Cinema Workshop ورشة سينما

سينما القارات

فيلم " دم   شاعر"  لجون  كوكتو ..توثيق  الحلم و الهذيان
 
حميد  عقبي
الكتابة  عن  جون  كوكتو  ليست  بالامر  السهل  و مشاهدة  افلامه  ايضا ليست  سهلة و لكنها  ضرورية  و  فرض  واجب  على  اي  سينمائي بغض  النظر  عن  اي  اتجاه  يريد  ان  يسلكه,  كوكتو  لا  يرى  في   السينما  مساحة حكائية  او  لون  ادبي  روائي ,    السينما بالنسبة  له مساحة  للحلم و  الهذايان  و  التوغل  في  العالم  الميتافيزيقي  و  هي  توثيق لغير  المرئي و الحلم  و الجنون توثيق  واقعي  للا واقع .  
في   الكثير  من المناسبات  كوكتو   يقول  بانه  ليس   سينمائي و انه مجرد شاعر يستخدم اللغة السينمائية كاداة لعرض  الشعر , و كوكتو لا يحب الحلم و ليس لديه  نزعة  بسيكلوجية و انما ينتصر  للحلم  الذي  ياتي في حالة  النعاس اي  احلام اليقظة او الهذيان , كان كوكتو  في فيلم" دم شاعر" يريد  فيلم تحريك بنزعة تشكيلية او  شعر صوري و هو  يعتبر  السينما  حالة من  الحلم  واقفا اي  في حالة  بين  اليقظة و المنام.
اي  هي  حالة تشبه تلك  الحالة  التي  يمر  بها  الشاعر خلال  كتابة القصيدة فهو  ليس نائم او  يقظ و هو في  الواقع لكنه  يرى  ابعد من  الواقع و يحلق في  العالم  الميتافيزيقي  يحس به و يصوره بشكل واقعي و نحن  عند قراءة  القصيدة قد لا نفهمها للوهلة الاولى  ان كنا ننتظر من  الشاعر  ان يحكي عن موضوع او  قضية بشكل منطقي متسلسل.
قد  تبهرنا قصيدة  ما ببلاغتها و اختيار الكلمات و اثارة الاحاسيس و لمس  الهموم  اليومية و لكن  سرعان ما يذهب هذا  الانبهار و  الاعجاب و تصبح عادية  حتى و ان حملت  نقدا لاذعا لحالة  اجتماعية او سياسية.
كوكتو اختار  اسلوبا  تشكيليا و صورا ايحائية و اعتمد  على  استعارات ذات  معاني  لا محدودة و عمل  على  عدم تدفق الصور  بشكل  سلس منطقي  مفهوم و حاول  اعاقة  ان  تنتج صوره معاني  محسوسة و مارس  الحذف  و  التوغل  في  الغموض كي  يربكنا و يفزعنا و يدخلنا   في  دائرة المتاهة.
لم  يكن لدى  كوكتو  الرغبة  في  البروز كسينمائي و لم يكن  فيلمه  الاول "دم  شاعر" تجرية  سينمائية او  خطوة نحو  الفن  السابع  كان  مجرد  رغبة  شعرية للايغال في  العالم  الميتافيزيقي  باسلوب  اخر اي  باستخدام  اللغة  السينمائية  و ادوات  التعبير  السينمائي  و لعل هذا ما يجب فهمه و نحن نستعد لمشاهدة هذا الفيلم.
لا يمكنننا  ان  ننكر انه من  اعظم شعراء  القرن  العشرين و تميزه اكثر  بوقوفه خلف  الكاميرا بكل  حرية, وقف  كوكتو  كمبدع لخلق  فيلم غير واقعي  بين  الحلم و الواقع  و عنف اللذة و  التعرف على  الموت كان  حاضرا بل  احد الشروط الاساسية و العنصر  الاهم بهذا  الفيلم.
من  هذا  الفيلم وضع كوكتو الاسس الاولى لبقية  افلامه  الاخرى المستقبلية و سنجد ان  بقية  الافلام الاخرى مثل " اورفي " و "الجميلة و الوحش"  و غيرها   مجرد امتداد لهذا  الفيلم  فمثلا المرآة التي سوف  يخترقها  الفنان  ليكشف العالم  الاخر سوف  يقوم  اورفي  باختراقها للنزول الى  الجحيم و هذا  التمثال الذي يتحدث و يغري  الفنان  سوف  نراه في  فيلم  "جميلة و الوحش "و هذه  المعركة التي  تدور  بين  الاطفال باستخدام  كرات  الثلج سوف  نراها  في  فيلم الاطفال  السيئون".
نجد انفسنا  في  هذا  الفيلم امام  شاعر سينمائي نكتشف معه  الاساطير  الانسانية,  كوكتو خلق في  هذا  الفيلم صور  مليئة بالشعر و الخيال  الطفولي  لكنها  مظلمة نكتشف العالم  الداخلي  انساني بشكل  فنتازي,  هنا يختلط  الكابوس  مع  الاحلام  الطفولية و فضاعة و قسوة  الموت  مع  اهتزاز الرغبة و اللذة الجنسية.
كوكتو  فنان يمكنه  ان  يتحمل الالم و يعطي في  عمل الابداعي كل ما  لديه  من  روح و يضحي باخر  قطرة  من  دمه  لترسم  او  تلون  لوحة او صورة  جميلة ,  رغم توافر جميع  العناصر من ديكور و عناصر  انتاجية اخرى الا   ان استخداماتها  جميعا كانت  بشكل معاكس  و ضد  خلق سرد قصصي او حكاية  سينمائية, ابتعد المخرج عن المعاني المحدودة الكلاسيكية و خلق الصور من وجهة نظره الخاصة كشاعر.
كوكتو استخدم  السينما كوسيلة  لعرض ما يدور  في اللاوعي  , هي  وسيلة  للخيال و اعظم تجربة للهذيان  , ربما كان  الدافع  المهم و  الاساسي من  هذا  الفيلم ان  يستعيد  الشاعر ذكريات طفولته ثم  طفولة  السينما فالجزء  الاول  من  فيلمه يقترب  كثيرا من  جورج ميس و الابعد من ذلك ان  يستعيد طفولة  الانسانية حيث كان  الخيال هو  الوسيلة  الوحيدة لاكتشاف الظواهر و فهمها دون  الاعتماد على وسائل  تقنية او ادلة محسوسة.
في الفيلم   نتحاور مع الحب و الملائكة و الموت و الشيطان و هي قضايا شغلت التفكير الانساني البدائي و استخدم خياله لتفسيرها و رؤيتها و التعامل  معها و رغم  التطورات  التقنية و المادية  حاليا  الا ان  الخيال  يظل  المرجع الاول و المهم   في  فهم  هذه الاشكاليات  الفلسفية مثل  الاله و الحب و الموت و الروح و غيرها من القضايا  التي مازال العلم  المادي المحسوس عاجز على اثباتها, فيلم  "دم  شاعر" ليس  فيلما  سهلا يمكن لاي  شخص فهمه و تذوقه بسبب صعوبة التركيب و الاسلوب  السوريالي الساحر.
العديد  من  اللقطات نشاهدها في  الجزء الاول  من  الفيلم نشاهدها عبر  ثقب  الباب و يبرر  كوكتو  هذا   الاجراء  بانه  في  فيلم "دم  شاعر" حاول تصوير  الشعر و ايضا  التوغل  في  دواخله,  لم يكن  لديه  الرغبة او  مهمة  سرد
 قصة ما معينة بل  كان  هذفه خلق و اظهار الصور  التي  باعماقه و خيالاته و الصور و الافكار  المرتبطة مع  عالمه  الداخلي.
جودة الفيلم  تاتي من  خلال هذه  اللغة الصورية ذات النزعة الشخصية و الصور  مجرد شاهد عيان على ما يدور بالداخل و كوكتو لم يعرض مجرد صور قد تفرح المتفرج او تجذبه كون كل صورة  ذات معاني لا محدودة و مفتوحة  الافاق و لا يمكن ادراكها دون استخدام  الخيال . يتكون  هذا  الفيلم من  اربع  اجزاء و هي  تضع اسئلة مهمة حول  العلاقة بين  الصورة و النص  بطريقة شعرية محضة و صافية  السينما  هنا  هي  افضل وسيلة تعبيرية من اجل  التعبير عن ما يدور بالداخل و هي افضل من استخدام الحبر و الكتابة.
مهمة  الشاعر الشاعر  السينمائي ليس  اظهار  الواقع  الظاهر  او  السطح الواقعي عليه  التعمق و البحث  عن  الحقائق بكل  حرية, و لذلك  تعامل  كوكتو مع  المكان بشكل  مختلف و لم يكن غرضه العرض بل  التمعن و التعمق  لقراءة المخفي و  الاشياء  غير  الظاهرة و  التلاعب  بالزمان باستخدام  ادوات التعبير  السينمائية  المختلفة مثل  السرعة و البطئ  و الحذف و اختيار زوايا  الكاميرا و مواضعها و حركتها  لم  يكن يقصد اظهار  حكاية بل  لتدمير  البنية الحكائية و اضفاء نوع  من  التشويش و الغموض  المقصود.
العالم في  فيلم " دم  شاعر"  مقسم  الى  جزئيين : الاول  داخلي (هي تلك  الاحداث و المشاهد عند  دخول  الشاعر الى  العالم  الغيبي ) و الثاني:  (خارجي هي  ما  يحدث بعد ذلك خارج  المرآة) اي  ان  الواقع  الخارجي  ما  هو  الا امتداد للداخلي و  الغيبي غير  الظاهر, العالم  الخارجي  الظاهر لا يحوي  جميع  الحقائق و الحقائق  الصحيحة  هي  موجودة  بالداخلي  و هي  موجودة  بالشعر و الحب و الحرية و الخيال.
علينا  الان  ان نحاكم هذا  الفيلم كانتاج  ادبي او  وفق معايير  السينما  الروائية و الواقعية كوننا  بذلك  نفقد العنصر الاهم من  جمالياته و روعته  نجد  مثلا بالنسبة  لعنصر  الزمن هناك  توقف امام بعض  الصور و هناك  لقطات  تسير  بشكل بطيئ و دون  تبرير و تكرار  لمشهد الموت  مثلا  و  الانتقال  من لقطة  الى  اخرى ليست  محكومة بنظام منطقي و ما يحكم  المونتاج  هي  ذكريات  الطفولة  الشخصية للمخرج و  يعرض  لنا  الاحداث من  وجهة  نظر  هذه  الرؤية  الطفولية  المشحونة  بالرغبة و الالم ,و هو يرفض الرموز و الشكليات الجمالية و يبحر  اكثر في  العالم  الخيالي و هو  يترجم بشكل  بسيط رؤية اللاوعي  في  لغة صورية و هو لم يكن هدفه تصوير مشاهد واقعية بل  استعادة و اعادة  عرض ذكريات  الطفولة  بشكل غير مباشر و مهزوز.

....................

ورشة سينما – خاص : باريس

و س 13-3-2010