Cinema Workshop ورشة سينما

من افلام مهرجان السينما الأوربية في بروكسل 2010

فيلم مكتبة باسكال فيلم مكتبة باسكال

فيلم "مكتبة باسكال" للمخرج زابولك هاجدو

الأنسان الضائع مابين احلامه  و سريالية الفقر والجنس

مكتبة باسكال الغرائبية تطيح بقمم الفكر في سوق الدعارة

البلد : هنغاريا

د.طاهر علوان

زمان ومكان منسيان ، زمان فيه اذلال وامتهان لكرامة الفتيات الشابات من خلال ابتزازهن ، اخراجهن صاغرات ، عنوة من حياتهن الوديعة البسيطة الى حياة اخرى تتحطم فيها الذات وتتحول الى همل منسي في ظل سطوة المافيات ترى ، اين الأنسان في الدوامة؟ ما قيمة تلكم الفتيات اليافعات المحطمات ، هنا في اوربا الشرقية ثمة حياة ماتزال تنبض من تحت بقايا واصداء وظلال وجراحات الحقبة الشيوعية: انفتاح الحدود ، الحرية الشخصية ، التنقل الحر في ارجاء القارة في مقابل حياة مادية لاتعرف لغة الأنسان ، ولالغة الفقر والتشرد .

تجارة الرقيق وتهريب الفتيات لأستخدامهن في المواخير واماكن الدعارة وعلب الليل ليست بجديدة على مستوى العالم ، تتصدى لها دول وجمعيات ومنظمات خيرية واجهزة امن لكنها ظاهرة لايمكن ان تنتهي . وتبرز في موازاة ذلك الكثير من الظواهر المرافقة لأنضمام دول اوربا الشرقية الى الأتحاد الأوربي ومنها سهولة التنقل والأقامة ومايترتب على ذلك من ظواهر اجتماعية .

يعالج هذا الفيلم جانبا من ذلك  من منظور انساني ، يقدم المرأة المستلبة التي تجد نفسها بلاحول ولاقوة وهي تستدرج تباعا بين عصابات تنشد الوصول الى غاياتها بلا رحمة ومهما اقتضى ذلك من ثمن ، هو واقع مزري قوامه التفكك الأسري وعلاماته الهوان والأذلال الذي تتعرض له الفئات الأضعف : الأطفال والنساء ، حيث يتعرضون للأنتهاك المستمر ويجري استغلالهم واهدار كرامتهم ، كل ذلك يأتي في اطار معالجة مختلفة ملفتة للنظر وتنطوي على تعدد لبنى السرد ولتحولات الشخصية وماتمر به من تجارب .

مختصر القصة

في مدينة رومانية صغيرة يحتشد الناس لمشاهدة عرض غنائي وموسيقي بوجود عمدة المدينة ،  (منى) – الممثلة اورسليا توروك-  فتاة رومانية تتقاسم هي وصديقها ادارة تلك الفرقة الموسيقية الصغيرة  التي تقدم فعاليات في الغناء والرقص  ايضا ، يحضر العمدة والجمهور وفي الأثناء تكتشف (منى ) ان لصديقها  ( الممثل تيبور بالفي )علاقة مع فتاة اخرى ، وللتعبير عن غضبها وغيرتها  تقترب من احد زملائها الراقصين مما يؤجج غيرة صديقها الأول الذي يضطر بسبب تلك الغيرة الى التوقف عن العزف لكي يشتبك مع الصديق الجديد لفتاته ثم ماتلبث الأمطار ان تهطل بغزارة وبذلك ينفض الحفل وسط سخط عمدة المدينة وتفكك الفرقة .تتجه  (منى ) منى الى البحر وهناك يصل رجال الشرطة وهم يبحثون عن مطلوب للعدالة وتفاجأ هي في اثناء جلوسها متأملة البحر بأن المطلوب للعدالة قد دس نفسه تحت الرمال وبجوارها مباشرة ويشهر فيوريل ( الممثل اندي فاسلويانو)  مسدسا باتجاهها لكي تحميه وتغطيه بالملابس التي تحملها في حقيبتها ، بعد انصراف الشرطة يجبر اللص الفتاة على مرافقته الى منزله مسددا المسدس الى رأسها ، يسألها عن عملها ضانا انها بائعة من بائعات الهوى ،وتسأل نفسها ماذا اعمل ؟ ويدور بينهما حوار طريف يغط في اثنائه هو في النوم  ويشاهدان معا حلما مشتركا طريفا يجمعهما وقد تحولا الى ملك وملكة وهو مشهد تم بناءه مونتاجيا وباستخدام المؤثرات البصرية بشكل مميز ، و يدعي اللص ان لديه قدرة خارقة على ارسال الأحلام الي الآخرين مذ كان طفلا  ، يكرر اللص على مسامع منى انها بالنسبة له ورقة رابحة وانه لن يتخلى عنها ، يشاركها الفراش وفي اليوم التالي يخرج الى البحر القريب ليجد ان فصيلا من الشرطة بانتظاره فيقول لهم ان لديه قدرة خارقة في التأثير عليهم وانه يستطيع تعطيل بنادقهم بقدرة خارقة وتنزل بنادقهم فيما يهرب هو ولكنه مايلبث ان يسقط قتيلا تحت وابل من رصاص الشرطة ، بحركة خاطفة وانتقال زماني ملفت ومؤثر تظهر (منى  ) وهي حامل ثم وهي تقود طفلتها حيث تستخدمها في تقديم عروض مسرحية وعروض لخيال الظل لكسب قوت يومها ، يصادفها في اثناء احد عروضها شخص ويعرض عليها ان ترافقه في سفرته الى المانيا لكي تعيش في حال افضل ، فتوافق وتودع ابنتها لدى عمتها قارئة الكف  التي تستخدمها في العروض المسرحية ، يتضح بعد ذلك ان ذلك الشخص الذي ذهبت معه الى المانيا ليس الا تاجرا لتهريب الفتيات من اوربا الشرقية الى الغربية  للعمل في شبكات الدعارة فيسلم الفتاة الى العصابة في المحطة في مقابل مبلغ من المال ، لكن العصابة تجهز عليه وتسترجع المال والفتاة ، في سوق للنخاسة يشتريها (باسكال ) – الممثل شاجمار امرام - صاحب النادي الليلي الذي يحمل اسمه ( مكتبة باسكال) ، شخص انجليزي ابتكر شكلا جديدا من اندية الدعارة وعلب الليل حيث تتم  عروض التعري واللقاء مع الفتيات في داخل مكتبة ضخمة ومابين رفوف الكتب هنالك منصات صغيرة لتلك العروض وبذلك يكون المكان مخصصا لعلية القوم من النخبة من فنانين ومثقفين .

تدخل عالم باسكال وهو حقا  عالم آخر غريب  ، غرف مقفلة لايستطيع الولوج اليها الا حراس غلاظ ومن خلال بطاقات ممغنطة وارقام سرية نكتشف ان كل غرفة مخصصة لممارسة نوع مختلف من الدعارة : فالغرفة التي يتم تخصيصها ( لمنى) مليئة بالصلبان وترتدي هي زيا عسكريا وعليها ان تحفظ عن ظهر قلب حوارا دراميا ، حيث سيسألها الضيف وعليها ان تجيب ، كما ان من شروط العمل مع باسكال هو ان تأخذ جرعة من المخدر على يديه هو ، ويخبرها انه يفعل ذلك فيحقنها بقليل من المخدر بدل ان تأخذ جرعة اكبر في الخارج ويخبرها ان لاسبيل للخروج من المكان ، ثم تتحول الى غرفة بيضاء وترتدي هي بدلة مطاطية سوداء تغطيها بالكامل وكأنها بدلة الغواصين وهي غرفة دزدمونة وعليها وهي تمارس الحب مع الزبون ان تردد معه مقاطع من حوارات عطيل ودزدمونه حيث يتم تلقين الفتيات  تلك الحوارات عن طريق جهاز بث صوتي يكرر ويكرر الحوارات من ذلك النص المسرحي.

وثمة غرف اخرى تحمل رموزا واسماء دينية ويتم فيها تلقين الفتيات حوارات دينية وحوارات من رواية لوليتا بأستخدام فتيات  مراهقات ..

في مشهد سريالي يعود الشخص الذ ي سافرت معه الى المانيا الى الظهور بعدما ظننا انه قد لفظ انفاسه الا انه يعود قائدا لفرقة موسيقية ويتمكن من فتح الأبواب المغلقة لمكتبة باسكال فتخرج هي مرتدية تلك البدلة السوداء ولينتهي بها المطاف مع احدد المحققين وهو يحقق معها في المخالفات القانونية المترتبة على استخدام ابنتها الطفلة في عروض مسرحية للكبار مما يعد انتهاكا لحقوق الطفل ويطلب منها ان تروي له قصتها واين هو والد الطفلة وماظروف حياتها بالتفصيل فتروي له كم من المرات هي تعرضت الى الخداع وتم استغلالها وانها تقدم تلك العروض بصحبة ابنتها من اجل لقمة العيش وهي مضطرة الى كل مافعلته لأنقاذ نفسها وابنتها من الجوع والتشرد .

الحل الأخراجي وتحولات البنى السردية

يتنقل الفيلم في حله الأخراجي ما بين بنى سردية وتحولات متعددة ، هنالك حياة تتخلق في كل مرة ، حياة اخرى موازية للحياة السابقة التي خبرناها ، والسرد الفيلمي يقيم تلك العلاقة والوشيجة مابين ازمنة متعددة شتى ، هو مسار غير معقد ذلك الذي بني فيه السرد الفيلمي ولكنه محمل بتفصيلات في الزمان والمكان منحت الفيلم ميزة مهمة الا وهي الأحاطة بمسارات متعددة للبناء الدرامي بصرف النظر عن المدى الواقعي او غير الواقعي الذي تحركت فيه الأحداث ..ويمكننا التوصل الى مستويات السرد من خلال مايلي :

المستوى السردي الأول :

 ويمكن اختصارة ب(وهم المغامرة ) ، والوهم هنا قائم على واقع ومنطلق منه ولكنه في نفس الوقت يعبر عن كائنات تحلم بواقع بديل ، منى هي محور هذا الأمتداد السردي في مستواه الأول ، هي اكثر صمتا واقل تعبيرا عن واقعها المعاش ولكن انغماسها في هذه المغامرة يفصح عن كثير ، ولعل المشاهد الأولى في تلك القرية الرومانية الصغيرة هو التأسيس الواقعي لبديل حلمي مايلبث ان يتجلى من خلال لقائها مع ذلك الشخص الذي تلاحقه الشرطة ليتوج هذا المستوى السردي من خلال الحلم الفنتازي الذي تعيشه الشخصيتان لاسيما وانه حلم يتخلق من رحم المغامرة : مغامرة ذلك الشاب وهو يتجول عاريا حاملا مسدسه موهما رجال الشرطة ان لديه قدرة خارقة ليموت موتا مجانيا ويكون ضحية مغامرته .

المستوى السردي الثاني :

ويمكن اختصاره ( بالبديل الحلمي المكاني ) ، هو بديل ما ، كأنه يقدم حكاية في داخل الحكاية ، فصل جديد من حلم منى ، برضاها وثقتها الغريبة بذلك الروماني الذي يريدها ان ترافقه  في رحلتها الى المانيا ، لم تفكر كثيرا في كيف ولماذا ومن هو وهل يمكنها ان تضع ثقتها فيه ؟ بل كان الصوت المدوي في رأسها هو الذي يدفعها باتجاه الصورة المثالية التي تنتظرها الا وهي  العيش في المانيا  برفاهية مع طفلتها التي غاب ابوها تماما عن المشهد ، تتابع المشاهد في هذا المستوى يدفع باتجاه تمهيد غير مسبوق ، تمهيد لأنسحاقها كأنسانة فقيرة تبحث عن امل ، فماكنة الأنانية والأبتزاز والجريمة المنظمة بانتظارها وليس العالم المخملي ، في القرية الرومانية البسيطة كان هنالك اناس بسطاء يرقصون ويغنون ، وكانت هنالك عمتها التي تقرأ الطالع، وحتى هذا الرجل الذي جاء بها الى المانيا ويفترض انه هو من يمكنها الأعتماد عليه ، ظهر انه هو الآخر ذلك الروماني المغفل الذي يبيع (منى )، ثم يخسر حياته ، وبذلك يتهشم البديل الحلمي المكاني الى بديل آخر .

المستوى السردي الثالث :

ويمكن اختصاره (بالبديل السريالي) ، هو بديل ليس له تأسيس في وعي منى ولا في خبراتها ولاذاكرتها ،فهي بالرغم من الحاجة والفقر، فأنها كانت تحب عازف آلة السكسفون الذي يشبهها في فقرها وطيبعة حياتها ، ولم تكن بائعة هوى ، لكنها اضعف بكثير من ان تقاوم شراسة من هم حولها ولاتستطيع ان تتحول بسهولة الى عالمهم الحيواني ، ولهذا سيكون عالم مكتبة باسكال هو العالم والبديل السريالي الذي تحولت فيه من دون ارادتها الى جزء منه ، فقد بدأت تتكلم الأنجليزية بلكنة ولغة المثقفين ، تقرأ نصوص شكسبير وناباكوف ونصوصا شعرية وفلسفية في مكان غرائبي تماما ، في كل شيء ليأتي الباحثون عن المتعة فيتبادلوا تلك الحوارات مع فتيات باسكال ..

هذا العالم الذي جاء متأخرا في حياة منى ، عالم الثقافة والمثقفين جاءها ايضا حاملا خسارات جديدة ، عندما تم تغيير شكلها وشخصيتها وزجها في تلك الدوامة السريالية ..

...............

ينجح المخرج في تقديم هذا المزيج الملفت  من التحولات والأفكار وهذا المزيج من الأجواء وصولا الى السريالية والفنتازيا التي تعزف على وتر ظاهرة اجتماعية وانسانية الا وهو اجبار الفتيات على البغاء ، بل ان باسكال يذهب الى ماهو ابعد من ذلك الى البيدوفيليا واستخدام الأطفال في سوق الدعارة .

باسكال نفسه ذلك الوجه الذي لاهو بالأوربي ولا بالهندي ولا بالقوقازي هو ايضا علامة غرائبية وشخصية سريالية ، اذ يبتكر لنفسه ذلك النادي الليل الذي يريد به ان ينزل بالثقافة والمثقفين والقمم الفكرية العالمية الى ذلك الدرك من الأنحطاط القيمي  ممثلا في سوق الدعارة ، ابتزاز الفتيات وشراؤهن وبيعهن واذلالهن ، وحيث كانت منى عينة للأساليب النفسية التي اتبعها باسكال : البدء بالضرب ، الأغتصاب ، تغيير الشكل ، ادمان المخدرات وكل ذلك لكي تتحول الشخصية القادمة من تلك القرية الرومانية المنسية الى انسان آخر بذاكرة جديدة وحياة عائمة ومعلقة ولاجذور لها .

............................

المخرج زابولك هاجدو

من مواليد هنغاريا – بودابست 1972 .درس المسرح والسينما في جامعة بودابست ، عمل ممثلا بعد ذلك ، بعد ان انجز عدة افلام قصيرة انجز فيلمه الروائي الطويل الأول (قضية عالقة ) – 2000  الذي فاز بجوائز في عدد من المهرجانات منها مهرجاني بودابست وكييف ، انجز بعد ذلك افلامه : (تامارا : 2004) ، (فير تينر 2006)

............................................................................

ورشة سينما : خاص – بروكسل

و .س 5-7-2010

المقال للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر

 

 

 

سينما القارات