تحدثنا في رسالة سابقة عن سينما المهرجانات ، واشرنا الى اهمية المهرجانات ذات الميزانيات القليلة
والمتواضعة تلك التي تنظمها الجمعيات والمنظمات غير الحكومية ونوادي السينما وحتى الشركات ، وهي فصيلة من المهرجانات تحتل اهمية كبيرة في عرف البلدان المتحضرة ولهذا تشملها بدعم متواصل يضمن لها الأستمرار ،
حيث تنظم في انحاء العالم مئات من المهرجانات من هذا النوع وتسهم اسهاما كبيرا ومهما في تنمية السينما على صعيد دعم وتشجيع التجارب الواعدة من جهة وبث الثقافة السينمائية وتعميقها خاصة
في المدن والضواحي التي ليس بالمستطاع مد البساط الأحمر للنجوم ولا توفير الميزانيات الكبيرة.
من بين هذه المهرجانات العربية مهرجان قليبية لأفلام الهواة او للأفلام غير المحترفة ، هذا
المهرجان الذي احتفل بالأمس بانعقاد دورته الخامسة والعشرين هو واحد من التجارب العربية الجديرة بالأهتمام وتسليط الضوء عليه .عرفت هذا المهرجان شخصيا عن قرب وكان ذلك قبل ثلاثة عشر عاما عندما دعيت له
بصفتي عضوا في لجنة التحكيم الدولية ، ولم يكن لدي اطلاع مباشر على المهرجان الا من خلال ماكان ينشر في مجلة اليوم السابع التونسية حيث كنت واحدا من كتابها انذاك ...في تلك الدورة كان معي في لجنة التحكيم
عدد من الأسماء المرموقة عالميا من ابرزهم فيليب جالاديو مدير مهرجان نانت للقارات الثلاث في فرنسا انذاك و ماركوس شيفر مدير مهرجان همبورغ للفيلم القصير في المانيا والسينمائي الأسباني المعروف ستيبان
كاليكو اضافة الى كل من محمد ملص ، المخرج السوري و الباحث في السينما والكاتب التونسي طاهر الشيخاوي والكاتبة سعاد الوحيدي المقيمة في فرنسا وكان
من اروع المصادفات اني وجدت الأستاذ القدير هاشم النحاس قد حل ضيفا على المهرجان لغرض تكريمه وهو احد اساتذتي وقد تتلمذت علي يديه في بداية الثمانينات ولااستطيع تصوير تلك اللحظة العظيمة للقائي به بعد
قرابة ثمانية عشر عاما ، وشاركت في حفل التكريم و القيت كلمة في حقه امام جمهور وقف مصفقا وانا اعانقه على المنصة ، كانت لحظة فريدة لاتنسى .
لم يكن للمهرجان بساط احمر ، ولم تنتظر ضيوفه سيارات الليموزين في المطار ولا اسكن اولئك الضيوف في
فنادق فئة خمسة نجوم ، للأسف صارت هذه المظاهر هي واحدة من اسباب نجاح بعض المهرجانات عند البعض بسبب الأحساس بالرفاهية التي يتوق اليها البعض ولو لبضعة ايام ، وليس
جدية التجرية ، اتذكر اننا ذهبنا جميعا ، نحن لجنة التحكيم وادارة المهرجان وادارييه في باص واحد من تونس العاصمة الى مكان المهرجان حيث تقع مدينة قليبية في الشمال التونسي وتبعد قرابة مئة كيلوميتر، ووجدنا
جمهورا عريضا بانتظارنا اغلبه من الشباب ، وكانت العروض تتم في الهواء الطلق واقامتنا كانت في فندق لايتعدى النجمتين او الثلاث نجوم على مااعتقد ...
كان هنالك عمل كثير جدا ونشاط لايتوقف في النهار ، حيث تقام ورشات العمل في السيناريو والأخراج
والتصوير والحلقات النقاشية وفي المساء تقام عروض المسابقة الرسمية لعشرات الأفلام القادمة من انحاء العالم التي كان علينا مشاهدتها ، شعرت بالثقة التي كان يتمتع بها المهرجان ، فضلا عن
انه محاط بفضاء مميز لجهة احتضان المدينة له ، وتفاعل سكان قليبية ونابل مع المشاركين ، اتذكر مثلا اننا كنا خارجين من المهرجان يوما انا وماركوس شيفر و المصور الأنجليزي كريج عندما صادفتنا عائلة تونسية
ومباشرة دعونا لزيارتهم في اليوم التالي ، تكلموا معي بالعربية فاعتذرت من تلك العائلة بلطف وتعذرت بأن لدينا التزامات ، لكن الآخرين دفعوني لقبول الدعوة للخروج لبضع ساعات
من الروتين في البقاء في الفندق وبالفعل اصطحبتنا تلك الأسرة واكتشفنا ان رب الأسرة هو طبيب جراح مشهور لقبه ( خدار) على مااتذكر وامضينا معهم بضع ساعات جميلة ، ومرة حصل ان تأخرت في
الفندق وفاتني موعد العروض التي تقام في مكان بعيد عن الفندق وقد غادر الباص حاملا الجميع بعد ان اعتقدوا انني قد سبقتهم ، اصبت بالحيرة عندما وجدت الفندق مقفرا من ادارة وضيوف المهرجان ، خرجت الى الشارع
وماهي الا لحظات حتى توقف شاب يركب موتور سايكل ومباشرة سلم علي ودعاني ليوصلني الى حيث اريد وبالفعل وخلال دقائق وبسرعة السهم وصلت قبل ابتداء العروض وليدعوني صاحب الموتور سايكل وزملائي الى زيارة اسرته
ولنعتذر مرات ومرات ..مهرجان قليبية بعد ربع قرن وبأمكانات محدودة صار على مدى دورات انعقاده موضع ثقة كبيرة ، تدرب فيه وتخرج منه سينمائيون مرموقون مثل رضا الباهي و الطيب وحيشي واحمد
خشين وفريد بوغدير وسلمى بكار وغيرهم ، ويتقدم للمشاركة فيه سينمائيون هواة من العديد من دول العالم ، وليس مستغربا ان تجد رجلا في الستين من العمر مشاركا بفيلم في مهرجان للهواة ، هذا ليس عيبا ولا منقصة
الا في عرف اساطين الخرافات في بلادنا من اللذين يتطيرون ويصابون بالهلع من سماع كلمة (اجيال جديدة) ، و (مواهب واعدة) ، اولئك الذين يؤمنون بشكل مطلق بهرطقة ايقاف حركة الكون من اجل
سواد عيونهم لكي يبقوا هم فقط في الواجهة وكل البشرية في الظل وخاصة بسبب (فوبيا) الطاقات الواعدة الجديدة التي تنتجها او تعرف بها او تكرمها مثل هذه المهرجانات الصغيرة ومنها مهرجان قليبية الذي يستحق منا
تحية لمناسبة اكماله ربع قرن من الأستمرار والنجاح وبأمكانات محدودة... اتمنى لأصدقائنا وزوار الموقع المحبينلورشة سينماجميعاعطلات جميلة وممتعة...
كافة المقالات المنشورة في الموقع هي للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة
سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر
...........................................
حين يصبح شابلن هو العدو
ج. هوبرمان
ترجمة : نجاح الجبيلي
أحد السحرين فشل والآخر نجح :
لقد تحول أكبر مهرج محبوب في العالم إلى شخصية ملعونة جداً في الأرض التي اختارها للإقامة , وحين تطورت الحرب الباردة عام 1947 فإن المتسكع الصغير الذي خلقه
شابلن أصبح هو "السيد فيردو" الضخم المتزوج من امرأتين والقاتل المحترف الذي يقيم أود عائلته بالزواج من عدد من الأرامل الغنيات ثم يقتلهن .
إن فيلم "مسيو فيردو" الذي عرض هذه السنة في منتدى الفيلم في أميركا على مدى أسبوع كان عنوانه الفرعي "كوميديا الجرائم" وكما لاحظ الناقد الفرنسي آندريه بازان فقد قلب
عالم شابلن رأساً على عقب , والمتشرد السابق هو هنا موظف نزيه يعمل في البنك انساق إلى الجريمة بسبب انهيار سوق البورصة عام 1929 وبعد أن حكم عليه بالموت في نهاية الفيلم يعلن أن جرائمه لا تقل بشاعة عن
الجرائم التي ارتكبتها الحضارة الغربية "إني قاتل مبتدئ بالمقارنة معها".
عدّ شابلن فيلمه هذا ، وهو الأول بعد الحرب العالمية الثانية، من النوع الذي له علاقة بالأحداث الجارية , وبينما وجه الهجاء إلى هتلر في فيلم "الدكتاتور العظيم"- 1940
فإنه في هذا الفيلم كان يعلق على المذبحة التي ارتكبها هتلر والدمار الشامل الذي يخشى أنه سيعقبها .
إذ قال شابلن في مقابلة معه :" قال كلاوزفيتس أن الحرب هي الامتداد الطبيعي للدبلوماسية ويشعر فيردو بأن الجريمة هي الامتداد
المنطقي للتجارة" , لكن السيد فيردو هو أيضاً النتيجة المنطقية لأحاسيس شابلن عن الضحية كونه شخصاً مشهوراً وإنساناً.
وعلى الرغم من الشعبية الواسعة لفيلم "الدكتاتور العظيم" إلا أنه أثار الجدل أيضاَ ، فقد تم شجبه كونه دعاية للتدخل على أرضية مجلس الشيوخ , والاستقبال العاصف لفيلم "مسيو
فيردو" عكس كل من محتوى الفيلم وشخصية صانعه.
وخلال الحرب كان شابلن موضع نقد بسبب أخلاقياته- المتخذة زي الأبوة الحسية- وعواطفه السياسية , وبالنسبة للبعض فإن الاثنين يتطابقان , اتهم جون إي رانكن النائب الديمقراطي
من الميسيسيبي ، شابلن كونه شيوعياً و " مشهوراً بإغوائه للفتيات البيضاوات" , حتى أنه قبيل افتتاح فيلم "مسيو فيردو" في عام 1947 كتبت "هيدا هوبر" ، وهي كاتبة عمود في هوليود ، إلى "ج. إدغار هوفر مدير
"الأف بي آي" ترجوه منحها الفرصة لمهاجمة شابلن قائلة :" أنت تعطيني المادة وأنا أفجرها".
وتردد هوفر وكان لديه ملف ضخم عن شابلن بضمنه تقرير حديث يربطه باللاجئ السياسي المتطرف "هانز إيسلر" وبرتولد بريخت لكن فيلم "مسيو فيردو" الذي تأثر بالتأكيد بأفكار
بريخت في الهجاء الاجتماعي ، كان يحمل كارثته الخاصة .
ولتقديم فيلمه وهو الأول خلال سبع سنوات أصرّ شابلن على عقد سلسلة من المؤتمرات الصحفية ، وقبل العرض الأول راح يتسلى بالأسئلة الودية من الصحفيين الأجانب , وكان
العرض نفسه في مسرح برودواي في مانهاتن الذي أعيد تأهيله ، أقل تأثيراً , وهرب شابلن من المشهد بعد أن أجفله استهجان الجمهور وهمهمتهم .
وفي لقاء لاحق مع المراسلين في فندق "غوثام" واجه أيضاَ المزيد من الكراهية , فنصف الأسئلة تركزت على سياساته أو ولائه
الوطني , فقد أتهم بالتعاطف مع الشيوعية وتم استجوابه عن صداقته مع "أيسلر" الذي كان حينذاك الهدف الأول للجنة الأمريكية للتحقيق في النشاطات الشيوعية في هوليود .
وفي اليوم التالي تعرض فيلم "مسيو فيردو" لملاحظات سيئة عن سيرة شابلن وهوجم كونه غير مسلّ ويفتقد الذوق وصناعته رديئة ومريب أخلاقياً ، وحسب صحيفة "هيرالد تريبيون"
"إهانة للاستخبارات".
لكن مراجعات الفيلم كانت مختلفة في العدوانية , فبعد أن شخصّه "بوسلي كروثر" من صحيفة "نيويورك تايمز" كونه خطيرا وقاس
أساساً" إلا أنه حذر بأن "أولئك الذين توقعوا أن يضحكوا قد يجدون أنفسهم مستمرين في البكاء" وبالنسبة للبعض فإن الفيلم أصبح قضية.
كتب "جيمس أغري" دفاعاً عنه من ثلاثة أجزاء في مجلة "ذا نيشن" - على الرغم من أنه لا يفيد كثيراً كون المراجعة الإيجابية غير
الملتبسة جاءت في صحيفة "الديلي وركر" ("كوميديا لامعة سوف تثير رسالتها العميقة القلوب والعقول بالنسبة للناس المحبين للحرية في كل أنحاء العالم").
ظل فيلم "مسيو فيردو" يعرض أقل من شهر في برودواي ومباشرة بعد أن دعا مالكو المسرح المستقل في أوهايو إلى حظر وطني عليه ، سحبت شركة "يونايتد أرتستس" الفيلم من العرض ,
وطالب النائب رانكن في منتصف حزيران بنفي شابلن ؛ وبعد أن توقع شابلن أن يستدعى أمام لجنة مكافحة النشاطات ضد أمريكا ربط فيلمه بالتحريات المتوقعة , فأرسل برقية مفتوحة إلى رئيس اللجنة يقترح فيها بأن طرح الفيلم بسيط فقد كتب :" إنه ضد الحرب والمذبحة التافهة , إني غير شيوعي أنا معزز للسلام" .
القلة من الأفلام كانت مثيرة لاختلاف الآراء وفي اليوم الذي حثت فيه جماعة "جنود الحرب الكاثوليك" على استجواب فيدرالي
لنشاطات شابلن السياسية صوتت "الهيئة الوطنية للمراجعات" على كون "مسيو فيردو" أفضل فيلم لعام 1947.
غير أنه بالنسبة للمدافعين عنه من المثقفين فقد أحرز فيلم "مسيو فيردو" إيرادات قليلة تبلغ 162000 دولار في شباك التذاكر.
وبسبب إهانته رفض شابلن أن يسمح بإعادة إحياء الفيلم وفي الوقت الذي ظهر في مسرح بلازا في تموز عام 1964 وبعد أن استقر شابلن
في سويسرا فقد كان أسطورة لمحبيه واستقبل بالإثارة المتوقعة من الجمهور الواسع .
أعيد عرض الفيلم في غضون أشهر مع عرض الفارص الرؤيوية "د.سترينجلوف" وحملة السناتور باري غولدوتر المرشح الجمهوري فقد عزفت كوميديا شابلن السوداء على الوتر الحساس ,
و عزا أندرو ساريس الناقد من مجلة "فيلج فويس" هذا القبول المعاصر إلى شعبية السخرية المرة قائلاً "إذا كان جمهور عام 1947 كارها الضحك على القسوة في فيلم
"مسيو فيردو" فإن جمهور اليوم قد يكون في غاية اللهفة لذلك".
وبينما لا يتمتع فيلم "المسيود فيردو" بالوضع القانوني لفيلمي "البحث عن الذهب" و "أضواء المدينة" فإنه حاز تقديراً نقدياً
على مدى حرب طويلة غير مقبولة.
ومنذ ذلك الحين تضاءلت حظوظ
الفيلم ، وبعد أن علم منظم برنامج بروكلين للفيلم جيكوب فيرلين بأن حقوق الفيلم الأمريكية قد انتهت قام بإعادة إجازتها .
وقال السيد بيرلين ، 32 سنة بأنه قد اندهش من بصيرة الفيلم وهي تصف "السياسة العامة القاتلة" للحكومة والأرباح التي جنتها مؤسسات مثل هالبيرتون
وبلاكستون.
قد يكون عرض فيلم السيد فيردو جاء في الوقت المناسب مرة أخرى لكن جرأه طرحه تنبع من وقفة شابلن ضد البطولية أكثر مما تنبع من جدله ضد الحرب.
لا يوجد نجم خاطر بشكل كبير بصورته الشعبية أو تحدى الجمهور بصورة مباشرة , فإذا كان شابلن يستخف بهتلر بتحويله إلى "متسكع صغير" فإنه عمل شيئاً بالغ الإزعاج في جعل
"المتسكع الصغير" اجتماعياً.
ولاحظ بازان " إن وجود فيردو بالذات يجعل من ذلك المجتمع مذنباً" قبل أن يلقى مصيره فإن القاتل المدان يعود برقة إلى مشية "المتسكع" المميزة
. هل انحدرت الإنسانية إلى
هذا ؟
في المزحة الأخيرة من الفيلم يصبح من الواضح ، كما كتب بازان ، "بأنهم على وشك إعدام شابلن بالمقصلة!".