فيلم "خزانة الالم " للمخرجة كاثرين بيغلو: تعاطف مع القاتل والمقتول في آن واحد
محمد جبار لربيعي
فيلم خزانة الألم"مادمت في العراق فأنت ميّت ",بهذه الكلمات التي جاءت على لسان احد الجنود الامريكان لخص الكاتب " مارك بوال " ومخرجة الفيلم "كاثرين
بيغلو" فيلمهما "خزانة الالم "الذي حصل على ست جوائز اوسكار وهي على التوالي جائزة افضل فيلم وافضل مُخرج "وهي المرة الاولى التي تحصل فيها امرأة على جائزة الأخراج" بالاضافة الى جائزة السيناريو وافضل
مونتاج وجائزتي مونتاج و ماكساج الصوت وكان قد حصل قبل ذلك على جائزة افضل فيلم في مهرجان الاكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون "بافتا" بالاضافة الى خمس جوائز اخرى اهمها جائزة الاخراج في
المهرجان المذكور.
كاتب السيناريو كان صحفيا في العراق ويبدو انه وظف كل مشاهداته ومعايشته للجنود ورصد معاناتهم ويومياتهم والمصاعب التي يواجهونها ومايعتريهم من الم واحساسهم بلا جدوى او مُبرر مُقنع لوجودهم وموتهم في بلد
لايعنيهم بشيء فكانت الاحداث نابضة بالحياة وقريبة من الواقع بسبب تلك المعايشة وربما مشاركتهم في الكثير من تلك الاحاسيس وقد رافق الكاتب في عمله الصحفي في العراق دورية لأبطال العبوات ونشر تقريرا عنها في
مجلة "بلاي بوي" ثم طور هذا التقرير الى سيناريو سينمائي ولا اعتقد انه كان في معايشته للجنود وفي خضم المخاطر التي كانت تحف بهم يُفكر في ان تلك المعايشة ستجعله يعتلي منصة الاوسكار في يوم ما .
تناول انساني
مع بداية الفيلم وفي اول لقطة منه ندخل في لب الأحداث لكي يضفي الفيلم الاحساس بأستمراريتها وتفاقم المشكلة وكأن الجنود في دوامة لاتلبث ان تبدأ بعد ان تنتهي ففي المشهد الاول تتحرك الكاميرا نحو عبوة
مصنوعة محليا لتفكيكها وبسب خلل في عمل الرجل الالي يضطر مسؤول تفكيك العبوات الى تفكيكها بنفسه ليفجرها احد الاهالي بالاتصال بهاتفه الخلوي وهذا يودي بحياة خبير تفكيك المتفجرات , ثم يأتي شخص بديل له يحل
محله وليستمر في تفكيك العبوات في دوامة لاتنتهي , الفيلم يركز على دورية للجيش الامريكي متخصصة بتفكيك العبوات المدفونة على الطريق ويستعرض خلال احداث الفيلم ما يواجهونه من مصاعب ومخاطر وشيكة فيكون كل
ماحولهم مريب ومحط شك وربما يتسبب في مقتلهم لذلك نراهم مشدودين على الدوام وعدوانيين في الأعم الأغلب فهم لا يعرفون عدوهم بالتحديد لهذا يصبح كل مايتحرك حولهم عدو محتمل , ويركز الفيلم على (جيمس)قام بدوره
الممثل جيرمي رينير "نال عن دوره هذا الترشيح للاوسكار كأفضل ممثل " مسؤول تفكيك العبوات وهو رجل غريب الأطوار فمثلا ينام مرتديا الخوذة التي يرتديها مفككو القنابل" ربما لأنه يشعر بنوع من الطمأنينة عند
ارتدائها" ويحتفظ بكل الصواعق المسؤولة عن تفجير العبوات بعد ان يبطلها رغم خطورتها وهو يتصرف بلا مسؤولية او خطة مسبقة فيُعرِّض الدورية الى اكثر من خطر بسبب تصرفاته تلك , فهو بسبب تعامله مع العبوات
الناسفة وقربه من الموت على الدوام اختط لنفسه اسلوباً خاصاً يُشعره بالطمأنينة بشكل نسبي مايجعله هذا الامر غريباً عن رفاقه , لكن الفيلم ورغم ذلك يركز على حالات تعاطف وانسانية ل"جيمس" مع الآخرين خصوصاً
مع الطفل العراقي الذي تقتله الجماعات المسلحة ويفخخون جثته فيشعر بالذنب لانه يعتقد ان سبب قتله هو صداقته معه ويرفض التحدث الى الطفل الذي يحل بديلا عنه في بيع الاقراص المدمجة .
كاميرا محمولة
من اجمل اللمسات الفنية في الفيلم هو استخدام التصوير بالكاميرا المحمولة غير المستقرة "في مشاهد المواجهات" لأضفاء الواقعية على الحدث فيُحس المُشاهد بأن المصور يحاول الهرب من الخطر الذي يلف المكان او
يتجند مصادر النيران بحركة وزاوية تصوير مشابهة وربما مطابقة لطريقة مصوري الكاميرا المحمولة للتقارير التي تظهر في نشرات الأخبار وهذه الطريقة كانت ناجحة جداً في شد المُشاهد الذي يشعر بواقعية الحدث وبهذا
يتعاطف مع ابطال الفيلم وكذلك تميز المونتاج بالأتقان و بلمسات جميلة اُخرى مثل لقطة القط الذي يعرج لكسر في احدى ارجله ودمجها مع لقطات الجنود وهم على وشك الوصول الى عبوة لتفكيكها لعكس حالتهم النفسية ثم
بعد عدة مشاهد حركة القط الذي يمشي بتبختر بأتجاه الكاميرا وهو نفس اتجاه حركة "جيمس" الذي كان متوجها نحو احدى العبوات لتفكيكها لكنه هذه المرة يمشي بثقة ربما تبدو مُفرطة ولقطات اُخرى مشابهة اهتمت فيها
المخرجة بتفاصيل صغيرة جداً لكنها مُعبرة وساهمت في دفع الفكرة الرئيسية وترسيخها خصوصاً في مشهد مهاجمة الفرقة في الصحراء ومحاولتهم رصد مصادر النيران التي هاجمتهم وقتلت الكثير منهم والدقائق الحرجة التي
مروا بها ثم الانتظار الطويل لحركة ما يحاولون الرد عليها ,هذا المشهد ادخل المُشاهد في لب الاحداث فاحس بتراب الصحراء تسد انفه وتغطي وجهه وترمد عينيه ثم بعد رصده واطلاق النار على المهاجم لم يتم التعامل
مع الحدث بالفرح لزوال الخطر بل بحزن واضح صاحبته موسيقى حزينة ولقطة جميلة لسقوط الظرف الفارغ للرصاصة بحركة بطيئة وهذه تعطي للمُشاهد تخيلا لسقوط القتيل على الجهة الاُخرى وهذه اللقطة اظهرت تعاطفاً
واضحاً للقاتل والمقتول على حد سواء وربما هذه اللمسات الانسانية الغاية في الشفافية وتلك اللقطات المعبرة هي من اوصل الفيلم الى الاوسكار .
محاولات انقاذ
فكرة الفيلم تنصبّ على الوضع الأمريكي في العراق فالسبب المعلن كان انقاذ العراق والعالم من نظام الحكم السابق الذي عرف بالدموية مع شعبه ومع الدول الاُخرى فحاولت تلك القوات (ابطال قنبلة موقوتة ) وهي
النظام السابق لتجد نفسها في دوامة من المخاطر والمشاكل "القنابل" التي ما ان يتم ابطال احدها حتى تظهر الاُخرى , وقد لخص هذه الفكرة مشهد وضع في الربع الأخير من الفيلم عندما يظهر رجل عراقي مفخخ بقنبلة
موقوتة ويحاول "جيمس" انقاذه الى درجة تعريض حياته للخطر وبعد محاولات كثيرة يعجز عن انقاذه فيعتذر منه ويتركه لينفجر و الفيلم لخص كل الحالة بهذا المشهد فهم حاولوا انقاذ العراق ظاهريا على الاقل " وترى
المخرجة وكاتب السيناريو انهم اخفقوا في ذلك ولكن لماذا يرشح هذا الفيلم للاوسكار لهذا العام رغم انه من انتاج عام 2008, ربما لأسباب سياسية فالفيلم يرفض في محتواه الحرب في العراق ويطالب الحكمومة ضمنياً
بأنقاذ ابنائهم من تلك الحرب وسياسة الحزب الجمهوري الحاكم كانت مع الحرب والان وبعد فوز الحزب الديمقراطي المناهض لها والمُطالب المُلِحّة بسحب القوات تم الاهتمام بالفيلم والأحتفاء به لأنه يتماشى مع
سياستهم الخارجية .
..............................................
من اسرة ورشة سينما - خاص :العراق
وس25-7-2010
المقال للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق
الملكية الفكرية والنشر