهم , وقد تسببوا في إثارة هتلر وهياجه .

الحقيقة أن استوديوهات هوليود كانت جدّ حذرة في تمثيل اليهود في أفلام الحرب , في عام 1940 قدم جوزيف كندي سفير أميركا الانعزالي في بريطانيا وأبو جون أف كندي نصيحة إلى شخصيات هوليود البارزة "بترك عرض أسماء اليهود على الشاشة" و "التوقف عن صنع الأفلام المضادة للنازية أو استعمال الأفلام كواسطة لترويج أو إظهار العاطفة إلى قضية "الديمقراطية" مقابل "الدكتاتورية"". وفي أواخر عام 1944 قال جاك وارنر مدير وارنر بروذرز لمنتج فيلم " الهدف بورما!" أحب فكرة ضابط يهودي في بورما , انظر أنك تحصل على نوع أمريكي أنيق لليعاقبة". لكن تعديل تارانتينو الجديد هو إيماءة جاهلة صبيانية وخصوصاً إذا ما عرضت على ضوء فيلم "تحدّ" للمخرج إدوارد زيفيك حول المقاتلين اليهود في روسيا البيضاء أثناء الحرب العالمية الثانية.

  إن ثيمة الانتقام في الفيلم تأخذ دوراً استثنائياً في الفصول اللاحقة التي تقع أحداثها في عام 1944 بين يوم بدء تحرير أوربا وتحرير باريس حين يقرر النازيون العرض الأول العالمي لفيلمهم البطولي في دار سينما فرنسية تديرها الجذابة "شوسانا" ( تؤدي الدور ميلاني لوران) وهي الناجية الوحيدة من العائلة اليهودية التي تم القضاء عليها في الفصل الأول , يرسل تشرتشل وجنرال بريطاني ( يؤدي الدور كمحاكاة ساخرة لنماذج مكررة مايك مايرز) ناقد فيلم بريطاني ذا معرفة خاصة بالسينما الألمانية (مايكل فاسبندر) للتعاون مع الأوغاد في القضاء على القادة الكبار الألمان هتلر وغوبلز وبورمان وغورنغ في هذا العرض بينما كانت "شوسانا" تخطط بصورة مستقلة لخطتها في تحطيم الأصنام الألمانية.

  والنتيجة ، التي تشمل بعضا من الحبكة البطيئة في قمة البراعة، تظهر نجمة أفلام ألمانية جميلة تعمل عميلة سرية ونسخة ألمانية من إيدي مورفي وتستدعي إلى الذهن أفلام "دستة من الأشرار" و"نكون أو لا نكون" و "المترو الأخير" والعديد من الأفلام التي عرضت في دور السينما. إن التصور المركزي الكبير أن أولئك الذين يمجدون الأفلام ويعبدونها لكن لا يستحقونها (مثل غوبلز) سوف يموتون في السينما. والعنف سينتشر من الشاشة إلى قاعة الاجتماع وأن وقود الاحتراق و إشعال المحارق سوف تجهز من مادة الفيلم القابلة للاشتعال نفسها. والفكرة مسممة بقدر ما هي مجنونة .   

....................................

   فيليب فنش / عن الغارديان