سينما القارات

جماليات الصورة في سينما انجمار بيرجمان
القراءة التشكيلية للواقع واستخدام اللون والضوء في اللقطة
حميد عقبي
انجمار بيرجمان يحكي في بعض كتاباته انه كان يحلم كثيرا و هو وراء الكاميرا و يصور وجوه شخصيات افلامه و كأنه يرى هذه الوجوه من خلال الكاميرا و يرى في احلامه انه وسط كادر العمل , اي ان العديد من احلامه كانت تصب في المجال المهني و كان يمرر معظم احلامه في العديد من افلامه و لعلها اي الاحلام كانت احدى اهم مصادر التكنيك السينمائي في افلامه و لذا كثيرا ما نرى صورة الوجه بلقطة قريبة جدا و كذا تقسيم الوجه و تجزئته مثلا اظلام جزء و انارة الجزء الاخر و التركيز على تفاصيل عديدة في الوجوه مثل الشفاة و العيون و الفم و قراءة الوجه بشكل فني تشكيلي . بيرجمان لم يمتهن السينما كحرفة و مهنة لاكل العيش بل كانت بالنسبة له اداة تعبير يكتشف بها ذاته و يعبر عن ما يدور بدواخله من هموم و شكوك و حقائق , بل كانت اداة لنقد الذات و التخلص من الكوابيس و من خلالها كان يحاول التعرف على نفسه و مجتمعه و العالم المحيط به بما يحويه من تناقضات و صراع , كل شخصية تحمل جزء منه فهي منصة الاعتراف و هي تعكس العمق الانساني و تعيده الى مرحلة الطفولة و من خلالها يرى وجه الموت و يجادل الالهة و الملائكة و الشياطيين و يصور الجنة بنعيمها و النار بقسوتها و المها , الصورة بالنسبة له اداة لاكتشاف العالم اليمتافيزيقي و اظهاره بشكل مادي و الابحار فيه و اكتشاف اسراره مع اضفاء هالة من السحر و الغموض و التعقيدات و لكن لغرض اتاحة الفرصة للمتفرج كي يشارك بشكل ايجابي و يخوض هو الاخر في هذا العالم المدهش و الساحر , فتصوير العالم الميتافيزيقي لا يعني صورة محددة و مفهومة و قاصرة و هي لا تعني صورة في برواز ضيق كون بيرجمان يعرض القليل جدا و يدع مساحة كبيرة خارج الاطار و قد يكون في بعض الاحيان ما يوجد خارج الكادر اهم بكثير مما يوجد داخل الكادر .
الظاهر لنا و هو يكسر الحواجز بيننا و بين العالم غير المرئي و لكن بطريقة ذكية و شعرية مقلقة و مفزعة في الكثير من الاحيان. الصورة في افلام بيرجمان لا تاتي لتصور و تعبر عن موقف درامي او من اجل احداث تاثير وقتي بل هي اكثر من ذلك كون بيرجمان كان يغوص في العمق الانساني بكل بساطة و كان يتعمق في التراث الثقافي السويدي بشكل مدهش و لم يكن يهمل الاساطير و النصوص الدينية و الحكايات الشعبية و ذلك للاقتراب اكثر من الانسان و البحث و فهم الكون و القضايا الاشكالية المعقدة و الغيبيات , كل صورة بالنسبة له هي بحث عن الحقيقة و ذلك طمعا في الوصول الى الحقيقة المطلقة و الصورة ليست عرضا مجردا لفلسفة بل هي رؤية فنية متجددة و كانت الكثير من افلامه اشبه برغبة في الثورة و الرفض لبعض التقاليد و خصوصا التقاليد الدينية و البرجوازية . كان حريصا على الابحار في فكر و اعماق شخصياته و التلاعب بين الواقع و الفنتازيا بين الماضي و الحاضر بين الحلم و اليقظة بين الصحة و المرض بين الحياة و الموت بين الداخلي و الخارجي , الصورة بالنسبة له وسيلة للاحساس بالروح بل و تلمسها و اتاحة الفرصة لها لتتحدث و تتحرر و تغادر الجسد ان شعرت ان الجسد يسجنها , الصورة في سينما بيرجمان اداة للروح الانسانية كي تعبر عن قلقها و خوفها سعادتها و بحثها عن عالم اكثر اتساعا و رحبة و محاولة للتطهر و الخلود. كان بيرجمان يهتم بادق التفاصيل داخل اللقطة و يركز على الاشياء و الادوات و الاكسسوارات و يحرص على اختبار كافة الاحتمالات و لا يدع اي امر للصدفة , يختار الالوان بدقة و كثيرا ما كان يميل الى اللون الاحمر و خصوصا في فيلمه "صرخات و همسات" و كان يميل ايضا الى اللون الاسود و الابيض و خلق ظلال و الميل بعض الاحيان الى الظلام و تفجير الضوء و عكس ضوء قوي احيانا على العدسة و كمثال لذلك في فيلمة" الشخصية" و خصوصا البداية فهي مثيرة و هذا التلاعب بالضوء و جعله في بعض الاحيان يقهر عدسة الكاميرا ناتج من احساسه بماهية و جوهر السينما باعتبارها فن تشكيلي معبر و عكس الصراع و التناقض بداخل النفس الانسانية و محاولة للبحث عن الروح و الامساك بها و تصويرها بشكل مادي و محسوس و اللحظات العسيرة التي يمر بها و خصوصا تلك لحظة مغادرته للجسد و لذا الاشتغال على الجسد الانساني و التركيز على الوجه البشري ليس الا وسيلة للبحث عن الروح و اكتشافها. في افلامه كان يميل بيرجمان على الاشتغال على العناصر خارج الكادر و تصويرها بشكل ايحائي و جعلنا نحس بها و نتلمسها باستخدام وجهة نظر الشخصية و اظهار تعابير الوجه الموحية و الحوار و كذا المؤثرات الصوتية و هنا يتيح للمتفرج المشاركة بخياله لرسم الصورة و الحدث خارج الكادر و هناك شخصيات كثيرة موجودة و فعالة بالفيلم لكننا لا نراها بشكل مادي و يمكننا ان نتصورها نحن و نحس بها و نتفاعل معها , يميل بيرجمان الى الاستعارات و الحذف و الدلالات باعتبارها ادوات شعرية و جوهر الفن السينمائي كفن تعبيري صوري بالمقام الاول و ليس فن حكائي و لذا يخلط الحلم بالواقع و ياتي الحلم ليشتت الواقع و يحدث نوع من الارباك في المسار الدرامي و يحدث نوع من الخلط كمثال لذلك في فيلمه "الفراولة البرية" و الحلم هو العالم الساحر الحقيقي و المعبر عن الواقع بل و الفاضح للشخصيات و واقعها فهو يعريها و يفضحها و يكشف قلقها و اضطرابها و يغوص في العالم الميتافيزيقي بلا حدود و لذا فالصورة السينمائية البيرجمانية لا تحمل معنى محدد و قاصر و تتفوق على الواقع و تتجاوزه الى ما وراء الواقع و لنقل الى عالم السحر و الجنون و الدهشة و الشعر . يتبع
……………………………………………………..
ورشة سينما – خاص : باريس
و س 1-10-2010
المقال للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر
Cinema Workshop
ورشة سينما
