Cinema Workshop ورشة سينما

مفهوم الفلم اللقطه

 تسعون دقيقة من العرض  تروي ثلثمائة سنة من التاريخ الروسي

تصوير المشهد بلقطة واحدة رافق السينما منذ بداياتها الاولى

د. صباح مهدي الموسوي                                                                                                                   

الشكل العام والمألوف لبنية الفلم الروائي انه يتالف من فصول ومشاهد ولقطات . والفصل هو مجموعة المشاهد التي ترتبط بخط درامي واحد . والمشهد هو مجموع اللقطات التي ترتبط بوحدة الزمان والمكان . اما اللقطة  فهي اصغر وحدة دينامكية في البناء الفلمي تقع بين وصلتي مونتاج . وتتميز اللقطة كونها تمتلك متسع من التعديل والتغيير ضمن اطار السياق الذي توضع فية لتحديد المعنى المطلوب . وهذه القاعدة في بناء الافلام الروائية  والتي ارسى قواعدها المخرج الامريكي دافيد كريفث هي المعمول بها من قبل جميع صناع الافلام . والتي تقتضي تقسيم عناصر الحدث الى عدد من اللقطات وتصويرها من زوايا مختلفة ثم اعادة تركيبها وفق رؤيه تعمق من المضمون الدرامي والعاطفي للمشهد . بحيث كل ما كانت اللقطات قصيرة تكون اسهل من الناحية الاخراجية كما يمكن اعادتها اكثر من مرة ومن زوايا متنوعة . كذلك فأن اللقطات القصيرة مريحة جداً بالنسبة لاداء الممثل كما تسمح للمخرج والمونتير باعادة تشكيل الحدث بتاثير درامي اكبر . ولكن نجد هنالك العديد من المخرجين من يلجأ الى تصوير المشهد او اكثر من مشهد في لقطة واحدة ( وهذا مايسمى باللفطة- المشهد )  دون اللجوء الى القطع والاعتماد على المونتاج (الداخلي ) عبر استمرارية حركة الممثل وحركة الكاميرا . وذلك لاسباب عديدة منها تأكيد واقعية الحدث المعروض او زيادة التأثير الدرامي وفي احيان اخرى نجد هذة الرغبة عند المخرجين لابراز مهاراتهم الفنية وقدراتهم على التخطيط والانشاء والتكوين  من اجل اثارة دهشة المشاهد وخلق حالة من الابهار.

بدايات الفيلم اللقطة

ان تصوير مشهد او اكثر في لقطة واحدة ليس بالعمل السهل اذ يتطلب من العاملين بالفلم جهداً كبيراً وتركيز عالي وخاصة الممثل عندما يقف امام الكاميرا لمدة قد تصل من خمسة الى  عشرة دقائق وهو يؤدي دوره بالشكل الامثل والمباشر دون اللجوء الى اي من الوسائل المونتاجية  في بناء استمرارية حركته او حواره يتطلب هذا الموقف التحضير والتخطيط الدقيق لميزانسينية المشهد بداً من موجودات المكان الى رسم حركة الممثل الرئيسي ومعرفة ممثلي الخط الثاني ان وجدوا التوقيتات التي سيكونون فيها امام الكاميرا وهي  في حركتها لاداء ادوارهم . والمهمة الاكثر صعوبة في اللقطات الطويلة تقع على عاتق المصور الذي ينظر الى المشهد من منظار الكاميرا وعلية مراعاة التكوين في الصورة والمحافظة على توازن الكادر وانسيابية الحركة ودرجة والوضوح . ان تصوير المشهد بلقطة واحدة ليس بالشئ الجديد بل رافق السينما منذ بداياتها الاولى والمتمثلة بأفلام الاخوان لومير حيث لم يكن يعرف المونتاج وقتها  فجاءت افلامهم (وصول القطار ) و( غذاء الطفل ) و(رش الجنايني) وغيرها على شكل مشاهد في لقطة واحدة يعتمد زمنها على ما يستوعبه مخزن الكاميرا من الفلم الخام . هذا الاسلوب في التصوير فرضتها تقنيات الاكتشاف الجديد حينها ولايمكن مقارنته بما نشهده اليوم من تطور كبير في تقنيات السينما والتي فتحت افاق واسعة ومتنوعة امام صناع الافلام في تجسيد روآهم وافكارهم ومنها التصوير بالدورات الطويلة للكاميرا من اجل الوصول الى اقصى تأثير درامي وعاطفي على المشاهد ومن شواهد الافلام في التوظيف المبدع والخلاق للقطة الطويلة  فلم ( لمسة الشر) اورسن ويلز ثلاث دقائق وعشرون ثانية ، فلم (الحبل) الفريد هتشكوك عشرة دقائق وعشرون ثانية (زمن الفلم 77 دقيقة يتضمن ثمان وصلات مونتاج ربطت بشكل غير محسوس ) ، فلم (الضحية) اندرية تاركوفسكي ستة دقائق وخمسة واربعون ثانية ، وفلم (عيون الافعى) بريان دي بالما اثنى عشر دقيقة واثنان وثلاثون ثانية وهناك العشرات من الامثلة لمخرجين كبار .

90 دقيقة متواصلة

من خلال هذا التمهيد للقطة –المشهد اردنا الوصول للحديث عن فلم (السفينة الروسية ) للمخرج الكسندر سوكوروف الذي يعتبر حدثاً فنياً في تاريخ السينما .  تسعون دقيقة من العرض . تروي ثلثمائة سنة من التاريخ الروسي (منذ القرن السابع عشر الى عصرنا الحالي) تسرد من خلال الفين ممثل وثلاثة فرق اوركسترا تعزف يشكل حي وثلاثة وثلاثون موقع داخل اغنى واشهر متاحف العالم (آرميتاج) في سانت بيترسبيرج كل ذلك في لقطة واحدة مستمرة دون اي قطع مونتاجي . صور الفلم المصور الالماني تيلمان بوتنير بواسطة جهاز ستديكام  وبواسطة الكاميرا الرقمية عالية الوضوح سوني 900 أف . وقد كان امام العاملين في الفلم يوم واحد لانجاز العمل ونجح انجاز العمل في المحاولة الرابعة .

موضوعة الفلم ليس حدث اوحكاية تروى بالشكل الدرامي التقليدي . بقدر ما هو رحلة في حقب زمنية من تاريخ روسيا كل صالة في المتحف تعبر عن جانب من هذا التاريخ . وقد اعتمد المخرج في سرد الاحداث التاريخية على موجودات المتحف من نفائس الاعمال والتحف الفنية عبر الشخصيتين الرئيستين السارده الدبلوماسي الفرنسي الذي ينتمي لتلك الفترة الزمنية وشخصية المؤلف المعاصر . وقد تضمن الفلم في سرده لهذا التاريخ على اعادة تمثيل بعض الاحداث ابان الامبراطورية القيصرية مثل بيوتر الكبير ، زوجة القيصر كاترين ، عائلة رومانوف ، ميكواى الاول والثاني .

بغض النظر عن ما اراد المخرج سوكوروف قوله من اعادة تاريخ روسيا من خلال هذا البعد الثقافي والفني . فأن الشكل الفني الذي تم سرد احداث هذا التاريخ مثير ومدهش دلل فيه كل من المخرج والمصور عن امكانيات وقدرات عالية شكلت فتحاً جديداً في عالم السينما.  فالمهمة التي اضطلع بها تيلمان مهمة صعبة ودقيقة تتطلب الى جانب الخبرة والتجربة مهارة خاصة .   فعلى مدى تسعون دقيقة تجول الكاميرا اروقة و صالاته المتحف ومتابعة حشود الممثلين في موازنه مذهله في التوقيت بين حركة الكاميرا واداء الممثلين دون الوقوع في اي خطأ سوى من المصور او الممثل في حركتهما . في الوقت الذي استخدمت جميع اشكال حركة الكاميرا و وجهات النظر وخاصة تلك الحركات المزدوجة (تراك وزوم ) للحفاظ على وضوح عمق الصورة . وبرزت مهارة تيلمان اكثر في سيطرته على انسيابية حركة الكاميرا المستمره تسعون دقيقة ومحافظته على موازنة الكادر و وضوح الصورة . اما البناء التشكيلي للاضاءة فكانت طبيعية بما يتلائم واجواء المكان .

 المخرج سوكوروف

اما المخرج سوكوروف بالرغم من سمعته العالمية التي اكتسبها من خلال اعماله الروائية والوثائقية . قد يكون غير معروف عندنا . فهو سينمائي مبدع ومتجدد وضعت الاكاديمية الاوربية للفلم  اسمه ضمن قائمة افضل مئة من المخرجين في العالم . حيث استطاع خلال العشرين سنة الماضية من انجاز اربعين فلما روائيا و وثائقيا وحصل على العديد من الجوائز في المهرجانات العالمية ( لوكارنو ، ابرهاوزن ، روتردام )  ما يميز سوكوروف ان اعماله غير تقليدية على مسستوى الشكل والمضمون ويبدو علية بشكل واضح تاثير ملهمه واستاذه اندرية تاركوفسكي وتاثير الاعمال الطليعية والوثاثيقة (افلام روبرت فلاهرتي ) لذا تجد اعماله متداخله ومتارجحه بين قطبي الواقعي والمتخيل . كتب عنة الناقد البولوني يجي بواشفسكي (بانه فنان جامح الخيال والرؤيه حد الجنون ) اضافة الى ذلك فان جذوره الممتده الى عمق الثقافة السينمائيه الروسيه اهلت مخيلته على الاستكشاف والتجديد في معالجاته الفنية ففي فلمه  السفينة الروسية تبدو واضحه قدراته الاخراجية من خلال دقة التخطيط والتنظيم للحركة والسيطره على قيادة وتوجيه الممثل في رحله في الزمن تمتد ثلاثة قرون استطاع تكثيفها بتسعون دقيقة وبنفس واحد كما اسماه سوكوروف . بقية ان نقول ان المتعة الحقيقيه بهذا الفلم تتطلب معرفة مسبقة بالتاريخ الفني والفلسفي للثقافة الروسية .

..................

استاذ جامعي وناقد من اسرة كتاب ورشة سينما – خاص

وس اص 6 25-9-2009