Cinema Workshop ورشة سينما

 

فيلم مونيكا للمخرج بيرجمان :الفضاء االشعري الخيالي والأنتصار  للمرأة

حميد عقبي

في الكثير من أفلام المخرج العالمي انجمار بيرجمان نشعر انه ينتصر للمرأة من الرجل و المجتمع و الدين ، هو لا يقدم المرأة كجسد مغر بوسعه إشباع لذة و شهوة الرجل الجنسية و الحيوانية ، بيرجمان ينظر للمرأة كمنهل للجمال و القداسة .

المرأة اكثر من سر غامض حاول بيرجمان خلال اكثر من خمسين عاماً من الابداع و الانتاج الغزير و الغني ، حاول الغوص في اعماق هذا المخلوق ، البحث عن روعة و طهارة الروح إِثارة جدل فلسفي و اسطوري من خلال عرض نماذج فريدة لنساء من مختلف الشرائح الاجتماعية من مختلف الاعمار، كل نموذج و شخصية نسائية هي اكتشاف جديد ابحار في الحلم و الروح هي ايضاً علامة استفهام و اسئلة صعبة يطرحها المخرج كي يضعنا امام مواضيع اجتماعية و نفسية كي يعيدنا الى زمن الاسطورة و الخرافة ، كي يخلق جنة الخلد ثم يقوم بتدميرها ليتركنا بل ليقذف بنا امام الجحيم .

في فيلمه “مونيكا” نحن امام شابة جميلة ساذجة تبحث عن اللذة و المتعة هي نتاج تغييرات اجتماعية معقدة نموذج لمرحلة جديدة مرحلة الحرية الاجتماعية المطلقة للمرأة بعيداً عن تعقيدات الدين و العادات و التقاليد تحاول مونيكا كسر هذه القيود و الحواجز و الفرار الى عالم آخر هو عالم اللذة المطلقة ، مونيكا فتاة فقيرة مقيدة تشعر بالتقزز و الاشمئزاز من الواقع الضيق من الفقر و الحرمان من العمل وسط مجتمع ذكوري يحاول نهش جسدها الانثوي المغري هي تبحث عن فارس الاحلام عن شاب وسيم يمكنه ان يحملها بعيداً تحلم بالسعادة و الهروب هي مستعدة لترك عائلتها كون هذه العائلة مجرد فضاء للبؤس و العبودية أب مدمن على الكحول أم خاضعة تقضي معظم وقتها بالمطبخ و رعاية الاطفال ثم اشباع رغبة و شهوة الأب الجنسية .

رمز الثورة

تمثل  مونيكا رمز للثورة ضد الرجل ، ضد المجتمع ، ضد الواقع، تحاول تجاوز هذا الواقع بأي وسيلة ، لديها صديق يظهر في الفيلم كشخص غامض ، هو شخصية شيطانية من الصعب الامساك بها او معرفتها ، اذاً ليس الجنس ما ينقص مونيكا ، ربما هي تبحث عن رجل يمكنها السيطرة عليه و قيادته تبحث عن السلطة ، عن القدرة و الشعور بذاتها ، فهي بحاجة لرجل تستطيع التحكم به  لا تريد شخصاً قويا وكي لا تقع اسيرة لسطوته و جبروته كحال أمها مثلاً .

في مقهى بسيط نرى مونيكا عبر مرآة كبيرة تجلس لتتصفح مجلة الموضة بالقرب منها على طاولة اخرى هاري و هو شاب وسيم هادئ تقترب منه تطلب منه اشعال سيجارتها ، يحاول هاري اشعال السيجارة لكنه كلما اشعل عود الكبريت لا يستمر في الاشتعال بعد عدة محاولات ينجح لنتوقف للحظات امام هذا الفعل و المشهد  لو قمنا بالتأمل وتحليل هذا المشهد فنحن بحاجة لوقت كبير  يمكننا الاختصار والقول ما تبحث عنه مونيكا هو اشعال اللذة  هي بطلبها تحاول جذب هذا الشاب لعالمها  نظراته نحو هاري خلال هذا الفعل بمثابة تحليل لشخصيته ، نرى نوعاً من الارتباك على هاري و ملامح الفرح و السرور على وجه الفتاة كلما اخفق الشاب ، اخيراً وجدت مونيكا ضالتها ، تتعرف على هاري ، تكتشف انه يعيش مع والده بعد موت امه ، يعمل في معمل لصناعة الزجاج، معرفته بسيطة بعالم النساء، ليس له تجربة حب او جنسية، هو بسيط، وسيم، تستطيع اذن السيطرة عليه هو مناسب بالنسبة لها، تتحول المعرفة لصداقة ثم حب، هي من يباشر باغرائه لتذوق قُبلة من فمها، تنجح بالسيطرة عليه،تشعر بمذاق روعة الانتصار والسلطة، تتعدد اللقاءت في كل مرة تفصح مونيكا عن حلمها في ترك الواقع و الذهاب بعيداً، نرى الفتاة تحدث و تغني بينما الشاب يستمع و يظل ينظر اليها، استطاعت الفتاة جذب و سحر هذا الشاب بحيث اصبح كتابع لها، بل حارساً يرافقها الى الحي الذي تسكن فيه، يعتدي عليه صديقها القديم، هو ضعيف نوعاً ما من الناحية الجسدية، لقد اصبح عاشقاً منقاداً و اسيراً لعالم آخر جديد هو عالم مونيكا المغري و الممتع و العنيف.

كسر الحواجز

في أي مناسبة تجد مونيكا الفرصة للنظر للكاميرا تقوم باستغلالها هذه النظرات كسر للحواجز ،شعور بالنشوة ، اغراؤنا لمتابعة ما سيحدث، محاولة للسيطرة علينا، نحن ايضا نقع في شباك مونيكا و سحرها دون ان نشعر بهذا المطب، هي تستمتع باغوائنا كي نكون ضحية، لذة السيطرة والتملك التي تمارسها هذه الفتاة اللعوب لا حدود لها، لديها رغبة للسيادة ليس على هاري فقط بل على المتفرج ايضاً، نقع نحن ايضا في الفخ دون شعور او حساب العواقب، تستطيع هذه الفتاة الامساك بنا، هي ساحرة فعلاً نصبح تحت تأثير هذا السحر الانثوي و لا نبالي بالعواقب، تسيطر علينا و على الكاميرا التي تظل تتابع كل حركاتها، تصبح مونيكا سيدة الكاميرا و المشهد و سيدتنا ايضاً.

لهذا الفيلم طعم خاص، شخصياً شاهدته كثيراً، بيرجمان ايضاً في احدى حواراته يعترف بالادمان على مشاهدته كل عدة شهور يعتبره قلب اعماله الفنية، هو من اهم مفاتيح سينما بيرجمان، تم استقباله جماهيرياً بفرنسا مثلاً كفيلم غير عادي، كان المبشر بسينما جديدة، بواقع جديد، كان له تاثير غير عادي، كان مبشراً و مصدر إلهام لسينما الموجة الجديدة بفرنسا، اصبح اشبه بخارطة طريق نحو سينما شعرية ساحرة، لا تكمن اهمية الفيلم في القصة، نحن امام اسلوب سينمائي شعري، كل لقطة هي توغل في عالم ميتافيزيقي اسطوري، تشكيلي، روحي و فني .

عندما باشرت لكتابة هذا المقال كان بودي التحليق بعدد من افلام بيرجمان ، لكني اصبحت عاجزاً عن التحرر من سيطرة عالم مونيكا ، لهذا الفيلم تأثير خاص و تربطني به امور شخصية خاصة لا استطيع الافصاح عنها، كلما اشاهده اكتشف اشياء عديدة هي ايضاً خاصة جداً، لكن اعتقد انه من اهم المفاتيح لاِكتشاف سينما بيرجمان، يمكننا القول ان مشاهدته فرض واجب على اي سينمائي بغض النظر عن الاسلوب واقعياً او سريالياً تجريبياً، يمكننا الاحساس بكل لقطة بغض النظر عن لغة الحوار، بيرجمان يقدم لنا وجبة شهية و دسمة، بيرجمان يقدم لنا هنا السينما كفن و سحر بكل ما تمتاز به من شعر وسحر، الفيلم هنا فضاء لاِكتشاف الذات، للوقوع كضحية للسحر، هذا والفيلم نحت لأسطورة بداية الكون، ربما نستمتع بقراءة النصوص الدينية التي تتحدث عن بداية الكون، اغلب النصوص الدينية هي محفزة للخيال، هي خيال طفولي ساذج لكنه ممتع و مرح، الاساطير و الاديان بالنسبة لبيرجمان مناسبة لاكتشاف الطفولة الانسانية بكل روعتها و طهارتها وصفائها، بيرجمان لا يعترف بإِله و يدعي بأنه إِله نفسه، يمكن للقارئ الكريم ان يقذف بهذه الافكار في حال ايمانه بأي دين سماوي، لكنه سيجد متعة خاصة في مشاهدة بيرجمان، كذلك الملحد و العلماني، بيرجمان يعترف بالروح، بالانسان، بالمرأة ككائن غير عادي، القضايا الاخرى يمكننا الاتفاق او الاختلاف معه، ما يمتاز به بيرجمان الابتعاد عن الخطابة المباشرة الساذجة، نحن لسنا امام داعية او مصلح اجتماعي، نحن لسنا امام فيلسوف او طبيب نفسي، نحن لسنا امام فنان تشكيلي او شاعر رومانسي حالم، نحن امام فن ساحر يختلف عن هذه الاوصاف، انه فن جديد يمكن اكتشافه و التمتع بتأثيره الساحر في حال مشاهدة افلام بيرجمان و غيره من عباقرة الفن السابع، لكن بيرجمان يظل رقماً مهماً وفيلم “ مونيكا” جزء من عالم بيرجمان بكل غرابته و شعريته فائقة الروعة.

الفرار من الواقع

عودة للفيلم مونيكا تحاول التخلص و الفرار من الواقع، هاري هو الآخر ليس لديه الكثير للتمسك به، يعيش في وحدة و عزلة، ابوه شخص مريض على مشارف الموت، سيده بالعمل او زملاوُه لا تربطه بهم اي علاقة، هو مستعد لترك الواقع ايضا، يصبح اسيراً لحلم مغري، في احد المشاهد بالمعمل يدفع منتجاً زجاجياً كي يقع و ينزلق، هذا الشيء هو هاري نفسه مستعد للمغامرة وتحمل النتائج، يُطرد هاري من عمله بسبب إِيغاله بالحلم في نفس الوقت تقرر مونيكا ترك منزلها بسبب عنف الأب، في احد المشاهد نرى هاري و مونيكا بمنزل هاري، تشتعل اللذة، تحاول مونيكا اعطاء هاري قُبلة بل اكثر من ذلك، يدخل الأب، دخول الاب يفشل هذه الخطوة، دخول الاب بمثابة عائق وحاجز امام اللذة، اذن الوسيلة الوحيدة هي التحرر من سلطة الاب والاسرة والبيت والمجتمع، الحل الوحيد ترك هذا العالم المزعج و الضيق لعالم رحب لا يعترف بالحدود

مونيكا تطلب من هاري الابتعاد و الفرار لعالم الحلم، ينصاع هاري تحت تاثير الحب، على قارب بسيط ينطلق الحلم لفضاء رحب، جزيرة و طبيعة ساحرة، جنة عدن بكل مغرياتها، بروعتها، هاهي الطيور تحلق حرة، مونيكا ايضا تسبح عاريةً، يظل هاري غير مصدق يظل مسحوراً مثلنا وحدها مونيكا من يقودنا، هي حواء بكل اغرائها و سحرها و روعتها، هي وحدها من يستطيع خلق الحياة و الحلم.

في الجزيرة المشهد الاول تستيقظ مونيكا مبكراً تسرع بمغادرة القارب، تقوم باعداد القهوة، تذهب لقضاء حاجتها، هنا تمارس  هذه الفتاة اشبه بلعبة التخفي، بينها و بين الكاميرا، بوسع الطبيعة ان تخفي بشاعتنا، بصورة اخرى نحن من يستخدم الطبيعة لاِخفاء بشاعتنا، اي كائن حي خاصة الانسان، عليه التخلص من فضلاته و هذا عنصر بيولوجي كوننا مخلوقات ناقصة بحاجة للاكل ثم التبرز و التبول، هذا عنصر نقص و هو صفة حيوانية، لكن مونيكا تنجح باستغلال عناصر الطبيعة لتغطية هذا النقص، الحشائش تستر عورة مونيكا خلال ممارسة فعل بيولوجي مقرف، لا نعتقد ان المشاهد سوف يستمتع برؤية مونيكا تتبرز او تتبول، حدث مزعج قد يمسح الصورة الساحرة لمونيكا، هذه الفتاة تستمر باغرائنا و لا تريدنا ان نتقزز من طبيعتها كانثى عادية تتبرز و تتبول، عندما تخلع ملابسها و تذهب للسباحة تصاب الكاميرا بالدهشة، تظل الكاميرا تحت سيطرة مونيكا توجهها كما تشاء، نحن و المخرج و الطبيعة جميعا تحت سيطرة هذه الفتاة، هاري ايضا مثلنا لا حول له و لا قوة.

جنة عدن

في جنة عدن كان آدم و حواء في نعيم خالد، يأتي الثعبان ليوسوس و يثير خيال حواء بخلد لا نهاية له، آدم لم يحسب حساب لحظة تطور خيال حواء، لم ينتظر مفاجاة ما، ظل يستمتع بحواء كجسد، اي ان سلوكه كان اشبه بالاستهلاكي، هذا هو خطأ آدم الحقيقي، لم ينظر لحواء كشريك، لم يعطها فرصة لرسم المستقبل، هي رفضت ان تظل جزءاًمن النعيم، يأتي صديق مونيكا لحرق القارب،وسيلة الوصول لجنة الخلد، يتعارك هاري مع الشيطان، بطريقة غير مباشرة تدافع مونيكا عن صديقها القديم و تمنع هاري من قتله، هي تريد  الاحتفاظ بهذا الغموض، هي لا تثق بهذا الرجل و هذا النعيم، هذا الثعبان يفتح افاقاً اخرى للحلم و الحرية، حواء لا تحتمل سذاجة آدم و واقعيته هي لم تاتي من الواقع او من اجل اقرار الواقع هي جاءت من الرفض، عندما يصبح هاري واقعيا و عمليا تبكي مونيكا، ياتي القدر لتقييدها بمولود ببطنها، هو نتاج علاقة غير شرعية، لكنه يصبح واقعاً للعودة للواقع، خلال علاقة حواء بآدم لم يكن هناك نظام اجتماعي يحدد العلاقة الجنسية، ظهور الثعبان و حلم حواء بالخلود، ممارستها الاغراء للأكل من شجرة الخلد كان سبباً لظهور العورة، اي حقيقة الانسان كمخلوق ناقص، مخلوق معرض للاختبار و ليس حراً، منذ خلق الانسان كان مثار جدل بين الاله و المخلوقات الاخرى كالملائكة و الشيطان، كانت هناك قوى عظماء خفية هي من يتحكم بمصير الانسان، حواء لم ترتكب طيئة هي كشفت هذه الحقيقة، هي حاولت الهروب لعالم الخلود، هي حاولت بخيالها انقاذ ادم من وهم زائف، كان لديها رؤية ولم تكن مجرد جزء من أدم، كان لديها حلم للتحرر من اي قيد، آدم لم يكن قادراً لتحقيق هذا الحلم، ادم كان و مازال ضعيفا و قاصراً، هو عاجز ايضا عن فهم حواء، هو يقيس الأمور بمنطق مادي هو أسير للواقع و الافكار الاجتماعية و الدينية، هو عاجز عن التحرر المطلق، خياله قاصر و واقعي و محدود.

عندما اعلنت مونيكا حملها نظر هاري للجنين كامتداد له، افصح بحلمه للحصول على المزيد من الاطفال، استعداده لتلبية احتياجاتهم البيلوجية لكنه لم يفكر بشريكة عمرهِ و الاحتياجات النفسية و الروحية للابناء و البنات، هو في نفس الوقت عاجز عن توفير الغذاء لمونيكا التي ترفض الاستمرار بأكل الفطريات الغذاء الوحيد المتوفر بهذه الجزيرة، ظل هاري يبذل وقتاً لاقناع مونيكا بهذا الغذاء و لم يتحرك لفعل نوع من التنوع، كانت الجزيرة فضاء مقدساً و عالماً ميتافيزيقياً، تحولت إلى مجرد مكان واقعي محدود تسعى الشخصيات لتجاوزة، بل تحولت لسجن و جحيم يجب الفرار منه، لا شيء مغر بهذا المكان الذي كان جنة النعيم يوماً

الواقع الأجتماعي

عندما حلت المصيبة بجنة عدن لم يكن لدى ادم اي فكرة للمستقبل، تغامر مونيكا من اجل الحصول على قطعة لحم، يتم الامساك بها و استدعاء البوليس، تستطيع الفرار من هذا المأزق، هاري يظل بعيداً، تصرخ في وجهه، نلمس و نحس بان هذه الصداقة و الحب سوف تنتهي، يعود هاري و مونيكا للمدينة، يتم توثيق علاقتهم قانونياً، تضع مونيكا مولودها هي طفلة صغيرة لا نتمكن من رؤيتها، لا يظهر اي اهتمام من مونيكا بطفلتها، نحس بان هذه الطفلة مصدر شؤم، تحاول مونيكا التخلص من صفة الامومة تود العودة لحياة المراهقة، تعود علاقتها بصديقها القديم، هذا السلوك محاولة للهروب من الواقع و النظام الاجتماعي، لا تريد ان تكون زوجة او اماً، تريد ان تظل حرة، يمكنها ان تكون صديقة او عشيقة، هي ترفض اي قيد اجتماعي، يعلم هاري بخيانتها يصاب بشبه إِغماء، عندما يواجهها بالحقيقة و يحاول ضربها، تصرخ، يصبح هاري صورة مكررة للاب و سلطته، تغادر مونيكا بيت الزوجية، ترفس الباب بوجهنا و وجه الكاميرا و المخرج، تتحدانا جميعا، تنتصر لحريتها و لذتها و مجونها، في أخر الفيلم نراها تبحث عن نار لاشعال سيجارتها، يفلح صديقها في اشعال السيجارة من المحاولة الاولى، لكن هذا لا يمنع انه قد يفشل يوما ما في اشعال لذة مونيكا كفتاة متحررة، لا يعني انها تحت سيطرته، هي لا تعترف بأي قواعد او قانون.

هناك اسئلة عديدة قد تدور في ذهن المتفرج منها مثلاً، هل رفض مونيكا للامومة كونها جاءت مبكرة ام باعتبارها قيداً اجتماعياً؟ ام بسبب ظروف زوجها المادية فهي لا تريد العودة للماضي بصورته الجديدة؟ ام ان لهذا الفعل مغزى فلسفي و اسطوري؟. يمكننا القول بان هذا الفيلم يندرج في اطار الواقعية الجديدة او تصنيفه ضمنها، لكن بيرجمان يذهب ابعد من مجرد كشف او تصوير للواقع كونه ينحاز للاجواء الاسطورية و الخيال، ليعيد برؤيته الخاصة صياغة الاساطير و اثارة الجدل حولها، هو يخلق العالم الميتافيزيقي بصورة قد تخالف و تتعارض احياناً مع النصوص الدينية، تصوير العالم  غير المرئي ليس الهدف منه رسم صورة محدودة بل هي مثيرة للخيال كون المخرج يترك اجزاء غامضة يكتفي بتقديم اشارات و ليس سرداً قصصياً متكاملاً.

اللغة والخيال

في الجزيرة نحن في جنة عدن بكل روعتها و سحرها، لكن مونيكا تسيطر على الكاميرا لا تدعها تقدم عرضاً متكاملاً لهذا الفضاء الميتافيزيقي، تمارس الاغراء و تستأثر لنفسها بأغلب الكادرات، تصبح هي بطلة المكان، ترفع صوتها بالغناء و كأنها لا تكتفي بالسيطرة الصورية بل تحاول الهيمنة الصوتية ايضاً.

طيلة الاقامة بالجزيرة نشاهد مونيكا بملابس داخلية بسيطة و مثيرة، في احد المشاهد تنزع هذه الملابس، لا تركض نحو البحر للسباحة بل تتجه لبركة ماء لأخذ حمامها، التعري هنا هو دلالة للاندماج مع هذا العالم، العناصر الطبيعية هي جزء من هذا الجسد و يخدم مونيكا للمارسة مزيداً من الاغراء تستغل كل فرصة لعرض مفاتن الجسد دون الهبوط بالمباشرة، تظل حركاتها عفوية و معبرة و جذابة.

في الجزيرة نرى  في احدى اللقطات احد الطيور يقترب من مونيكا و كانه يقول لها شيئاً ما، نحس انها تمتلك اللغة للتواصل مع هذا العالم، هي قادرة على امتلاكه، هي من يعطيه القداسة،هاري يظل بملابسه العادية طيلة هذه الاقامة لم يتخلص من الواقع القديم، فكرة العودة هو من يطرحها و يصر عليها بسبب الجنيين الجديد، يظهر عاجزاً عن تلبية ملذات مونيكا و لم يفعل شيئاً للبحث عن غذاء جديد، ينسى ان حبيبته فتاة حالمه، يدور جدل بينهم يتحدث عن رغبته في اكمال الدراسة و البحث عن عمل و تكوين اسرة، هي تريد ان تعيش المتعة و اللذة غير المحدودة، هي تريد ان تظل في الجزيرة،لكن نعيم هذه الجنة محدود، هذا النعيم ناقص.

هنا بيرجمان يثير جدلاً حول جنة الخلد، فهل هي فعلاً جنة الخلد؟الوصول لهذه الجزيرة كان عبر قارب، ظل هذا القارب راسياً على الشاطئ و ظل اغلب أكل و شرب الشخصيات من عالم الواقع، فهل هنا يعتمد المخرج على رؤية كتلك التي نجدها عند الفراعنة عندما يدفنون موتاهم مع حاجاتهم الدنيوية للاستفادة منها في الحياة الاخرى؟ هل النعيم الابدي روحي ام مادي بحت كالاكل و الشرب و الجنس؟ هل الجنة مكان امن ام من الممكن ان يتسلل الشيطان اليها؟

بيرجمان لا يقيد نفسه برؤية دينية محددة، الدين بكل نصوصه بالنسبة لهذا الفنان مساحة للخيال و الفنتازيا، يستمتع بيرجمان بعرض هذا الخيال و الاضافة اليه و عرض هذه المواضيع بعدة اساليب بلغة سينمائية بليغة هو يخلط بين الواقع و الخيال، بين الديني و الدنيوي ،بين العالم المرئي و اللامرئي بطريقة مدهشة و شعرية ساحرة.

هناك ايضاً قضية خطيرة يثيرها بيرجمان بطريقة ذكية و غير مباشرة، مونيكا قبل الارتباط او لنقل اغراء هاري للارتباط بها عاطفياً و جنسياً، قبل هذا كانت على ارتباط بصديق، يعود للظهور بغموضه و يمكننا ان نفهم انه ميتافور اي استعارة للشيطان، هل كانت حواء موجودة قبل ادم هل كانت على علاقة جنسية مع الشيطان؟ هل الصراع بين آدم و الشيطان هو من اجل الفوز بحواء؟ هل نجح الشيطان باستمالة حواء؟

قضية اخرى اكثر خطورة، عندما تبشر مونيكا حبيبها هاري بانها حامل يصاب بالدهشة و كانه غير مصدق بحدوث هذا، ام لديه شك بشيء آخر؟ تسلل الصديق الشيطاني لمونيكا الى الجزيرة وحاول احراق القارب، خلال المعركة تمنع مونيكا هاري من القضاء على هذا الشيطان، هناك سوال كبير، هل الطفلة نتاج علاقة بين مونيكا و هاري ام ان الآخر ايضا اشترك في تكوين هذه الطفلة؟ اي هل نحن البشر ابناء آدم و حواء ام اننا ايضا ابناء للشيطان؟. نظرة مونيكا للكاميرا في نهاية الفيلم يمكننا فهمه انها لا يوجد ما تخجل منه، انها انتصرت و انحازت للذة و الحرية، الى اخر لحظة تظل مسيطرة باغرائها على الكاميرا.

هاري نجده ايضا يعود لنقطة البداية في نفس المقهى الذي تم فيه التعارف، نراه يحمل طفلته الصغيرة بعد ان فقد كل شيء، يتوقف امام المرآة، عبر هذه المرآة نرى ذكريات الجنة البائدة، مونيكا تظل حلماً و طيفاً من الخيال لا يمكن الاستحواذ عليه او حبسه، هل ادرك الرجل حقيقة

و قيمة المرأة؟ ضياع الجنة و مونيكا هل كان قدراً ام خطا هذا الرجل؟

قد تكون هذه الاسئلة الشائكة مثيرة للفزع لدى البعض خصوصاً اصحاب الاعتقاد الديني و الايمان و هذا ما يسعى له بيرجمان إِحداث هزة نفسية في دواخل المتفرج، هو بهذا الخلط و التشكيك في المقدس بل تدنيسه و نزع القدسية منه احيانا، يتهكم بسخرية كي يثير خيال و فكر المتفرج للاتفاق  او الاختلاف معه.

الفيلم بالنسبة لبيرجمان مساحة و فضاء شعري خيالي، بيرجمان لا يقدم حكاية او يركض وراء الواقع السطحي الهش و الزائف،هو يغوص في كل العوالم الاسطورية و الميتافيزيقية ليقدم عالم بيرجمان الفريد و المثير .

............

من كتاب ورشة سينما – خاص

وس اص 24 6-9-2009