سينما القارات

المخرجة المخرجة

 

 

فيلم "التعذيب صنع في الولايات المتحدة الأمريكية " للمخرجة ماري مونيك روبن : عن صرخات الضحايا التي ملأت المكان

 

طاهر علوان

 

في السينما الوثائقية هنالك بحث مضن ودائم عن الحقيقة ، هو ذلك الوعي والعين الراصدة لما يجري من حولنا ، هو ذلك التوغل في تفاصيل الحياة وتتبع خطى الأنسان وهو ماض في شأنه ، وفي هذه السينما الصادقة والحية هناك (موقف) ماازاء الحقيقة : اخفاؤها ، تزويقها ، تخفيفها ، طمسها ، تحريفها او كشفها بجرأة وشجاعة و ثقة .. وان يرى الناس كثيرا مما لم يروه او لم يتمكنوا من رؤيته او معرفته اوسماعه ، وسط هذا يقف صانع الفيلم الوثائقي ، في جرأته على اقتحام المواقع التي يتردد الكثيرون في اقتحامها ، تسكت عنها وسائل الأعلام في سياق سباق المصالح الشخصية والدولية فيما يذهب الفيلم الوثائقي ومخرجه وفريقه الى هناك الى (بيت الحقيقة ) لأطلاقها كما هي ..

هذا وغيره كثير وكثير جدا يتدفق الى الذهن بعد مشاهدة هذا الفيلم الوثيقة ( التعذيب صنع في الولايات المتحدة ) للمخرجة الفرنسية      (ماري- مونيك روبن) الذي عرض مؤخرا في مهرجان الحريات في بروكسل.

 يعيد الفيلم الى الواجهة مرة اخرى واخرى السؤال القديم الجديد المتجدد : ياترى ماالسينما ومادورها ؟ اهي خطاب سياسي ام فني خالص ؟ اهي اداة اعلامية ام هي وسيط تعبيري مجرد لاعلاقة له بأي شيء عدا الفن والأبداع ؟ هل ان السينما مجرد اداة صماء لنقل الحقائق دون ان تتفحصها وتدرك ابعادها ويكون لها موقف منها ؟ هل تحول السينمائي الى فم ناطق بالحق والحقيقة وصوت صارخ مدوي لفضح الظلم والظالمين والأنتصار للمظلومين ام تراه كمثل الحمار يحمل اسفارا فلا يعينه ان كانت تعني شيئا او قيمة اخلاقية او ثقافية فهي مجرد تتابع للصور والأصوات والحركات وماالى ذلك ...

هذه الأسئلة وغيرها تترى وانت تشاهد هذا الفيلم المشحون بصرخات الضحايا..

هي ليست قصة خرافية ولا اسطورة ، ولاموضوعا طريفا ولا مسليا ، بل هو كل هذه الدراما الفاجعة التي تعصف بحياتنا وتكشف فضيحة هذا الأنسان الذي يفتك بلا رحمة ولاهوادة بأخيه الأنسان ، هو حياتنا التي جوهرها الصراع وزادها وزوادتها الغلبة والقهر والأذلال ، هي صورة عالمنا (المتحضر ) وحيث اكتسبت نزعة الأفتراس بعدا وصبغة مرتبطة بعصر مابعد الحداثة والتكنولوجيا الرقمية ولهذا فأن فضائع البشر سرعان ما تنتشر وتذاع عبر تلك التكنولوجيا الرقمية وفي لحظات تصبح مليارات البشر على بينة مما يجري ويتفرج الأنسان على افتراس الأنسان وغزو اقوام لأقوام اخرى...

هذه المقدمة تتعلق بنا نحن البشر من اية ملة ودين واي شعب وعرق ، عندما يتجرد البشر من الروادع الأخلاقية والقيمية فيعودون سيرتهم الأولى لاينقصهم غير القوس والنشاب ورعي الدواب والصراع مع الغيلان ...

يمكنك ان تبدأ هذا الفيلم من اية نقطة شئت ، ربما هو استثناء عن افلام تتتابع فصولها كمثل حكاية تحكى قبل النوم ، هنا الصرخة واحدة تنبثق منذ اللحظة الأولى وتتواصل عبر الزمن ...

.....................

ماالذي اراد الفيلم قوله ؟

سؤال بديهي معتاد نطرحه على كل مخرج ، صانع للفيلم وكل كاتب للسيناريو ونطرحه مع انفسنا عقب مشاهدة الفيلم  ، هذا الفيلم سيجيب بوضوح انه يريد ان يتصدى لموضوع التعذيب  الذي مارسته وتمارسه السلطات في الولايات المتحدة  لماذا وكيف ؟ ، التعذيب يجد له تسويغا وشرعية بل صار بدهية سياسية حتى عد من يناقشه او يسأل عنه مجرد ابله او مغرض اوجاهل ...هكذا تتحقق من هذه الفكرة وانت تشاهد الدفاع المستميت لنخبة من العقول والكفاءات التي ارتقت الى اعلى  مستويات صنع القرار في اقوى امبراطورية في العالم هي الولايات المتحدة ، نخبة قادتها تركت كل هذا التاريخ البشري جانبا وراحت تناقش قصة مفادها :

هل ان اغتصاب السجين في سجن (ابو غريب) قانوني ومشروع ام لا ؟ هل ان تعرية السجين (المسلم عادة ودائما )  والعبث بأعضائه التناسلية وصعقها بالكهرباء يشكل نصرا بوشيا ام لا ؟ وهكذا تتواصل المخازي من قبيل اللواط وتعرية السجناء واغتصابهم وتصويرهم في اوضاع مذلة وتعليقعهم من عراقيبهم وايهامهم بالغرق والتبول عليهم واجبارهم على الأستمناء وجلد مؤخراتهم وهكذا تمضي هذه السيمفونية الهمجية حيث يفتح الكونجرس الأمريكي جلسات الأستماع لكبار عباقرة ة ومصممي هذه الفعاليات (الحضارية ) .

بالطبع يركز الفيلم على الليكوديين الثلاثة والعلامة الفارقة لهذا العصر الأمريكي وهم الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش ونائبه ديك تشيني ووزير دفاعه دونالد رامسفيلد فضلا عن ثلة من الوزراء من امثال  وزير العدل  والمحامي والقاضي الحاذق (البيرتو غونزاليز ) وجون اشكروفت  يضاف اليهم ثلة من المساعدين والأداريين والقانونيين وعملاء السي آي اي  ، هؤلاء يستعرضهم الفيلم ويظهرون في جلسات التحقيق باد عليهم الأرتباك وشيء من الخوف فيما يمطرهم اعضاء الكونجرس بوابل من الأسئلة وفيما تواصل الصحافة الأمريكية والعالمية على السواء كشف المزيد والمزيد من صور ووثائق التعذيب .

البيرتو غونزاليز وزير عدل بوش يصمم العدل الأمريكي بالمواصفات التكساسية البوشية فيقوم بأعادة قراءة القوانين واصدار المذكرات المتتابعة التي ترفع اي حرج او ملاحقة باتجاه من يقومون باغتصاب السجناء او السجينات ، ممارسة اللواط ، قطع الأطراف الصعق الكهربائي ، التعليق من الأطراف الى غير ذلك ..

وكل ذلك تحت بند حماية امن الأمبراطورية...هناك هناك على بعد مئات الاف الأميال في زنزانة باردة وسجين اعزل في ابو غريب تحمى حصون الأمبراطورية ...

يقدم الفيلم جلسات الأستماع تلك مصحوبة بالوثائق والأدلة (ليطل امريكي) آخر اصوله ايضا من امريكا اللاتينية هو  الجنرال ريكاردو سانشيز قائد القوات الأمريكية في العراق الذي اعترف بارتكاب جرائم حرب في السجون وجرائم ضد الأنسانية  ولكن من دون علمه كلهم يقولون ..(نعم حصل  ذلك فعلا ...ولكن دون علمنا) ..لكن سانشيز نفسه كما تظهر وثائق الفيلم  كان قد اصدر تفويضا الى المحققين في سجن ابو غريب خاصة بأستخدام الكلاب البوليسية في داخل السجن واثناء التحقيق لأرعاب الأسرى وانتزاع المعلومات منهم .

نموذج : الضابط المجند (تشارلز جارنر )

حارس امريكي في سجن ابو غريب كان احد اشد الحراس وحشية في ترويع السجناء وتعذيبهم حتى الموت فضلا عن الأغتصاب وتعرية السجناء والتقاط الصور الى جانبهم ونشرت له صورة وهو الى جانب جثة احد السجناء الذي قضى تحت يديه من فرط التعذيب ...هذا الحارس يشير سجله المنشور والمعروف والمعلن انه سبق وان وصلت قصصه الى المحاكم الأمريكية قبل مجيئه  للعمل في العراق عندما تقدمت زوجته وام ابنيه بطلب الحماية منه لأنه كان في كل يوم تقريبا يمارس صنوفا من التعذيب والضرب بحقها وكان يجرها من شعرها مرارا ويكتف يديها ليقوم بضربها . وتقول المجندة (لنيدي انجلند) شريكته انه كان يجبرها على مشاركته تعذيب السجناء والتقاط الصور لهم ومعهم وهم يعذبون او وهم عراة وبعد انتهاء حفلات الدم تلك يقوم بمضاجعتها عنوة حتى عادت الى الولايات المتحدة وهي حامل منه حيث احيلت الى المحاكم الأمريكية وهي حامل .

يتنقل الفيلم بين كم هائل من الوثائق والمذكرات المتبادلة مابين وزير العدل الأمريكي غونزاليز وبين الأجهزة التنفيذية التي تمنحها تلك المذكرات غطاءا قانونيا لممارسة صنوف التعذيب ...ثم بموازاة ذلك يظهر حشد من المساعدين الأدارييين والتنفيذيين خاصة من مكتبي تشيني ورامسفيلد لغرض الدفاع عن مواقعهم في مواجهة الوثائق المكتوبة التي تبادلوها وشرعنوا فيها التعذيب بكل اشكاله .

ميزة الفيلم انه يعوم في بحر من الأدلة الدامغة التي جعلت الرئيس بوش نفسه يحرج عندما ظهر على شاشات التلفزة في احد مؤتمراته الصحافية مبررا التعذيب بحق السجناء قائلا " ماذا انفعل أنهم سجناء مدربون على عدم الأعتراف وقول الحقيقة ممايضطرنا لأتباع اساليب اخرى " ..كان هذا التصريح وطريقة الرئيس بوش المرتبكة في قوله سببا لأن تضج القاعة بالضحك ..ثم يظهر رامسفيلد وزير دفاع بوش قائلا " حسنا ، نحن نوفر لهم كل شيء ، ثلاث وجبات طعام والحمامات والرعاية الطبية وممارسة طقوسهم الدينية ..فماذا يريدون اكثر من ذلك ".

اما الضابطة (جانيس كاربنسكي) فلها قصة اخرى فهي كانت المشرفة على سجن ابو غريب كما جاء في افادتها وخلال عملها كانت هنالك اوامر اعلى من سلطتها لأباحة التعذيب وانها اصبحت كبش فداء تحت وطأة سيطرة الكبار وخاصة محققي السي آي اي الذين كما قالت كانت لهم اليد الطولى في صولات وجولات التعذيب ..اما هي فتقول عن نفسها وطاقمها انهم كانوا يعاملون السجناء احسن معاملة حتى انها كانت تشعر ان السجناء قد لايرغبون العودة الى ديارهم بسبب مايلقونهم من اهتمام وراحة في السجن الذي كانت تديره..

وتتواصل فصول الدراما لنتابع شهادات لجنة التحقيق التي شكلها قائد القوات الأمريكية في العراق الجنرال سانشيز برئاسة زميله الجنرال انطونيو تاغوبا في العام 2004 والذي اثبت قرابة خمسة عشر خرقا للقوانين في اثناء عمليات الأستجواب وبما في ذلك ممارسة صنوفا شتى من التعذيب ..

علماء نفس واطباء وعسكريون وساسة وضباط كبار وصغار وجنود وشركات امنية وحراس ومخبرون ومحققون هم كل تلك الجوقة التي القت على مسامعنا تلك الدراما الرهيبة الممثلة بالتعذيب الذي شرعته الأدارة الأمريكية تحت حكم بوش وصار قاعدة لاشك في اخلاقيتها وضرورتها من وجهة نظرها ووصمة عار في جبين مواثيق حقوق البشر .

نجحت المخرجة في ضخ ذلك الكم الهائل من الوثائق والتوصل اليها فضلا عن جمع كم كبير من المادة الفيلمية الغزيرة والمتنوعة لكنها نجحت في التنقبل بين فصول المأساة وكشف اوجهها ثم لتختار ذلك العنوان الجرئ لفيلمها (التعذيب صنع في الولايات المتحدة ) وكان الفيلم وعنوانه سببا كافيا لأمتناع القنوات التلفزيونية الفرنسية عن عرضه حتى اضطرت المخرجة (ماري- مونيك روبن)  الى عرضه على الأنترنيت ثم بدأ يجد طريقه الى المهرجانات .

...................................

ورشة سينما – خاص : بروكسل

وس 28-10-2010

 

Name:*
E-mail Address:*
Message:*
 
Please enter the code:

Note: Fields marked with * are required.