سلسلة محاضرات ورشة سينما

محاضرة
السينما فن صور الحركة أم فن الصور المتحركة ؟
السينما هي امتداد للتصوير الفوتوغرافي مرتبطة بالواقع وبتسجيل صوره الحية
السينما تتراوح بين أهم حرفيات الفلم وتفاصيله وبين تأطير الفكرة لنشر المعرفة والمعلومات
عصام الياسري
ان أهم ما يجسد فنياً كوسيط للتعبير والتوظيف بشكل متآلف، غير لغة الكلام كأداة للتفاهم والتقارب والحوار، هي لغة أخرى خارجة عن التعريف والوصف. لغة الحركة التي تنقلها الصورة إلى فضاء المحيط بروعة بالغة الخيال. وما دامت الحركة تشكل البعد الرومانسي الثالث في مجال الإبداع الفني فهي تشكل أيضا الإيقاع المنتظم الذي يثري ويعمق حرفيات السينما المتعددة الجوانب.
وعلى مدى تطورها فأن "السينما" لم يتوقف اكتشاف جزئياتها وفك عقدها المتميزة، كما ولم تستكمل لوازم تطورها على الرغم من النجاح الكبير الذي أحرزته في جميع الميادين ولا سيما في الميدان التقني والإنتاجي، فقد يتطور الفن وتتطور الصناعة، كما تتطور الآلات والأجهزة، لكن سحر السينما وجاذبيتها سيبقى وسيلة ممتعة بهدف الوصول إلى المعرفة التي لا تنتهي عند كيفية الحركة أو حدود تركيبات الكاميرا وإنما تجاوزت أطراف البعد البؤري لها.
بواسطة الكاميرا تستطيع رؤية الأشياء من جميع زواياها بشكل يثير الشجن كما يحرك الذاكرة الفكرية للتجوال في عالم تتناثر فيه الألوان بكل حللها البهية فتتصارع الأشكال في سمو أخاذ يبعث البهجة وحسن الاختيار والترتيب.
وللحركة أو ما يسمى بـ " فن صور الحركة" أهمية كبيرة تجاوزت في هذا المضمار المستوى التقليدي بسبب التطور الفني والتقني الهائل الذي حدث في مجالات هذه الفنون الهامة. وتبقى هي أي" الحركة" في حد ذاتها جزءاً هاماً من فن رائع يشكل في جماليته وخصائصه التعبيرية مفهوماً دلالياً ينسجم في أبسط أشكاله ومعالمه مع إطار فن الصور المتحركة "الفيلم" أو ما نعرفه اليوم بالوسيط، أي الإبداع السينمائي الذي يرفض الحواجز ويتفاعل مع المؤثرات الخاصة التي تبتكر فنياً بواسطة آلة التصوير وأساليب الحركة وكأنها في شكلها الحقيقي. مع السينما يتم إعادة إنتاج الحركة في الكون ، ومع تطور السينما يتم اكتشاف، ليس، فقط عالم الحركة بشكلها الظاهري والخفي، كما يمكن اكتشاف المبدأ الفني العام الذي يخلق استمرارية هذا العالم وحضوره الدرامي والتسجيلي ، إنما أيضاً تستعين بها فنيا، صياغة وسرداً، في عملية إنتاج صورتها حيث يصبح مبدأ التكوين نفسه حركيا. ولكن عندما تتاح لنا فرصة اكتشاف أشكال الحركة في الصورة المنتجة كخلية فنية في أرقى سماتها، سنضع أيدينا على مفتاح الإبداع الجمالي في السينما.
السينما والأرتباط بالواقع
أن تفسير مفهوم الحركة، من الناحية العلمية والفنية يبين كيف أن السينما باعتبارها امتداد للتصوير الفوتوغرافي ارتبطت بالواقع وبتسجيل صوره الحية أما مباشرة "المنهج التسجيلي" أو وفقا لموديل فني" المنهج الروائي" عبر تنظيم حركة الواقع المرئي أو إعادة بنائه، وكيف أننا نتعرف في السينما المعاصرة على تنويعات وتداخلات فنية وعديدة لهذين المنهجين اللذين يتشابهان، حيث أن كلا منهما هو نتاج رؤية فنية وذاتية للفنان.
إن السينما من أساسها كانت آلة لإعادة "الحياة الحقيقية عن طريق الحركة" كما أكد الاخوة لوميير في براءة اختراعهما عام 1895. وقد استطاعت الحركة أن تصنع شكلها الخاص، ونحن إذ نبحث في المبدأ الفني والجمالي الموحد للغة التعبير السينمائية، أي لفهم العلاقة المنتجة بين مكونات المونتاج ومكونات الصورة: سنكتشف التنظيم السردي للصور في الزمن والتعبير الدلالي في تشكيلية الصورة، أو بإمكاننا أن نكتشف الإيحاءات، القانونية الداخلية، لهذه العلاقة والتي هي قائمة أصلا على الحركة وأشكال الحركة وتنويعاتها وتناسقها البصري السردي، الذي يجعل من الحركة نفسها عبقرية السينما ومبدأها في هندسة وتنظيم الصياغة السردية الفنية التي تتوالى بسرعة مذهلة وبلا هوادة على تطور السينما في كل اتجاهاتها.
يتناول الفنان السينمائي قيس الزبيدي في دراسة مستفيضة، هذه المواضيع الهامة ضمن سلسلة من الجهود المبذولة قائلاً " أن مضمون تكامل الأشكال التي طرأت على تطور ووصف أوضاع صناعة السينما يعود في النهاية إلى إمكانية اكتشاف المبدأ الفني الذي بحث عنه ايزنشتاين ليس في أعماله السينمائية، إنما في كل جهوده النظرية والعملية وسماه ،المبدأ، الذي يحدد ماهية اللقطات " انتهى. بمعنى أنها تخضع لأساليب متحررة من القيود تدرج تحت تسمية عامة هي" المؤثرات البصرية" باستخدام الحواجز ذات البعد البؤري المتغير.وللحركة بأسلوبيها البطيء والسريع تأثير كبير يأخذ شكلاً معيناً من المساحة التي تشكل وحدات الصور الفنية كما تحدد، في ذات الوقت، الماهية التي يتضمنها تتابع هذه "الحركات" ومنتجة اللقطات. وقد أكد فالتر داويك الباحث الألماني الأكاديمي بعد سنين طويلة على أهمية مثل هذه العلاقة بين "مادة الصورة" وبين"التوليف" أي المونتاج التي هي مسالة الشكل والتي نتوصل عند حلها إلى مبادئ الشكل الملائمة. أما الألماني بيتر فوس فقد قام بدوره ومنذ سنوات بدراسة موسعة لتاريخ نظرية السينما وتجاربها، عبر استخدام معارف بنيوية وسينمائية حديثة، وأعلن أيضا بان الجهود الجمالية حتى يومنا هذا، لم تصل بعد إلى أيجاد علاقة بنائية حقه بين القطبين الأساسيين في السينما إلا وهما،الصورة والمونتاج، أو حسب رأي الفرنسي أندريه بازان "قطب المخرجين الذين آمنوا بالصورة وقطب المخرجين الذين آمنوا بالواقع".
الفيلم والمونتاج
إن علاقة السينما الجوهرية في إطار هامش التنسيق بين المونتير والمخرج والمنتج، علاقة منهجية مرتبطة بالواقع الاجتماعي المتباين الأشكال، كما يؤكد أيضاً أهميته هذا يوري لوتمان في دراسة من هذا النوع، يربط فيها الواقع الاجتماعي كرافد أساسي يساهم في آلية النشاط الفني في السينما. كما يوضح قانونيته المرجوة كأداة غير مقيدة تنمي الموهبة وتنشد الثقافة والترفيه بوسائل غير التفافية.
وتبقى المؤثرات الشفافة في فن صناعة السينما تتراوح بشكل متواز بين أهم حرفيات الفلم وتفاصيله كل في مجاله الإيقاعي، وبين تأطير الفكرة في نشر المعرفة والمعلومات بأحسن الوسائل التي تمتلئ بها السينما من حيل لا تستخدم فيها" الناسخة البصرية" إنما ما تؤديه الكاميرا وسر الحركة من وظائف بنيوية دقيقة تفوق ببراعتها أن تصدق كل ما تراه عيناك في السينما.
تشير الدلالة العميقة لعبارة أندريه بازان المأثورة عن انصراف الفلم السوفيتي (سابقاً) إلى المونتاج ودوره البنيوي، وقيام المدرسة الألمانية على تشكيلية الصورة " المدرسة التعبيرية " كأسلوب يسمح إلى أقصى حد في البحث عن عامل تأثير الوقت للاستفادة من ايلاء العناصر الأخرى العناية الملازمة. لكنه يوضح في ذات الوقت مفهوم الحركة عموما كون السينما فن الزمان في أشكال المكان، وكيف وأن الزمان والمكان يرتبطان بالحركة والمادة، ونحن نتعرف في الكون على المادة المتحركة فقط في المكان والزمان.
يقول الفنان قيس الزبيدي ـ أن تاريخ السينما في إطاره العام"الوسيط الفيلمي" أو"الحركة والإيقاع" طبيعة جماليته وتناسق فنونه المتعددة الأشكال والنماذج الحرفية والفنية، يشير إلى أهمية المونتاج ودوره في توظيف الحركة بشكل مناسب يثري أصالة وعمق في المحتوى والتناغم ـ انتهى. كما جاء في مقولة كاركوفسكي المضادة لمقولة ايزنشتاين عن المونتاج "حياكة الزمن هو المونتاج وحركة الزمن هي لغة الصور"..ويعد كاركوفسكي الإيقاع عنصر الشكل السائد في السينما ويتم التنويه هنا بارستاركو الإيطالي الذي فهم الإيقاع بوصفه نتاجاً لجمالية الحركة، التي تفتح أمامنا أفقا جديدا في النظر إلى، خصوصية اللغة السينمائية ومفاتيح السرد والصياغة بطريقة مفصلة وغنية نذكر بمضمونها.
السينما وفكرة الأستمرارية
أن فكرة عالم السينما الفني ضمن مساحته الشمولية يحكمه مبدأ التقطيع والتجزؤ، قائم بعكس الواقع الموضوعي على الاستمرارية. وان نظام اللقطة، كوحدة فنية وكخلية سينمائية، تقوم حتى في حال الاستغناء عن المونتاج بتفتيت وتجزئة وتقطيع الواقع وفق قانونية بصرية قائمة على القفزات، ويحكم هذه القانونية الملازمة مبدأ " اللا استمرارية" وترتكز طبيعة الوسيط السينمائي على هذا المبدأ.
إن استمرارية العالم الفني في السينما ينشأ من تجاوز" اللا استمرارية " عبر الحركة وأشكالها وطرقها التي تطورت. وقد سبق لجيومان دولاك أن انتبهت منذ زمن بعيد إلى أن" ما يتأتى علينا دراسته هو مفهوم الحركة في استمرارية البصرية القسرية والتقنية " الحركة طورت أشكالا خاصة بها واستطاعت هذه الأشكال أن تخلق الاستمرارية وتجعل منها المبدأ الذي يلف العناصر والأجزاء والتفاصيل ويعين الحلول التشكيلية والدلالية والمونتاجيه، وتقود كل عناصر العمل الفني ويربطها في خلية عضوية وفي وحدة متماسكة .
معرفة أشكال الحركة في مفهومها المطلق في الصورة السينمائية المنتجة تاريخيا، كما يقول الفنان قيس الزبيدي، هي نماذج أساسية للحركة، وهذا الاكتشاف هو توسع جديد في عدد أشكال الحركة المكتشفة حتى الآن وفي طبيعة جماليتها السردية غير المتناهية، والتي استطاع الفنان الزبيدي من خلال أبحاثه أن يترك أمامنا باب الحوار معه في" شيء من عالم الفنون" مفتوحا على مصراعيه، الأمر الذي يقتضي الغوص في بطون اكتشافاته ومراجعه للحصول على وصف دقيق يسلل الإضاءة اكثر على زوايا أبحاثه في مفردات"الحركة" أو غيرها من فنون السينما المشوقة والتي جاءت غنية لتؤكد على إمكانياته ومقدرته الفنية والإبداعية بطريقة واضحة مثيرة ومحددة في ذاتها كنقش الأطباق بالزهور.
*من اسرة كتاب ورشة سينما : برلين- خاص
عودة الى صفحة دراسات ومحاضرات
عودة الى الرئيسية
شارك /ي برأيك
Cinema Workshop
ورشة سينما
