Cinema Workshop ورشة سينما

سينما القارات

من افلام مهرجان السينما الأوربية في بروكسل 2010

فيلم اللص فيلم اللص

فيلم " اللص" للمخرج بنجامان هيسنبرج

ماراثون  الجريمة وقطع الأنفاس الذي لاينتهي

انتاج : المانيا – النمسا

طاهر علوان

سينما اللصوص والسراق هي سينما خاصة بوسع كل منا ان يتذكر عشرات الأفلام التي تكي قصص السرقة والسراق ، وماتزال مثل تلك القصص تستهوي السينمائيين : كتابا للسيناريو ومخرجين ، ومازال هنالك جمهور عريض يجد متعة في مشاهدة مثل هذه الأفلام ..

ولعل الجانب المهم هنا هو في (الكيفية) التي تقدم من خلالها شخصية اللص في كل مرة وفي كل مرة ينجذب الجمهور العريض الى النموذج الجديد لاسيما ان الكثير من قصص اللصوص والسراق هي قصص حقيقية او فيها قسم كبير مما هو حقيقي وواقعي وغاليا ماتجد ان قصص الجريمة والسرقة ترافقها اما عبارة " مأخوذ عن قصة حقيقية" او عن رواية بوليسية او من ملفات البوليس .سينما المحاكم والمخبرين واللصوص هي خليط يقدم افلام الحركة والمطاردات وحبس الأنفاس والمفاجآت ...اما في هذا الفيلم الألماني فأن اللص المحترف ماهو الا عداء اولمبي محترف فاز في العديد من مسابقات الماراثون ليوظف تلك الطاقة الرياضية لممارسة عمليات السطو بخفة وسرعة .  

مختصر القصة

هانس (الممثل اندرياس لاست) يتقرر اطلاق سراحه من السجن بعد ان قضى فيه مدة من جراء ادانته بالسرقة وهو ايضا عداء محترف . يتعهد بأنه سيغير مسار حياته ولن يعود الى السرقة وبعد خروجه يسكن في احد الفنادق ومايلبث ان يعود سيرته الأولى وعلامته الفارقة هي اربعة اشياء : المعطف الرمادي ، القناع ،  البندقية ، وحقيبة الظهر ...

وبأسلوب محترف في سرقة السيارات التي يسرقها ويستخدمها للوصول الى اهدافه ثم يتركها في الغابات والأماكن النائية بعد اتمام المهمة ،  يقوم بالسطو المسلح على احد المصارف دون ان يترك شبهة ولااثرا وتتكرر حوادث سرقة البنوك التي يقوم بها ويختار البنوك في مناطق الضواحي والقرى ولتنفيذ قوانين السجن في عملية الأصلاح يذهب لغرض التسجيل للبحث عن عمل ليلتقي هناك صديقته القديمة (ايريكا) –الممثلة فرانزيسكا وايز – ثم ليزورها في منزلها وتوفر له مكانا يسكن فيه لبضعة اشهر ريثما يجد مكانا آخر .

خلال ذلك يواصل هو تدريباته في الركض دون انقطاع ويشارك في سباقات الماراثون ويحصل دوما على جوائز متقدمة مستغلا خفة جسده وسرعة الحركة في تنفيذ عملياته حتى يقوم بعملية سطو كبرى وتنشر الكاميرات المراقبة صوره  في الصحف مما يدفع صديقته الى الشك فتتحرى في غرفته لتجد كل معدات الجريمة و دون ان يقدم هو تبريرا لماكان يقوم به من جرائم مما يدفع ايريكا الى اخبار الشرطة ولكنها هي نفسها تتعرض الى الأتهام والتحري وتقلب الشرطة منزلها رأسا على عقب للتفتيش عن مايمكن ان يخدم الشرطة من ادلة . وفي عملية سطو اخيرة تتكلل بالنجاح فيهرب ولكن  الشرطة تجند  كل طاقتها  للأمساك به فيلجأ الى احدى الغابات للأختباء وتقوم الشرطة بعملية تمشيط دقيقة لكنه يهرب مرة اخرى ويتعرض الى طعنة بالسكين من قبل عجوز اراد ان يسرق سيارته ويبقى ينزف على الطرق السريع وهو يقود احدى السيارات المسروقة حتى الموت .

في البناء الفيلمي والدراما الفيلمية

لعل من الملفت للنظر هو الكيفية التي تنتظم من خلالها الوقائع الحقيقية في نسق فني وجمالي قادر على التأثير في المشاهد, وعلى هذا يكون السؤال بهذا الصدد من الأفلام البوليسية ، عن قربها واحتكاكها مع الواقع ، عن الدوافع الحقيقية التي تدفع المجرم الى السرقة ، عن الشكل الفني الذي يتم من خلاله البناء الفيلمي لجهة الأدانة وكراهية البطل او لجهة التعاطف معه وتفهم دافعه الى السرقة .

لكننا هنا امام نمط فيه قدر كبير من الأختلاف ، فهو لص منظم ويحظى بثقة الآخرين ولهذا يطلق من سجنه ، لكن السرقة بالنسبة له تقترب من الهوس والدافعية غير المسيطر عليها لاسيما وانه لايفصح كثيرا عن تلك الأسباب والدوافع بل ان مايلفت النظر هو الحوارات المكثفة والقصيرة والدالة التي تتم مابين هانس واريكا ، فهي تتعامل مع بعد انساني لهذا الذي امامها بصرف النظر عن ماضيه ، حتى انها ترتضي ان ستشاركا سقفا واحدا ، هذه الحياة المرتبة التي تحترم كرامته وآدميته لم تكن كافية في واقع الأمر لردعه عن السرقة والسطو ،بل ان هذا البيت الهادئ البعيد عن الشبهات يصبح هو المكان الأنسب لكي يخبئ فيه سرقاته بتلك الطريقة المزرية بأخفاء اكياس المال تحت السرير وهو ما تكتشفه اريكا .

وبموازاة ذلك نجد ان مساحة عاطفية ما تمتد في حياة اريكا في هدوئها واتزانها لكنها مساحة احترام للآخر قبل ان تصاب بالأحباط وخيبة الأمل عندما تكتشف ان ذلك السارق المقنع الذي تتداول موضوعه وسائل الأعلام  ليس غير حبيبها نفسه ، حتى ان مسألة القدرة على الأمساك به يتسبب في بلبلة على صعيد اجهزة الشرطة والمجتمع ، فهو شبح حقيقي بسبب مرونته وسرعته في السرقة واختباءه في مكان ما .

وهو بعد ان يخوض منافسة في مسابقة ماراثونية ويفوز كالمعتاد بجائزة ويتقدم نحوه الموظف المكلف بمتابعته من طرف دائرة السجون ، الا انه يضربه ضربة مميتة بنفس التمثال الذي تسلمه جائزة في الماراثون .

البناء النفسي و دائرة الأفعال

لعل المعالجة السينمائية للقصة قد لفتت الأنظار الى مسألة التوصل الى الدوافع النفسية للشخصية ، الأقتراب من بنائها النفسي فالسأم والصمت واللاجدوى هي التي تلاحق هانس وليس هنالك من مساحات للأمل في نفسه ،عالمه يضيق ويختصر في حجرته وحيث لقاءاته القليلة مع اريكا ، ومن ثم انطلاقه شبه اليومي الى هدف آخر ، الى احد بنوك الضواحي للسطو المسلح عليها . ربما اوحى الفيلم بالشخصية العصابية ولكنها شخصية تبدو في الظاهر متوازنة ومن صور توازنها انخراطها في الرياضة وممارسته بشكل منتظم وجماعي من خلال سباقات الماراثون بما تتطلبه من اختلاط بالآخرين واهتمام من طرف وسائل الأعلام .

في المقابل هنالك المشهد الذي يقوم فيه بأجبار رجل عجوز على اعطائه مفاتيح سيارته ثم قيامه بتكميم فم العجوز ثم ربط قدميه الى الكرسي الذي يجلس عليه ، لكن العجوز ينجح في اخراج سكين صغيرة من جيبه وينجح في طعن اللص في معدته ، مجرد طعنة صغيرة ، كان المتوقع والبديهي ان  يكون رد فعل هانس هو الأجهاز على العجوز ولكنه لايفعل ذلك ...بل يترك العجوز ويتحامل على الجرح الذ ي سيكون سببا في موته فيما بعد .

السؤال هو لماذا لم ينتقم من ذلك العجوز ، وقبل تلك الطعنة القاتلة ، اهي رأفة مفاجئة ، ام هي صورة الأب المفقود الذي لانعرف عنه شيئا ؟ هي التفاتة    تثير مثل هذه التساؤلات في الفيلم وتقدم العديد من الأحتمالات .

 ..........................................

 المخرج بنجامان هيسنبرج

هو مخرج وكاتب سيناريو  الماني مولود في العام 1974 بدأ الأخراج ابتداءا من العام 1996 بفيلمه الروائي الطويل (تيريموتو ) ثم انجز الأفلام الآتية : الهدوء ثانية – 1998، قنبلة الملك -2000، في البحر -2001، فرصة 2004 ، النائم 2005 ،(عرض في تظاهرة نظرة ما في مهرجان كان 2005)

.......................................

ورشة سينما : خاص – بروكسل

و .س 5-7-2010

المقال للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر