مخطط فيلم صرخات وهمسات بقلم برجمانفيلم “صرخات و همسات “: قصيدة سينمائية
حميد عقبي
عبقرية بيرجمان كسينمائي شاعر تكمن في قوة الصورة و جمالها
يداعب بيرجمان احلام الشخصيات و يقودها الى الذكريات
الطفوله بمثابة الفردوس المفقود بالنسبة لبيرجمان و شخصياته
قصر واسع و فخم تغلب عليه ديكورات و ستائر و فرش بلون احمر في ممرات و غرف هذا القصر تتحرك اربع شخصيات نسائية بلباس ابيض , يدور من حين الى اخر همس بين هذه الشخصيات , و نسمع احيانا صرخات ممزوجة بالالم و المعاناة , تمتزج الهمسات الداخلية لكل شخصية مع صرخات قوية مقلقة و مفزعة .
ملخص قصة الفيلم سهله و باختصار الفيلم يحكي قصة سيدة( أنيس ) مصابة بالسرطان تقضي ايامها الاخيرة في فراشها ترافقها اختيها( كارين و ماري) و خادمتها(آن).
الفيلم يتكون من عدة مشاهد و ينتهي كل مشهد باللون الاحمر لينقلنا الى مشهد اخر يلعب فيه اللون الاحمر الزاهي دورا اساسيا فيخترق الشخصيات من الداخل ليظهر لنا بيرجمان ما بالداخل هو هذا الاحمر الذي يقلقنا نحن ايضا كمشاهدين
يؤكد المخرج العالمي انجمار بيرجمان انه صنع جميع أفلامه و كان اشتغاله و تفكيره و خياله في اللون الاسود و الابيض لكن تجربته في هذا الفيلم تختلف تماما , في فيلم صرخات و همسات كان الاشتغال على اللون الأحمر هو تعمق داخلي في الروح , فهذا الروح مثل تنيين هو مخلوق اخر نصفه طائر و النصف الاخر حوت لكن كل ما بداخل هذا الكائن لون احمر .
قصيدة الكائن البشري
يسود المكان الصمت و يسيطر اللون الاحمر على كل شي الارضية و الستائر و الاثاث و تظهر بعض التحف و الاكسسوارات و ساعات تتحرك عقاربها في بداية الفيلم و تصدر صوت و دقاتها مفزعة و مقلقه .السيده ( أنيس ) انسانه معذبه تعاني من السرطان تسير ببطئ نحو الموت لكن هذه الرحلة شاقة و قاسية و مؤلمه , تصرخ من الالم فتهرع اليها اختيها و خادمتها الحنونه التي تعتني بها و تعمل على التخفيف من الم سيدتها و معاناتها . انيس هذه الانسانة التي تموت لا تتحمل قسوة الموت تحاول الاختفاء في سريرها تذرف دموعها في صمت رهيب فينساب الدمع على خدودها و كثيرا ما تصرخ و تنادي من حولها خذوني ..تذكروني .. ساعدوني ابقوا معي ... لماذا لا يوجد شخص يمد يد المساعدة ..انقذوني .تسرع خادمتها آن للتخفيف من الم سيدتها و تحتضنها بحنان وحدها الخادمة من يعمل على التفكير و الاحساس بهذا الجسد الذي ينهشه المرض و يحاول ان يدمره الموت.هذه الخادمة تعطي سيدتها الحنان التي هي بحاجة اليه في رحلتها القاسية نحو الموت.تعيش السيدة المريضة في وحدتها , الوحدة قاسية و مؤلمة و مخيفة احياتا .يقول بيرجمان في كتابة الصورة ( اعتقد ان هذا الفيلم بتكوينه هذا هو عبارة عن قصيدة ..كائن انساني يموت ولكن كأنه في كابوس هو بحاجة الى الحنان مهما يكون الاخرون المحيطين به و مهما تكون افعالهم و تفكيرهم فهم على علاقة بهذا الميت ..ليس ميت بعد لكنه ميت ايضا و هم على علاقة بالموت ايضا )
عمل بيرجمان في هذا الفيلم على اشياء متعددة ( وجوه – حركات الجسد – الصوت الانساني – الصراخ – الظل – الضوء – الغير مرئي – الاحلام و الكوابيس ) يداعب بيرجمان احلام هذه الشخصيات و يقودهم الى الذكريات فيظهر و لعهم و حنينهم الى الماضي و الطفوله التي هي بمثابة الفردوس المفقود بالنسبة لبيرجمان و شخصياته ايضا .يظهر بيرجمان عبقريته كسينمائي شاعر من خلال قوة الصورة و جمالها فكل كادر له تكوينه الخاص و تم تركيب كل لقطه بما تحويه من شخوص تتحرك –
ديكورات – اكسسوارات – اثاث و خلفيات تم ترتيب كل شي لتخلق حلم .
الدراما الشعرية
دراما شعرية مقلقة بطولتها اربع شخصيات نسائية يمكننا ان نتعرف عليهم بشكل سريع و مختصر , انيس صاحبة القصر تعيش فيه منذ موت طفولتها تركت مسار حياتها يسير بشكل عادي دون الانتباه او الاسف بالشباب و الحياة تقوم احيانا بالرسم او العزف على البيانو و تدون في مذكراتها الخاصة الكثير من الذكريات لم يدخل في حياتها رجل و لم تعرف الحب تمضي ايمها الاخيرة في سريرها بسبب مرضها اصبح انسانة تحتضر وجه انساني يموت بل كائن ميت يبحث عن السلامة و الامان .
كارين الاخت الكبرى متزوجة من دبلوماسي تعيش هي الاخرى في وحدتها و لا يوجد تقارب روحي و عاطفي بينها و بين زوجها او الشخصيات التي حولها . انسانه جامده , قاسية , تحاول اخفاء حزنها و الفراغ الروحي الداخلي , تخاف من الموت فعندما تناديها اختها انيس التي لم تجد الراحه بعد موتها و تبحث عن الرحمة و السلامه فلا تجدها و تغلق ابواب السماوات امام روحها فتعود لتطلب مساعدة الاحياء .كارين ترفض الاقتراب من الموت و تصرخ "انت ميته انا مازالت حية لا تقتربي مني" .
بيرجمان في الكثير من افلامه يطرح موضوع الخلل العائلي و العلاقات المعقدة بين الزوجين و نرى في هذا الفيلم كارين مع زوجها على المائدة الزوج ياكل بهدوء يبدو ايضا جامدا و عبوسا و تنظر كارين الى زوجها و هي تمسك بكاس النبيذ الذي يسقط من يدها فيتحطم و نظر الى هذا الزجاج المسكور و اخذ قطعه منه بعد ان تتامله و كانها تقول نعم انا هذا الحطام الذي اصبح لا يساوي شي .في المشهد التالي نراها في غرفتها مع الخادمة ان التي تساعدها على خلع ملابسها تخلع ملابسها قطعة قطعة ترفض نظرات الخادمة و تصرخ فيها بقسوة "لا تنظري الي هكذا ..اكره النظرات" .
شخصيات تبحث عن وجودها
مشاهدتنا لجسدها العاري لمدة ثواني لا يثيرنا جنسيا و كان بيرجمان يعري هذه الشخصية من الداخل و الخارج ليتسنى لنا اكتشافها بل ليسنى للشخصية اكتشاف ذاتها .تخرج الخادمة و تظل السيدة وحيدة تاخذ قطعة الزجاج و تقزم بجرح عضوها التناسلي نشاهدها و كانها تحس بلذه و رغبة للجنس . تدخل على زوجها الذي يكون منهمكا و مشغولا بقراء جريدته ينظر اليها نظره جامده ..تستلقي كارين على السرير , تضع يديها على عضوها التناسلي المجروح , ترفع يدها لتطلخ وجهها بالدم ..تنظر الى زوجها نظرات ساخرة ..تضحك بشكل هستيري اشبه بصراخ روح خاوية مدمرة من الداخل .
*مارين الاخت الصغرى متزوجه من رجل اعمال , امراه جميلة , تحاول الاستمتاع بجمالها الانثوي و تتورع عن خوض مغامرة جنسية مع طبيب العائلة . تظهر ماري الكثير من العطف على اختها المريضة و تعيش هي الاخرى في فراغ داخلي و روحي تخاف من الموت و تهرب منه عندما تتعلق بها اختها انيس.
القصة هنا ليست قصة هذه العائلة السويديه و لا قصة هذه المراه المريضة التي تحتضر و تصارع الموت .مشاهدتنا لهذه القصيدة السينمائية تبعثنا الى ان نفكر بحقيقة الحياة و الوجود لكل كائن إنساني .* الشخصية الرابعة هي آن خادمة الاسرة رافقت سيدتها انيس منذ اثنى عشر عاما هذه الانسانة الخادمة فقدت طفلتها التي خطفها الموت فاصبحت تشعر بالوحده و تتذكر طفلتها و تصلي من اجلها .هذه الخادمة هي اقرب الناس الى سيدتها المريضة و تحاول ان عطيها كل الحنان حنان الام و كلما اشتد الالم على سيدتها تسرع باحتضانها , تحتضنها فترى فيها الطفلة و تشعر السيدة بحنان ام تفتقد لحنانها منذ كانت طفله .هذه العلاقة بين جسدين جسد مريض منهك ميت و جسد حنون مفعم بالحيوية و الحنان .هذه الخادمه و رغم ما فعله بطفلتها و ما يفعله بسيدتها رغم كل هذا فانها تهرع كل صباح الى الصلاة لتشكر الله على نعمه و محبته و هكذا يسعى بيرجمان بصورة شعرية ليحاول اكتشاف قوة الايمان فهذه الخادمة الفقيرة المحرومة البائسة تفرغ جزء من وقتها للصلاة و تمجيد الله و طلب رضاه .بيرجمان في هذا الفيلم و افلام اخرى يقف مذهولا امام قوة الايمان و يحاول ان يفهم ما معنى الايمان و خاصة ايمان هولاء الضعفاء و المساكين و الفقراء ؟بيرجمان في هذا الفيلم الشعري يطرح الكثير من القضايا الانسانية و يكثف من الرموز و الدلالات و يسخدم الاستعارات ليتوغل الىا عالم ميتاقيزيقي غير مرئي فالغير مرئي في فيلم بيرجمان اكثر من المرئي الذي يظهر على الشاشة .يتعامل بيرجمان و يشتغل على الوجه و الجسد الانساني كشاعر اكثر منه سينمائيا في هذا الفيلم نجده يحاصر الشخصيات و يحاول دائما الاغلاق عليهم بكاميرته و يضعط عليهم و يقترب منهم محاولا التوغل في الروح الانسانية عبر الوجه الذي يعتبره المفتاح الحقيقي للروح.يجعل الشخصيات تنظر الينا و هذه النظرات ليست نظرات إلى الكاميرا هي نظرات ترتد على المشاهد لتجعله جزء من الفيلم و ليس مجرد مشاهد خارجي .
.......................................................
* مخرج سينمائي يمني مقيم بفرنسا
من اسرة كتاب ورشة سينما -خاص
و. س : ا ص 5 28-8-2009
Cinema Workshop
ورشة سينما
