سلسة محاضرات ورشة سينما

افلام الفن بين السينما ولغة الفن التشكيلي
أ.د صباح الموسوي*
اهمية هذه الافلام في رصد الحركة الثقافية والفنية وتوثيقها
اولى افلام الفن ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى في اوربا
يجد هذا النوع من الانتاج مكانته بين المشاهدين وصناع السينما بسبب شاعرية للفنون التشكيلية
الحرية في حركة الكاميرا .وتعبيرية الاضاءة والبناء المونتاجي الدرامي.وقيمة عاطفية للاستخدام الموسيقي
تكييف العمل التشكيلي للشاشة
تطلق تسمية افلام الفن على تلك الافلام التي تتخذ من الاعمال الفنية موضوعاً لها . وقد أختلف المهتمون في تصنيف مرجعية هذا النمط من الانتاج فمنهم من يرى فيه نوعاً سينمائياً قائم بذاتة يضم اشكال وله اساليب واتجاهات خاصة.
والبعض الاخرى من يصنفه ضمن اشكال الافلام الوثائقية انطلاقاً من رؤيتهم للعمل الفني كواقع وحقيقه قائمة .ولقاء الكاميرا مع العمل الفني لا يختلف عن لقائها مع اي حدث او ظاهرة في الواقع الحقيقي.
ان انتاج افلام الفن تطورت بشكل سريع في جميع دول العالم واتسعت مساحة موضوعاته لتشمل الفنون الاخرى كالموسيقى والمسرح والعمارة والفنون الفولوكلورية وحتى فن الفلم نفسه حيث تعتبر الافلام التي تتناول صناعة الفلم ضمن افلام الفن.
ونظراً لاهمية هذه الافلام في رصد الحركة الثقافية والفنية وتوثيقها فقد وجد الكثير من صناع الافلام في الاعمال الفنية معيناً استلهموا منه موضوعات افلامهم وتعاملوا مع العمل الفني كواقع قائم بذاته حملوه رؤياهم الذاتية.وعالجوه بلغة الفلم فكانت الحصيلة افلام تنوعت في المعالجة والاسلوب والهدف..
البدايات الأولى
اولى افلام الفن ظهرت بعد الحرب العالمية في اوربا وكانت تنتج الى جانب الافلام السياحية اذ لم تختلف في شكلها الفني عن تلك الافلام ذات السمة الاعلامية التي تهدف الى التعريف بالحياة الثقافية والمرافق السياحية .وتدعو لها ولم تكن هذه الافلام في بنائها الفني ذات اثر او قيمة فنية بل كانت تمثل دليل سياحي للمتاحف والاماكن الاثرية.
لكن التحول في انتاج هذا النوع من الافلام قد بدأ في 1936 في بلجيكا عندما ظهر فلم (نظره على بلجيكا القديمة) للمخرج هنري ستروك بالاشتراك مع المؤلف الموسيقي الفرنسي موريس جويرت.
ويعد هذا الفلم اول محاولة للخروج من الشكل السياحي من خلال توظيف تقنية الفلم لمعالجة الموضوع برؤية فنية
اما المحاولة التي تعد اكثر تقدماً في هذا المجال فكانت عام 1939 في بلجيكا ايضاً عندما قام المخرج اندريه كوفن باخراج فلم (agneaumy stiguei ) عن احد الاعمال الشهيرة للرسالم فان اسكا Van Eycka .ففي هذا العمل توقفت الكاميرا عن التنزه في الشوارع والمتاحف بل اصبحت وسيلة لتحليل عمل فنان مشهور .نفس التجربة طورها المخرج كوفن في فلمه memling حيث اعتمد في مادته على اكثر من عمل للفنان نفسه .وفي كلا الفلمين قام المخرج بابراز ما لا تلاحظة في الاعمال الفنية
مستخدماً اسلوب جديد في الاضاءة لهذا الغرض اضافة الى ذلك قام بتجزئة العمل الى اجزاء بما ينسجم ومنطقية تكوينه الداخلي./1
اما في ايطاليا فقد ذهب المخرج لوسيان امير في اخراجه افلام (( الجنة الارضية عام 1940)) الذي اعتمد فيه على لوحات يوسن وفلم (عذاب المسيح) عن لوحات جيوتوا وكانت هذه الاعمال قد عرضت باسلوب جديد وشاعري جعل منها اعمال فنية مستقله بذاتها اعتمدت في تناولها للمعل الفني على وجهة نظر صانع الفلم /2
ونفس الفكرة حصلت في السويد وفرنسا والولايات المتحدة وفي دول اخرى من العالم .حيث اخذ هذا النوع من الانتاج يجد مكانته بين المشاهدين والمهتمون وصناع الافلام بسبب شاعرية المعالجة للفنون التشكيلية وتعددت مؤسسات انتاجه واليوم لم نجد دولة في العالم لم تخصص من انتاجها الوثائقي عدد من الافلام التي تهتم بالفنون والاغراض متعددة .
الفنان والشاشة
يضم تاريخ الفنون التشكيلية العديد من المدارس والاساليب وبالرغم من هذه التعددية فان جميع الاعمال الفنية تشترك في كون (كل عمل فني وراءه فكرة ورؤية والرؤية التشكيلية هي العلاقة بين الفنان والشاشة والمضمون هو الترجمة الحسية لذلك العمل وعملية تذوق العمل الفني وادراك مضمونه يختلف من شخص لاخر .كل حسب ما يمتلكه من خزين ثقافي ومعرفي بعناصر العمل الفني .(فالمشاهد على الغالب يفسر المضمون على حدين .
1.اما ان يفسره علمياً حسب ثقافية ومن بعد عاطفي او العكس.
2.ويوجد من يفسر الموضوع عاطفياً فقط نتيجة لتاثره فنياً بهذا العمل دون ان يكون له الماماً ثقافياً واضحاً./3
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هل ان جميع اساليب الفن التشكيلي متساوية بدرجة ما من حيث المعالجة السينمائية فلماذا نجد اعمال بعض الفنانيين قد عولجت سينمائياً بشكل ناجح اكثر من اعمال فنانيين اخرين عن التساؤل هذا نجد اجابة في حديث لـ هنري ليمير يقول فيه( هنالك بعض الاسالسيب الفنية قريبة في تكوينها ضمن بنية العمل الفني ولا تحتاج الا الى بث الحركة فيها من خلال الفلم لتنشأ صورة مثيرة للاهتمام على الشاشة) ./4
نظرة للأساليب الفنية
والاساليب الفنية للعمل الفني يمكن حصرها بثلاثة اساليب
- اسلوب المحاكاة او التقليد Reproductive ويتميز هذا الاسلوب بالديناميكية فهو غني بالحركة ضمن البنية الداخلية للعمل الفني.
- الاسلوب التعبيري Expressionism وهذا الاسلوب هو الاخر غني بالحركة الداخلية ولكن هذه الحركة تكون تعبيرية ذهنية .
- الاسلوب الشكلي Formalism وهذا الاسلوب يسعى الى الجمال وبلورة اشكال تتسم بالشفافية والصفاء./5
في ضوء هذا التقسيم يبدو ان الاسلوبين الاول والثاني هما اكثر ملائمة للمعالجة السينمائية بسبب اقتراب هذين الاسلوبين من الواقع في تجسيدهما للشخصيات والاحداث والزمان والمكان .مما يسمح بحرية اكثر لحركة الكاميرا .وبتعبيرية الاضاءة وبناء مونتاجي درامي.وبقيمة عاطفية للاستخدام الموسيقي. اما الاسلوب الشكلي فهو اكثر صعوبة في معالجته سينمائياً بسبب تكويناته ذات البنى الهارمونية المتداخلة التي تتسم بالجمود .ولكن الذي يحدد طبيعة الفلم ليس اسلوب العمل الفني .وبقدر ما يحدده الهدف من تكييف العمل الفني للسينما .فالهدف يفرض على المخرج اسلوب معيناً يتباين فيه البناء الفني والتقني للفلم من مخرج الى اخر.
اتجاهات العمل الفني عند بول وارن
وفي هذا المجال يورد بول وارن ثلاث اتجاهات رئيسه في تناول العمل الفني سينمائياً تتمثل في
1.الاتجاه الاول الذي يسعى فيه صانع الفلم احياناً اعادة بناء فترة تاريخية بمساعدة التصوير الزيتي .وعندما يتحدد ذلك يصبح من الواضح اقتراب اهدافه من اهداف سينما الواقع تقريباً مثال ذلك فلم (كوتشيانو ايمر) عند جويا.
2.ومن افلام الفن ما يذهب اصحاب الى اطلاق العنان لنزعاتهم في الخلق .ويقطعون العمل الفني الى اجزاء صغيرة بتعبير قليل من الاعتبار لبنائه الخاص مثل فلم (روبنز) اخراج ستروك هيزرت.
3.وتصل افلام الفن الى قمتها لا يرتبط خالقها باي غرض خارجي محاولاً ان يبني من عناصر الاعمال الفنية عالماً مستقبلاً بذاته يصل في تاثيره الفني الى مستوى تاثير الاصل .كما في فلم (عالم بول ديلفو ) اخراج استروك ميشا../6
تصنيف كافراك لأفلام الفن
اما البروفسور زبيكنيف كافراك في تصنيفة الى افلام الفن من حيث النوع فانه يذكر التصنيف التالي:1- الفلم الانطباعي الشاعري يرتقي هذا النوع الى العمل الابداعي فهو يتميز بشاعرية المعالجة التي تعتمد على مخيلة وتصور المخرج في تناول العمل الفني وبث الحياة فية لاعادة سيرة فنان راحل او خلق اجواء مرحلة معينة او اسلوب من الاساليب
كما هنالك افلام تمثل رؤية صانعها حيث يتناول العمل الفني وفق احساسه به وما يتبلور لديه من افكار ذاتية عنه وهذا الشكل من المعالجة للعمل الفني يرى فيه بعض الفنانيين ان على المخرج الالتزام بجانب اخلاقي ازاء العمل الفني يقتضي بعض الامانة للعمل الفني في لقاءه مع الكاميرا.
ان الكثير من الفنانيين من ينتابهم الشعور بالغبطة المشوبة بشي من عدم الرضا عند تناول اعمالهم الفنية سينمائياً .اذ يرى هؤلاء ان حرية الفنان في معالجة اعمالهم تشويه للعمل الفني في حالة تقطيعه الى اجزاء حسب تصور ورؤية المخرج لذاتية الامر الذي يميل الى عدم عرض العمل الفني على حقيقته .اما المخرجون في دفاعهم يرون ان الفلم ايضاً عمل فني له خصوصيته وقوانينه وله الحق في الرؤية والمعالجة والتفسير للموضوع الذي يتناوله فالشكل الذي يعالج به صانع الفلم عمله هو نتاج عن رؤية وتفسير للعمل الفني .وهدف يسعى للوصول اليه فالافلام التعليمية تنحى في اسلوب معالجتها للعمل الفني بشكل يختلف تماماً عن اسلوب افلام الروبرتاج او الافلام التي تحمل وجه نظر مؤلفها .لذا نجد ان افلام الفن قد صنفت هي الاخرى الى انواع حسب الغاية ونوعية المتلقي.
اتين سوريو واشكال التكييف السينمائي للفن
ففي بحث كتبتة اتينا سوريو(Etienne Soruriau) تورد خمسة اشكال للتكييف السينمائي للعمل الفني الشكل الاول هو الذي يمثل تدفق ايحائي للوحة يرتبط ببواعث الفلم الروائي بشكل صور حية اما الشكل الثاني هو توثيق العمل الفني في اطار دراسي او سيرة ذاتية للفنان .والشكل الثالث اظهار تقنية انجاز العمل الفني والشكل الرابع هو التكيف الفني الذي يمثل نظرة جديدة على العمل الفني من خلال تقنيات الفلم وتنوع وجهات نظر الكاميرا واخيراً الشكل الذي يطلق عليه سينما الرسم تمييزاً عن سينما الرسوم المتحركة اذ تؤكد اتينا ان مشاهدة العمل الفني في المتحف يختلف عن مشاهدته على الشاشة كما تختلف اليات الاخراج.
المعالجة السينمائية والعمل الفني
من كل ما تقدم يمكن ان نوضح ما تشكله المعالجة السينمائية من اضافة الى العمل الفني من خلال
1. قدرة السينما على تجزءة الواقع ثم اعادة تشكيله بفضل المونتاج فان الفلم يعرض تفاصيل اللوحة بتسلسل يتفق مع رؤية صانع الفلم الذي يفرض على المشاهد التفاصيل المختارة ومن وجهة النظر التي يريد فالمشاهد يمتلك الحرية في التلقي عند مشاهدته العمل الفني في معرض او مكان ما فهو حر في اختيار المسافة والزاوية التي ينظر منها كما هو حر في توجيه اهتمامه على اي جزء من اللوحة او العمل هذه الحرية يفدها المشاهد داخل صالة العرض فهو جالس ثابت في مكانه ومجبر على مشاهدة ما تعرضه الشاشة .
2. يقوم الفلم بتحرير العمل الفني من الثبات الى فن زمكاني ومنحه ديناميكية العرض .
3. يعد الفلم نافذة جديدة على العمل الفني باعتباره خلقاً فنياً تسهم في بناءه عناصر الفلم التعبيرية من موسيقى وحركة وحوار واضاءة.
وعلى الرغم من تقارب التاثير المتبادل لكلا الفنيين الا انه لكل منهما وسائله التعبيرية الخاصة به.والتي تؤكد خصوصية واستقلالية كوسيط تعبيري يختلف في بناءه ووسائله ولغته ..
المصادر
1-عام عناصر الفن . فرج عبو .بغداد 1982
2-دراسات سينمائية. هاشم النحاس .بغداد 1970
3-لوي دي جانيتي. ت. جعفر علي بغداد 1981
4-زبكنيف كافراك. افلام عن الفن .وارشو 1974
5-مجلة السينما.العدد 16و 15 القاهرة 1970
6- الحياة السينمائية.دمشق 1981
7- مجلة الكاميرا العدد 5 وارشو1968
............
*رئيس قسم الفنون السمعية والمرئية – كلية الفنون الجميلة –جامعة بغداد
ورشة سينما – خاص
.........................
ورشة نقاش:
س1: هل بالضرورة ان ينتمي الفيلم الوثائقي من نوع افلام الفن الى اسلوب من الأساليب الثلاثة المذكورة في المحاضرة ؟
س2: هل من الضروري او من المهم ان يدرك صانع الفيلم من نوع افلام الفن مسبقا الأسلوب الذي يتبعه لعمل فيلمه ام ان الأسلوب هو تحصيل حاصل بعد انجاز الفيلم ؟
س3 : هل استطاعت السينما الوثائقية في البلاد العربية عمل مايكفي من افلام تنتمي لنوع افلام الفن ؟
Jump cut : سؤال خارج السياق
لماذا لاتوجد درسات للسينما الوثائقية في البلاد العربية تسلط الضوء على التجارب الأسلوبية المختلفة وهل ان انجاز مثل هذه الدراسات ضرورة ؟
.................................
.........شارك برأيك ...رأيك مهم ...