Cinema Workshop ورشة سينما

سينما القارات

كوكتو كوكتو

العمق  الميتافيزيقي  في فيلم " الجميلة و الوحش"  لجون  كوكتو

 حميد عقبي

 رغم ان فيلم  "الجميلة و الوحش" من الافلام التي  يمكن القول انها روائية  و يمكن  الاحساس  فيها  بسهولة  الخط السردي ,  لكن  الفيلم من خلق شاعر لم يتنازل يوما عن  صفة الشعر في اي عمل فني قام به , فهو يحوي عوالم غرائبية  عجيبة و يتوغل بنا الى عالم ميتافيزيقي مدهش يصوره بطريقة جميلة  و يثير من خلاله اسئلة عديدة حول الملائكة و الشياطيين والله والموت والحب .

 في هذا الفيلم  نجد  كوكتو قريب جدا  من الانسان اكثر منه من الحيوان , فالوحش هنا  يمتلك  قوام الانسان حيث يمتلك وجه وحش او اسد و لديه بعض التصرفات الحيوانية ,  فهو يشرب من البحيرة بفمه كالحيوان , و لكننا  حينما نركز على عيناه  التي يطلب منا عدم النظر اليها عندما يقول للجميلة  'عليك عدم النظر الى عيناي', و هو هنا يلبس قناع او تم الباسه قناع و جسد وحش , لكن يمكننا  ان نستشعر بالحزن و الالم و الاضطراب و القلق الانساني في وجهه , حتى  في  الحالات  التي  يظهر  فيها  متوترا و ثائرا و خارج   النطاق  كانسان ,  كما  نراه  في  احد  المشاهد  و الدم  على  قميصة  الابيض  و الدخان  يتصاعد  منه , و  هو هنا  يدفع  ضريبة  قاسية  و مؤلمة  و  يبحث عن  الخلاص و  لا  خلاص  من  هذا  الجسد  و البشاعة  الا  بالحب ,  فالحب  وحده  هو  المنقذ   ليس  للوحش  بل  للبشرية  جميعا ,  و هنا  جسد  الوحش  ليس  مجرد  فعل  سحر او  دفع  ضريبة ذنب  قديم  بل  هو  يحمل  جسدنا  يحمل  صورتنا  الحقيقية  كبشر  نخوض  الحروب  و ندمر  الطبيعة  من  اجل  مصالح  مادية  بحته , و هو ربما  يكون اطهر  روحا  من  اشخاص اخرين يحملون اجساد  جميلة  و جذابة  و لكن  ارواحهم  بشعة  و شريرة و لا يعترفون الا  بالمادة و مصلحتهم  الشخصية .

 ان  يبلغ  الانسان  منتهى  السعادة  فلا  يعني  توفر  وسائل الرفاهية  و الفخامة  و الامور   المادية ,  فقصر  الوحش  يزخر باشياء  عديدة  باهرة  و مغرية و تفوق  الوصف و الخيال و لا  توجد مشكلة  في  الاكل و الشرب , فالقصر عالم  مدهش و ساحر و فخم  بستائره  و تماثيله و  وسائده , و عندما  تدخل  الجميلة  لغرفتها  قد  نحسدها  على  هذه  الغرفة  الفخمة و كانها ركن  من  اركان  الجنة و كل  شيء  يصبح  بيدها  ذهب  و جواهر و بيد  الاخرين  فحم  لا قيمة  له , و لكن  القيمة  الحقيقية  للقصر  هي قدوم  الجميلة  و اقامتها  فهي  تبعث  الحياة  في  كل  ركن و تعطي  لكل  زاوية من  القصر  اهمية  و تحرك  الاشياء  الجامدة  بحركتها و جمالها  الروحي  و  ليس  جمالها الجسدي .

 ان  قدوم  الجميلة  لهذا  القصر ليس  لانقاذ  الوحش وحده  من  هذه  العزلة , و هذا  القدر  بل  جاءت  لانقاذنا جميعا  من  بشاعتنا و محدودية  تفكيرنا و كي  تعطينا  تصور اخر حول  الحياة والحب و الاخلاص و التضحية  و الصداقة واحترام  حياة  الاخر بغض النظر عن  صورته  و جنسه و شكله , و كم نحن  بحاجة  في  عالمنا  اليوم لادراك  هذه  المعاني  الانسانية و التي  من  المفروض ان تكون رسالة رجال الدين , و لكن  منهم  من  خان  الرسالة و اصبح  يتحدث عن نفسه  و مطامعه  و يستغل الدين  لخدمة  شهواته  و ملذاته .

الجميلة  هي   صورة  المنقذ  و الذي  لم ينتظر التحول و الطيران الى السماء و مغادرة  هذا  العالم  الى عالم اخر كله  نعيم و جمال  و بهاء ,  هي  بهذه  التضحية  و الرجوع  للوحش رغم  انها  كان  بمقدروها البقاء  في  بيت  ابوها  لكن ضميرها  لم  يسمح  لها  بموت  روح اكتشفته و احبته و لم  تدرك  حبها  الا  بعد الابتعاد  عنه  و الرجوع  للواقع بكل  متناقضاته,  حيث  اخواتها لا  يؤمنون  الا بالعالم  المادي و لا  يشعرن  بروعة  الروح  و الحب و حتى ذلك  الشخص  الجميل  الذي يعشقها  لا  يرى  فيها  الا  الاميرة  وجسد  و وجه  جميل فلم  يشعر يوماً بروعة ونقاء  روحها .

في  هذا الفيلم  يلبس الشيطان  وجه  و جسد  الملاك  اي  افينون  و الملاك  يلبس  وجه  و جسد  الشيطان  اي  الوحش ,  و كان   لابد  من  عودة  الامور  لنصابها و لكن كان  ذلك  يحتاج لمعجزة ما  و الجميلة هنا  هي  المعجزة .

ان  الانسان  في   حال  امتلاكه  روح  صافية  و صادقة  قادرة ان  تغيير ما  تعجز عن  تغييره  الالة  او ما  شوهته الالة بسبب  قسوتها  و انانيتها و غرورها  ,ان  العالم الميتافيزيقي  لدى  كوكتو ليس عالم  واحد  بل عدة عوالم  متداخله  و اشبه  بدوائر  داخل  دوائر , و اكتشفنا  جزء  من  هذا  العالم  خلال  رحلة  الاب  و ضياعة  بالغابة  ثم  دخوله  القصر ,  لكن متاح لنا  رؤية  هذا  العالم  من  خلال  وجهة  نظر  الاب , و كان  لا بد  من  وجود  و ظهور  الجميلة و  التي  من  خلالها  نكتشف  هذه  السحر و  الدهشة فهي  وحدها  من  يقودنا  الى  الحقائق و هي  وحدها  من  يعيدنا  لطفولتنا بروعتها  الخيالية  الساحرة .

ان   جون  كوكتو يمتلك  وعي  بل عبقرية  في  استخدام الفن السينمائي  بشكل  تعبيري  مدهش و شعري بحت و نجد  استخدامته  للاضاءة و الديكور داخل القصر اكتشاف  مدهش  يمكننا  ان  نتعلم  منه و  ليس  مجرد سرد  قصصي  او حكائي  نستمتع بمشاهدته ,  فقد  تعمد  المخرج  اخفاء  اشياء  عديدة  اكثر  من  اظهارها  باستخدام  الضوء  و  الظلام  و  في  الوقت  الذي  كنا  نشعر  انه  سيظهر  شيء  ما , فهو  يقوم  باخفائه  او  يمارس  لعبة المسح  و  التظليل  كرسام  تشكيلي  اكثر  منه  سينمائي .

 الفيلم السينمائي  لا يعني حبكة محكمة  او  صراع  جذاب , بل  يذهب كوكتو ابعد من ذلك محاولا الامساك  بالمجهول و الغير مرئي  و تصويره  في  قوالب  شعرية مثيرة  للجدل و  محفزة  للخيال و لا يعيق التصوير المرئي عنصر  الخيال ,  و المتفرج  الذي  يشاهد  جون  كوكتو  فهو  بحاجة  ايضا  لتحريك خياله  و الاحساس بهذا  العالم  المدهش  و الساحر و  ما  يحتويه  من  معاني  لا  محدوده  كون   كوكتو  في  كل  اعماله  كان  يبتعد  عن  اي  صورة  تعطي  معنى محدود او  تأطيرها  في  اطار  ضيق يعترف  بالزمان و المكان .

كوكتو  هنا  في  هذا  الفيلم استخدم  مجموعة  من الادوات  المدهشة  و الساحرة  للاحساس  بالعالم  الميتافيزيقي   مثل  الحصان  الذي  ينقلنا  من  مكان الى مكان  و من  زمان  الى  زمان , و المرآة  التي  تجعلنا  نقدر  تجاوز هذه  الحدود ,  و المفتاح , و القفاز , هذه العناصر  ليست  مجرد  اشياء ساحرة  بل ايضا  تكمن  دهشتها  في  الزمن  الذي  سيتم  فيه  استخدامها  ,فهي  نافذة  للمعرفة  و هي عامل  للانتقال  و هي عنصر فاعل و مهم ليس  لمجرد  انتاج  فعل  درامي  بل  من  اجل فعل  انقلاب  روحي  و انساني .

 في  هذا  الفيلم  نحن  امام   ثلاثة  عوالم , العالم  الاول  هو  عالم  الواقع  بيت  الجميلة  بما  فيه  من  صخب  و قلق  و  مهانة  للروح  اي  للجميلة  التي  تعمل  كخادمة  , المكان  الثاني  هو  القصر  العالم  الخيالي احلام الساحر  , العالم  الثالث  هو  الغابة  حلقة  الوصل  بين  هذين العالميين المتباعديين و المتنافريين .

يدعو المخرج هنا  الى  فعل  شيء  ما  من اجل احداث تقارب بين العالم الواقعي  الساذج و المتعب و العالم الروحي و الميتافيزيقي المدهش  و الساحر ,  و دون  وجود  هذه  العلاقة  و  التواصل سيكون  مصير الانسان  بائس و حزين  و مخزي  لعل  هذه  اهم  رسالة  يمكننا  ان  نشعر بها  و نقرئها  من  هذا  الفيلم  لهذا  الشاعر العملاق و الرائع .

...............................

من اسرة كتاب ورشة سينما : خاص – باريس

وس20-4-2010

جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر ..