Cinema Workshop ورشة سينما

سينما القارات

نسخة مصدقة نسخة مصدقة

فيلم "نسخة مصدقة" للمخرج عباس كياروستامي

 

شخصيات الصدفة تعيش حبا غريبا :  حوارات طويلة ويوم لايكاد ينتهي

 

"جوليت بينوش" تعيش سعادتها الخاصة ولحظتها الفريدة ثم تقطف جائزة "كان" بجدارة

 

طاهر علوان

في الحياة ، كما في السينما ثمة صورة حقيقية واخرى غير ذلك ، هنالك من يعتقد انه هو الصورة المتكاملة المبتغاة في مقابل صورة اخرى مزيفة او غبر متكاملة ، ربما هو احساس من جانب وواقع معاش من جانب آخر ومابينهما ثمة حياة متواصلة تلفظ في كل حين صورا حقيقية واخرى زائفة ، فضلا عن الأيهام الذي يرافق هذه الحياة ، تلك القصص المختلفة التي يتداولها الناس وبما في ذلك القصص المفبركة التي يتم انتاجها بناءا على قصص حقيقية ولكن لأن المستمع او متلقي القصة قد لايروق له مضمون تلك القصة او نهايتها لهذا يلجأ الى اعادة انتاج قصة اخرى للتخلص مما لايروقه ...

وفي الحياة ايضا واستنادا الى السؤال الذهبي (ماذا لو ؟؟؟) هنالك اندفاع انساني فطري يراود كل البشر تقريبا وخلاصته ماذا لو كنت كذا ...وماذا لو اصبحت كذا ...؟ بمعنى انه نزوع انساني للخروج من حال الى حال  اخر، وهي رغبة في التخلص والأستبدال ، هو نوع من تحرير الذات من قبضة الواقع او من الخبرات والتجارب التي يراد التخلص منها ...وهو في الوقت ذاته رغبة متأصلة في البحث عما هو افضل مما هو غير متاح ؟، فالحياة تعج بالتجارب والقصص الشخصية التي يعيشها البشر وقسم كبيرمنها يبعث على الأحباط ويدفع باتجاه حلمي وهو انتاج تجربة بديلة او خوض تجربة جديدة لأن الحياة بطبيعتها لايمكن ان تتوقف ونهرها الجاري يحمل المزيد والمزيد من القصص والتجارب والخبرات ..

من هذا المدخل ادخل الى فيلم (نسخة مصدقة) للمخرج الأيراني عباس كياروستامي الذي شارك توا في المسابقة الرسمية لمهرجان كان لتخرج ممثلته جوليت بينوش بجائزة التمثيل ، هذا الفيلم الذي تعددت حوله اراء وانطباعات من شاهدوه ، فهنالك  من خرج ساخطا وهنالك من خرج بحصيلة مفادها انه فيلم متميز آخر من افلام هذا المخرج ذائع الصيت .

وقبل ان نذهب الى تلك النتيجة الغريبة والتبسيطية التي يلجأ اليها البعض في خيارين : اما نسف الفيلم ببضعة سطور او تمجيده في بضعة سطور لسبب عملي وهو لغة الصحافة التي تتطلب (برقية) سريعة يجب ارسالها الى القارئ خلاصتها نصيحة ( وكأنها نصيحة من الطبيب المداوي) وهي حذار ان تذهب لمشاهدة هذا الفيلم او تشتريه على قرص دي في دي او لأنه فيلم تعيس ...

هذه المصادرة العجيبة تثير تساؤلا بسيطا مفاده : اذا كان الفيلم تعيسا الى هذه الدرجة فكيف ولماذا قبلت عدة دول : فرنسا وايطاليا وبلجيكا سيناريو الفيلم ووافقت على انتاجه وتمويله ؟ ثم يأتي السؤال الموازي وهو : كيف تم قبوله في مهرجان كان للمشاركة في المسابقة الرسمية وهل اعيت المهرجان الحيلة او الجرأة ليرفضه او يحيله الى عروض خارج المسابقة ؟؟؟

مختصر القصة

تقع احداث القصة في قرية  في مقاطعة ( توسكانيا) الأيطالية ، يبدأ المشهد الأول بظهور طاولة وعليها مابكروفونات وكتاب عنوانه (نسخة مصدقة) موضوع على الطاولة بشكل بارز لنجد انفسنا في محاضرة اوندوة يقيمها الكاتب مؤلف ذلك الكتاب(جيمس : الممثل وليم شيميل) الذي جاء بدعوة الى تلك المدينة الأيطالية للحديث عن كتابه ، تدخل صاحبة كاليري (ايلي :الممثلة جوليت بينوش) متأخرة الى مكان الندوة ويدخل بعدها ابنها ذو الخمسة عشر عاما ليدور بينهما حوار صامت بالأشارات ، تترك هي عنوانها وتلفونها لدى مدير الندوة لتدعو الكاتب الى زيارتها في الكاليري ، وتخرج تحت ضغط ابنها اللحوح الذي يريد ان يأكل ربما، يصل الكاتب يعد قليل الى الكاليري الذي هو اشبه بقبو، شبه معتم وتتوزع فيه تماثيل تعلن ايلي ان تلك التماثيل  ليست نسخا اصلية .

يخرجان بالسيارة لتناول القهوة وتبدو معالم القرية والطبيعة الجميلة التي تحيط بهما من نافذة السيارة ، حوار عفوي تتدفق فيه ايلي وتتحدث عن نفسها وعن اختها وتطلب منه توقيع الكتاب ، اراء في الفن والأدب وعن الأماكن المحيطة بتلك القرية ، تأخذه الى متحف البلدة وتريه صورة اخرى ويتحدثان عن الجيوكندا والنسخة الأصلية والمزيفة و ، في اجواء عرس متواصل تشهده القرية يتنقلان بين الناس المحتفلين وهم يلتقطون الصور التذكارية ، تحكي هي عن نفسها وهو عن افكاره وتجاربه وكيف الف كتابه ،وتتحول فجأة هي الى موقع الزوجة لذلك الكاتب ، بعد حوار مع صاحبة المطعم ، تجد نفسها فجأة امام صورة افتراضية لزوج بديل آخر ، هو بديل لطليقها او صديقها الذي افترقت عنه ربما ، يتحولان معا الى حالة من المشاركة في هذا الأحساس الذي يدفعها الى ان تتزين لتعود اليه لتجده ثائرا منفعلا لأن النبيذ لم يعجبه طعمه ، ويترك المكان ، وهي تتخلى عن زينتها وهي تعيش لحظتين مزدوجتين ، مشاهدة الناس المحتفين عبر النافذة والزوج المفترض العبوس. يخرجان وتدخل هي الى الكنيسة ، ويظن انها ذهبت الى الصلاة لكنها تذهب الى هناك لتجد زاوية ما تتخلص فيها من حمالة الصدر (السوتيان) الذي ضايقها ربما ، تستأجر هي غرفة في نزل قريب تربطه بها ذكرى عاطفية ، تعيش تلك الذكرى مضطجعة على السرير ، فيما هو صامت ، ينظر الى وجهه طويلا في المرآة وكمن يحدث نفسه عن الخطوة الآتية ، ايمضي معها الى ماتتمخض عنه تلك الصدفة التي جمعتهما ام يمضي سريعا الى محطة القطار عائدا الى بيته في بريطانيا ؟ سؤال لااجابة عليه .

مابين الصورة والأفتراض

لابد من القول ان هذا الفيلم فيه اختلاف ما ، هو فيلم يزعج الذين لايحبون الحوارات الطويلة والمشاهد الطويلة ، اذا فليتركوا افلام عباس كيارويتامي ، فأنها لاتعنيهم ولاتلبي رغباتهم ، روستامي درج على هذا الأسلوب ، وهو ماض فيه ، وهو يتحرك في افق واسع يوفر له مرونة ان يقدم مايريده وماهو مؤمن به ، هذا الأفق الواسع يتمثل في قبوله عالميا على انه واحد من ابرز المخرجين في العالم وفي قائمة اهم خمسين او مئة مخرج في العالم ، لاندري ، لكنه يتمتع بثقة واحترام على نطاق عالمي ، واسلوبه الذي رسخه في افلام سابقة هو اسلوب مقبول ومرغوب ومطلوب عالميا وخاصة على صعيد المهرجانات الكبرى ...

ومرة اخرى ، بصرف النظر عن من يحب اعماله او من احب هذا الفيلم ام لا ، فأننا نتوقف عند مقاربة في فهم السرد الفيلمي الذي اعتمده كياروستامي .

يثير الفيلم مسألة مهمة الا وهي مسألة مصادر الأفكار ، واية فكرة يمكن ان تصلح للسينما ، وكما هو واضح من مسيرة روستامي انه مولع بالقصص السينمائية التي لاتحمل الكثير من الدراما والتحولات الدرامية الحادة كما انه مولع بالحفر في الأفكار البسيطة وحتى المباشرة منها وكيف ينحت فيها ويجعل منها قصصا سينمائية ، حصل ذلك في فيلمه عشرة الذي كان صدمة للجمهور وايضا هنالك من احبه ومن سخط عليه ايضا ، انه تصوير في داخل سيارة وحوارات طويلة بين الشخصيات ، زجاجة السيارة الأمامية تصبح هي الشاشة التي تسقط عليها صور الحياة وكياروستامي مولع بهذا الأستخدام وقي فيلمه الذي نتحدث عنه الآن يستخدم زجاجة السيارة ايضا وتنعكس عليها صور الطبيعة والشخصيتين .

اذا نحن امام نوع (خاص) من السرد الفيلمي الذي عده البعض انه نوع من انواع اللغو والثرثرة الزائدة وان تجربة عباس كياروستامي لاتستحق كل هذه الحفاوة ، وفي واقع الأمر ان الحياة لاتحتمل لارؤية واحدة ولا منطقا واحدا لاسيما وان العقل العربي مولع بالمصادرة ولايؤمن الا بالرأي الواحد احيانا ، والخلاف في الرأي صعب وسط عقول نشأت على ذلك النمط من التفكير المغلق .

السرد الفيلمي هنا هو ذهاب الى مسار مختلف عن حدود "الدراما" في تصاعدها ، وابعد من حدود "الحركة " والتوثب المستمر وصراع الأرادات ، نحن امام لحظة انسانية خاصة ، يبحث فيها الأنسان عن بديل ما ، مقيما حوارا مابين الأصل والصورة او مابين الصورة الأصلية والصورة المستنسخة ، مابين حياة (ايلي) التي عاشتها وصارت نسخة عتيقة ومستهلكة وبين حياة افتراضية تتخلق على وقع مراسيم الأعراس التي تنتشر في ارجاء تلك القرية الأيطالية .

كياروستامي : تجربة اخرى

نعم ان كياروستامي بهذا الفيلم وقبله فيلم (عشرة) وضع نفسه في خانة المخرج الأشكالي ، المخرج الذي يلقي حجرا في البركة الساكنة ، ومن حقه بفضل افلامه ومنجزه وسمعته ان يسعى لكي يؤسس لنفسه خطا جديدا مختلفا في مسار السينما في العالم ، كيف لا وهو يحظى بثناء كبير وكان العملاق الياباني كوروساوا من اهم الشخصيات السينمائية التي باركت منجز كياروستامي ، هو كان ومايزال يسعى ليختط لنفسه اسلوبا كياروستاميا مميزا ، ولم لا ، لماذا يجري تمجيد مخرجين غربيين اطلقوا تجاربهم الأشكالية وصاروا ملء السمع والبصر ؟ الدورات الطويلة والمشاهد الحوارية لدى تريفو ، السرد الطويل المضني والطابع الوثائقي لدى اريك رومر ، التتايع السردي المشوش لدى الان رينيه ، وغيرهم كثير ، كياروستامي منذ البداية كان قد وضع نفسه على الخريطة ، خريطة كبار المخرجين ، لم تصنعه (الواسطة ) ولا العلاقات الشخصية ولا صنعته مؤسسات ايران المعروفة من هي وماهي ايديولوجيتها ، الأغرب هو ان يظهر كياروستامي ورهطه من كبار مخرجي السينما الأيرانية من تلك البيئة المحكومة سياسيا وايديولوجيا  في داخل ايران والحذرة من السينما ومخاطرها في نظرهم ، اذا هو  تحدي الموهبة غير المزيفة بل الحقيقية، ففي فيلم (عشرة) هنالك احداث كاملة تجري في داخل سيارة ومن وجهة نظر بضعة شخصيات يجلسون فيها يتبادلون حوارا متشعبا مطولا يدفعهم اليه كياروستامي نفسه ويتركهم وجها لوجه مع الكاميرا ، فيلم روائي طويل في موقع تصوير واحد ومن بضعة مشاهد ، لاادري ان كان هرطقة كياروستامية ؟ ان لم تكن جرأة محسوبة في وسط عالم يعج بمئات بل الاف التجارب الطليعية ، يحصل هذا وكياروستامي يحضر الى مهرجان كان بفيلمه طعم الكرز في العام 1997 لينال السعفة الذهبية الى جانب الياباني ايمامورا ثم ليمضي في تلك السينما الغريبة بعد ان قدم قبل ذلك فيلمه الذي اثار جدلا ايضا (كلوز اب) عن ذلك الرجل الذي يعشق السينما ويستغل الشبه بينه وبين احد المخرجين الأيرانيين وفيلمه (وتستمر الحياة ) عن الزلزال الذي دمر قرية بوشتة الأيرانية وفيلمه "سوف تحملنا الريح" الذي عاد به الى نوع واقعي من عمق الحياة الأيراينة في القرى النائية ، قصص وشخصيات ايرانية صميمة اطلقها كياروستامي وقدم من خلالها رؤية مختلفة وسردا غير مألوف بل احيانا صادما ومملا وثقيلا في نظر البعض ...ليكن كذلك ..فتلك هي سينما كياروستامي ببساطة .

جوليت بينوش : الوجه الآخر

لاشك ان فيلم نسخة مصدقة هو فيلم جوليت بينوش وتحفتها الأدائية دون ادنى شك ، بينوش المتربعة على مسيرة حافلة بالأنجازات عمادها اكثر من اربعين فيلما فضلا عن العديد من الجوائز اذ تمت تسميتها لجائزة اوسكار احسن ممثلة العام 2001 وكانت قبل ذلك قد نالت جائزة رومي شنايدر للتمثيل وجائزة السينما الأوربية العام 1992 وجائزة مهرجان برلين 1993 وجائزة مهرجان فينيسيا العام 1993 وجوائز اخرى ، هذه الممثلة المتجددة بوجهها الطفولي المليء بالحياة قادت قصة كياروستامي الى ان تكون رائعة اخرى تضاف الى روائعها في التمثيل ، لاسيما وهي تعيش في هذا الفيلم شخصيات عدة داخل الشخصية الواحدة : فهي فرنسية الثقافة واللكنة والفكر والوعي وتعيش في بيئة ايطالية وتحاكي رجلا ذا ثقافة بريطانية متصلبة ومقننة كما هي في الحياة ، وهي ترنو الى بديل واع ومثقف ومرموق كهذا الكاتب فيما هي تختزن في داخلها اصداء رجل او رجال مروا في حياتها ، وهو مايتفجر عندما يبدر من ذلك الكاتب موقف يدل على ألأنانية بأنهم – أي اسرته – قد تركهم هناك يتدبرون امرهم - ، وهنا تنتفض هي لأنه الموقف الذي لاتريده والكلمات التي تعذبها ولاتريد ان تسمعها ، ان يترك الرجل الأناني المغرور الحمل على عاتق المرأة لتدير شؤون المنزل والأبن ، وبينوش تتقلب في مشاهد اخرى مابين الأحباط والبؤس حينما ينتفض الكاتب لسبب تافه وهو سخطه من المطعم الذي يجلسان فيه ، من سوء الخدمة ورداءة النبيذ ، ويتجلى وكأنه صبي غير ناضج متجاهلا احساسها وقد جاءته متزينة ومشرقة ومبتسمة ليقابلها بتلك الغلظة ورد الفعل المتعجرف ...خلال هذا هي تعيش الأحساس بالأحباط وفي الوقت نفسه تتدفق  في الساحة المقابلة لها حياة اخرى من خلال جموع المحتفلين بالزواج وهي تشاركهم تلك اللحظة الفريدة التي تعيشها المرأة مرة واحدة في حياتها (بعضهن يعشنها اكثر من مرة بالطبع) لكن ( ايلي) تدرك انها لحظة فريدة لصبيات سيؤسسن لحياة اخرى ...

من حق بينوش ان تصرح اذا حول هذا الفيلم قائلة : ( ستشاهدونني هذه المرة كما انا ) ، السيناريو الذي كتبه كياروستامي ودفع بينوش الى الحماس له والفرح به هو في جانب من الجوانب يحمل وعيا آخر تبحث عنه هي وربما هو جانب من سيرتها هي ، وهي المعروفة بعلاقاتها الشخصية المتعددة ، علاقات مع ازواج انفصلت عنهم وشبه ازواج عاشرتهم واحدا بعد الآخر كما تشير الى ذلك سيرتها الشخصية وهو ما لاتخفيه في احاديثها ولقاءاتها الصحافية .

مالم يجب عنه كياروستامي ومالم يصنعه

ربما بدت شخصية الكاتب في الفيلم متكلفة ، منقطعة الجذور في رأيي ، كانت في حاجة ان نرى جذورها وشيئا من المتواري من تجاربها ، كانت شخصية متميزة في القاء خطابها الذي كتبه كياروستامي بلغة رصينة متدفقة ، لكن من هو في الحياة ؟ وماذا وراء الشيب الذي يغزو شعره من تجارب ؟ ، وجهه متعب تماما وواضح فيه المكابدة والعناء ؟ من هو ؟ واين تلك الخلفية الأنجليزية الصارمة التي تلقي بظلالها على الأنجليز ؟ اين الخبرات العاطفية من ذلك الكاتب اللامع ؟ وما حصيلة تلك المكالمات التلفونية التي كان يجريها ؟ اسئلة لم يجب عنها سيناريو كياروستامي .

واما (ايلي ) فهي الأخرى تركت من خلفها علامات استفهام اخرى ، فهي امرأة عملية الطبع والتصرف ، وهي التي تركت فرنسا وايطاليا بطولهما وعرضهما واختارت العيش في تلك القرية النائية لتقيم ذلك المشروع التجاري ...وحتى ردود افعالها الأنسانية والحميمية لم تكن تخلو من جدية وصرامة احيانا ، اذا كيف مضى يومها هكذا ؟ هل ارادات ان (تصطاد) الكاتب لتمضي معه وقتا حميميا على السرير قبل ان يحين وقت عودته الى بريطانيا؟ وهل استدرجته كل هذا الوقت لهذا الهدف ؟ ربما يكون كذلك وربما لا ، والسبب في هذه البلبلة هو عدم وضوح شخصيتها بمافيه الكفاية ، بمعنى عدم تعميقها بمزيد من الكشف عنها لاسيما ماضيها العاطفي وعلاقتها الزوجية ، وهو مالم يهتم به كياروستامي حذرا منه من ان ينحدر الى الميلودراما والقص المباشر لكن فيلمه كان بأمس الحاجة الى هذا الكشف الضروري .

ومالم يصنعه كياروستامي هو عدم تخلصه من المكان الضيق والمحدود المعاني : مابين متحف المدينة والمطعم الصغير والنزل الضيق ، والسؤال هو : هل تهرب الشخصيتان من صخب المدن واكتظاظها الى فضاء الأرياف والقرى وسعتها في تلك القرى الأيطالية لكي تحشر نفسها في تلك الصناديق الضيقة : المتحف والنزل والمطعم وغيرها ؟ . مالم تتضح ضروات استخدامه ايضا هو ضرب اجراس الكنائس بشكل شبه متواصل حتى صار لازمة ومؤثرا صوتيا متكررا في الفيلم ...لماذا ؟ ولماذا مشهد الختام يظهر كاتدرائية او كنيسة عبر نافذة النزل ؟ فهمنا انه يوم احد وهو يوم اقامة الصلاة في تلك القرية ، ولكن ذلك لايبرر ما ذكرناه من تكرار ولازمة صوتية حتى لو كان الفيلم وثائقيا من مدرسة اندريه بازان ..

.....................

ختاما ...لاندري ان كان هذا الفيلم سيؤسس لمرحلة جديدة من مسيرة كياروستامي في نسختها الأوربية بعد ان ترك ايران ويقيم الآن بباريس ...سيكون محزنا حقا ان كان  كياروستامي  قد قرر ان يتحول الى اوربي اكثر من الأوربيين انفسهم تاركا اجواء بلاده وشخصيات بلاده وقصص ناسه ليتتبع حياة اوربية لا ولن ينتمي اليها ولن يكون جزءا منها مهما عبأها بصور الكاتدرائيات واصوات اجراس الكنائس كما فعل في فيلمه هذا...

………………………………..

ورشة سينما :خاص

وس 26-5-2010

جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر