Cinema Workshop ورشة سينما

سينما القارات

"أريك رومر" المخرج المحافظ في الموجة الجديدة وصاحب السلاسل السينمائية

ديف كير

ترجمة: نجاح الجبيلي

يعد المخرج والناقد السينمائي أريك رومر، الذي توفي الاثنين 11 كانون الثاني 2010    في باريس عن عمر 89 عاماً، من الشخصيات الرئيسة في الموجة الفرنسية الجديدة، وقد أخرج أكثر من خمسين فيلماً بضمنها "ليلتي في مود" الذي رشح للأوسكار في حينه.

  ومن ناحية جمالية ربما يعد رومر العضو الأشد محافظة للموجة الجديدة، وهي الحركة المؤثرة عالمياً التي قادتها جماعة من النقاد الشباب المكافحين ومن بينهم جان لوك غودار وفرانسوا تريفو، الذي استفادوا من كتاباتهم في منشورات مثل "آرتس" و "كاييه دو سينما" في مهنهم كصناع أفلام بدأوا في أواخر الخمسينيات.

  ولكونه روائياً سابقاًُ وأستاذا للأدبين الفرنسي والألماني كان رومر يؤكد على الكلمة المكتوبة والمقروءة في أفلامه في وقت كانت فيه الأذواق – ويعود الفضل قليلاً إلى كتاباته الرائدة عن ألفريد هيتشكوك و هاورد هاوكس- بدأت بالانتقال من الإعدادات الأدبية إلى أفلام نوعية متجذرة في الأشكال البصرية القوية.

  وفي تصريح للرئيس الفرنسي نيكولاس ساركوزي قال إن السيد رومر " كلاسيكي ورومانتيكي ، حكيم ومحطم للتقاليد، هازل وجاد، عاطفي وأخلاقي، وقد خلق "أسلوباً رومرياً" سوف يخلده".

 والفيلم الأكثر شهرة لرومر في أمريكا يبقى " ليلتي في مود" وهو فيلم طويل أبيض وأسود أخرجه عام 1969 يدور في مدينة صناعية معتمة "كليمور فيران". وهو يحكي قصة مهندس شاب خجل ( جان لوي ترنتيان) يقضي مساء مليئاً بالثلج في بيت عشيقة صديقه الحميم وهي امرأة مطلقة جذابة حرة التفكير ( فرانسواز فابيان).

  الحوار الذي أفلمه السيد رومر في سلسلة من اللقطات الطويلة المركبة بصورة غير واضحة يغطي الفلسفة والدين والأخلاق بينما سيل الكلمات يتخذ معنى مضمناً مغر ٍ على نحو مميز أحياناً، وتنتهي المواجهة بدون تحقق جسدي. لكن الثنائيين يشكلان رابطة تبرز من جديد بصورة مؤثرة بعد خمس سنوات، حين يلتقيان مرة أخرى في ملحق موجز في نهاية الفيلم.

كان فيلم " ليلتي مع مود" العنوان الثالث في " ست حكايات أخلاقية" وهي سلسلة من الأفلام التي بدأها السيد رومر عام 1963 على الرغم من أنه لأسباب اقتصادية كان الفيلم الرابع الذي يجري تصويره. وفي كل من الأفلام الستة هناك رجل متزوج أو ملتزم بامرأة يغريه الضلال لكنه في الأخير قادر على المقاومة. و أفلامه فإن يكون عما لا يحدث بين شخصياته أكثر مما يحدث ، وهي النزعة التي سحرت النقاد مثلما قادت أفراد الجمهور غالباً إلى الإلهاء.تلاحظ الشخصية التي يجسدها جين هاكمان في فيلم "حركات ليلية"-1975 للمخرج آرثر بن قائلة:" رأيت فيلماً لرومر مرة. كان نوعا من الأفلام الذي يشبه مراقبة الصبغ وهو يجف".

  في موقع العمل كان السيد رومر الطويل القامة ذو العينين الزرقاوين الثاقبتين مخرجاً هادئاً مستغرقاً بشدة مشرفاً على جوّ هادئ وطاقم عمله والممثلون منهمكون قليلاً بالثرثرة الشائعة في مشاريع الأفلام الأخرى.

  في حياته الخاصة كان السيد رومر انعزالياً إن لم يكن كتوماً. كان "أريك رومر" في الواقع اسماً مستعاراً وهو أحد الأسماء العديد التي جربها مبكراً في مهنته. وحسب كتاب "من هو" في فرنسا كان مولوداً باسم "موريس جوزيف شريرر" في تول وهي مدينة جنوب غرب فرنسا في 21 آذار عام 1920؛ المصادر الأخرى تعطي اسمه الأصلي جان ماري موريس شيرر وأصوله من مدينة نانسي شمال شرق فرنسا.

  بعد نشر رواية "أليصابت" تحت اسم "جلبرت كوردييه" انتقل إلى باريس عام 1950 وبدأ يرتاد النوادي السينمائية للحي اللاتيني وعقد صداقات مع أربعة من الشباب المحبين للسينما التي ستبقى مهنته مضفورة معهم: غودار، تروفو كلود شابرول وجاك ريفيت. وأسس مع السيد ريفيت مجلة للفيلم القصير بعنوان " لا ريفو دو سينما". وحين انهارت هذه المبادرة بعد الإصدار الخامس التحق بهيئة تحرير مجلة " دفاتر السينما- كاييه دو سينما" وهي المنشور الذي اكتسبت شهرة حديثة بسبب مراجعاتها الثورية العنيفة التي كان يكتبها تروفو الشاب.

  بدأ السيد رومر في عام 1952 محاولته لإخراج فيلم طويل، ليكون عنوانه "...." لكن المشروع جرى التخلي عنه حين أعلن منتجه الإفلاس. لا مشهد معروف للوجود. لا يوجد إلى أن بدأ زملائه في مجلة الدفاتر بالتمتع في نجاحهم في صناعة الأفلام – كان مصطلح "الموجة الجديدة" قد صاغه صحفي من صحيفة "الإكسبريس" في عام 1957- وكان قادراً على ارتقاء الإنتاج ذات الصيغة الطويلة. لكن فيلم "علامة ليو"-1959 وهي حكاية كئيبة عن منفي أمريكي يجد نفسه داخل وخارج باريس وهو  لم يثر خيال الجمهور بالطريقة التي أثارها فيلم "400 ضربة" لتروفو و" على آخر نفس" لغودار وعاد السيد رومر في تحرير مجلة الدفاتر وهي المهنة التي تولاها حتى عام 1963.

كان إنجازه الحقيقي في عام 1962 فيلمه القصير الذي طوله 62 دقيقة " الفتاة الخبازة من مونكو" وقد صور بكاميرا 16 ملم بالأسود والأبيض وكان الأول في سلسلة " ست حكايات أخلاقية" المعتمدة على سكتشات خيالية كتبها ،كما قال فيما بعد، قبل أن يحلم في أن يصبح مخرجاً.

  وبعد فيلمه القصير الثاني " مهنة سوزان" – 1963 عاد السيد رومر إلى شكل الفيلم الطويل مع فيلم " المرأة جامعة العشاق"-1967 وهو الجزء الرابع من السلسلة لكنه الثالث الذي يجري تصويره. القصة تدور حول امرأة شابة (هايدي بولوتوف) التي تجمع بصورة منتظمة عشاقها وقد فاز الفيلم بجائزة الدب الفضي في مهرجان برلين واسترجع مكانة السيد رومر في المرتبة المتقدمة للموجة الجديدة. واستمرت السلسلة مع ثلاثة أفلام طويلة هي :"ليلتي مع مود" و" ركبة كلير"-1970 و "شلو في المساء"-1972

وبعد تجريبه فيلمين بأسلوبين مميزين يتعلقان بفترة تاريخية معينة هما " ماركيز أو.."-1976 و"بارسيفال لا غالوا" -1978 بدأ السيد رومر بسلسلة جديدة " كوميديات وأمثال"- في عام 1981 مع فيلم "زوجة الطيار". والأفلام الستة في هذه المجموعة التي تصور الأقوال التقليدية والمقتبسات من المؤلفين الموهوبين من لافونتين إلى رامبو، مبنية بصورة كبيرة على المغازلات والعواطف المتقلبة للناس الشباب وداخلة، وبالأخص في فيلم "صيف-1986"، لعنصر جديد من الارتجال.

  وتولى السيد رومر سلسلة أخيرة هي "حكايات من الفصول الأربعة" مع " حكاية الربيع"-1990 وفي هذه المرة يقدم قصة حب فلسفية لكل فصل من السنة. وانتهت السلسلة بالفيلم المتقن " حكاية الخريف" في عام 1998 والتي تحرك السيد رومر فيها ما وراء بؤرته وتركيزه على الشباب ليحكي قصة خريفية مؤثرة عن أرملة ( بيتريس رومان) مع ابن مراهق يجد الحب في مكان غير متوقع.

  وتركزت صنعة السيد رومر في الفترة المتأخرة على الانتقال بصورة سعيدة بين مشاريع صغيرة للتلفزيون ( بضمنها " الشجرة ، العُمدة، و..")-1993 والتجربة المبكرة مع التكنولوجيا الرقمية في فيلم "السيدة والدوق"-2001 وقصة عميل في الحياة الواقعية ( العميل الثلاثي)-2004. وآخر فيلم عرض له على الشاشة كان "آستري و سيلادون"-2007 وهو إعادة حكاية قصة حب في القرن السابع عشر مع نغمات توافقية سحرية وصور الفيلم بأسلوب أكاديمي مفرط  يوحي بلوحات بوسان وفراغونار.

هناك أخ له أصغر هو الفيلسوف "رينيه شيرر"وقال منتجه السيد مينيغوز بأن السيد رومر خلف وراءه زوجة وابنين. لكنها رفضت الكشف عن أسميهما قائلة:" أنت تعلم بأنه كان راغباً في التكتم على حياته الشخصية ويفصلها عن الحياة المهنية".

  وعلى العكس من النغمة الشخصية والاعترافية لأغلب أعمال تروفو والإفلام المثيرة للجدل السياسي لغودار بقى السيد رومر مخلصاً لعلم جمال محدود يتبنى المذهب العقلي وقريب من مبادئ مفكري القرن الثامن عشر الذين كان كثيراً ما اقتبس كلماتهم في أفلامه. ومع ذلك كانت أفلام السيد رومر دافئة بتيار من الرومانسية والاشتياق الإيروتيكي جاعلاً ربما من كل ما هو مؤثر لا يكسر تماماً سطح أفلامه المنظمة الأنيقة.

………………………

من اسرة ورشة سينما : خاص- العراق

3-3-2010

المصدر :نيويورك تايمز