سلسلة محاضرات ورشة سينما

محاضرة
الممارسة الفلمية كنوع جديد من الإتصال السمعي – البصري
بقلم : الباحثة البولندية ماريلا هوبفنغر
ترجمة : عدنان المبارك*
القسم الأول
في عام 1895 بدا تأريخ السينما والفلم، وبذلك نشأ حقل جديد للممارسة الإجتماعية كما كان البداية لعمليات كان عليها أن تغيّر وجه الإتصال الإجتماعي وتؤثر على تحولات ثقافة القرن العشرين. إن نشوء وتطور وتحولات الممارسة الفلمية قد أسهمت كلها في خلق ثقافة قرننا. وعدد من من صفاتها الجديدة تماما قد ظهرت فيما بعد في الحقول الأخرى من الثقافة. في الوقت ذاته تطورت السينما في زمن محدد و إنتهلت من التقاليد وإعتبرت نفسها مسهمة في خلق هذه الثقافة ومن ثم تجذرت فيها متمثلة ً إنجازاتها. وربط تطور السينما صفات جديدة بالنماذج القائمة مما كان شهادة ً لنوع من التوفيقية الثقافية. و تكيّف السينما لشروط الثقافة مما سمح بتوفير مادة إمبيرية ومنطلقات مفهومية للتعرف على آليات عمل الثقافة عامة هذا الى جانب نشوء التاملات المكرسة للتقاليد و احوال الجدّة، و الإستمرارية الثقافية و التبدل وفي الأخير دينامية الثقافة وتحولاتها في القرن العشرين.
السينما في حلبة التصادمات
لم تملك السينما تجاربها الخاصة. وكان على منفذي الفلم و مشاهديه أن
يتعلموا ، من الأساس ، مباديء الطروحات الفلمية و اصول الإتصال الفلمي. وكان الأوائل من محبي السينما وما بعدهم شهودا لخلق تقاليد و شعريات و تغيرها وطوي الزمن لها.كما كانوا يسهمون في تحولات الموقف إزاء
السينما و خالقيها و متلقيها و وسطائها. و قد تشكل الوعي الإتصالي الفلمي مع تطور السينما.
في منعطف القرنين و النصف الأول من القرن العشرين كان طراز الثقافة يملك بالدرجة الرئيسية طابعا شفويا. وفي الإتصال الإجتماعي و الممارسة سادت الأنظمة السيميائية و المواد الثقافية والممارسات المعتمدة على
الكلمة. وكانت الثقافة الأدبية تحتل المكان الرئيسي ، وكان الأدب سيّد ال"بارناس " و أدى في الوقت نفسه وظائفا مهمة في عيون المجتمع. وكان الإعتراف و التقدير و التقاليد الحية في الوقت ذاته قدجاءت قبل كل
شيء من منطقة الثقافة الأدبية . وكل ذلك خلق السياق الفعلي لتطور السينما.
لقد دخلت السينما حلبة التصادمات بين النزعات الجديدة و أعراض التحولات الثقافية وبين ما رسخته التقاليد وإعتبرته ثابتا لايمكن المساس به. و جرت صياغة قواعد الإتصال الفلمي تحت ضغط أحوال الإرغام الثقافيه
من جهة وتحت تأثير فاعلية تقاليد الثقافة الأدبية. وهذا النظام المزدوج و مصادر الدينامية والتي هي متباينة جذريا ، وكما أعتقد هي لصيقة بكل ممارسة إجتماعية جديدة ، قد تتكشف بالصورة الأكثر وضوحا في
السينما.
لقد دخل الفلم الثقافة مستفيدا من نماذج مستديمة فيها. و بالتأكيد يدين الفلم في تلك الفترة بالفضل الكبير للتصوير والموسيقى. إلا أنني أعتبر أن الثقافة الأدبية كانت للفلم السند الأساسي والأكيد. فالأدب
كالفن الأول للكلمة كان مصدر النماذج و الأنظمة لأنشط المساهمين في الممارسة الفلمية وبغض النظر عن مواقفهم المؤيدة للأدب أو المناوئة له في السينما. وفي هذا التقليد نهضت نماذج عموم فنية أو أدبية صرفة تخص
التعبير عن عالم الفن و(ريبرتوار ) السلوك و سلم القيم وكل ذلك ألقى بتأثير قوي على اسلوب التفكير و سبل العمل المرتبطة بالإتصال الفلمي.
وفي الوقت نفسه فإن الدينامية نفسها للإتصال ( الخطاب ) الفلمي كانت ظاهرة جديدة في الثقافة التي كانت معتادة على إستمرارية البقاء و التحولات البطيئة. فالسينما شاعت بسرعة في البلدان الأوربية والولايات
المتحدة. و أصبح الفلم يجذب الآلاف من المتلقين ، و حول قيمة الصور المطروحة هناك وفرص التطور إختلفت آراء ممثلي حقول الفكر و الفن و اصبح الفلم ، بصورة مبكرة ، في نظرهم ، فنا رخيصا لأزماننا. و الإنتاج
الفلمي ذاته تطور بصورة متكافئة في بضعة مراكز إلا أنه في كل مكان ذلل مختلف الصعوبات : التقنية و التكنولوجية و التنظيمية و الإقتصادية وكلها نبعت من العادات المزمنة و أنعدام التجارب الخاصة على السواء.
لكن في العشرينات ودعت فترة الولادة الصعبة ومعها كبرى المنجزات لفن الفلم الصامت. فأعمال غريفيث و تشابلن و آيزنشتاين أو بودوفكين قد سجلت في تأريخ الثقافة وصمدت بوجه الآليات التي تخرب عادة الذاكرة
الإجتماعية. و إدخال الصوت على الفلم قد خلق صدمة في جميع مناطق الممارسة الفلمية و سبّب الصعوبات التقنية و المالية كما أخل بالممارسة و النظرية الخاصتين بالفلم الصامت. وهذه الأزمة ،بنظر المؤرخين ، تم
التغلب عليها لدرجة ملحوظة في النصف الثاني من الثلاثينات. وكان غزو السينما واقعا. و نطاقها الإجتماعي كان بمثل هذا الإتساع والقوة كما كان فعليا وكما تبين ، لم تجد لها أيّ منافس. و في الحقيقة لم تصعد
مكانة الفلم بصورة تضاهي نطاقه. وفي الحقيقة جرى التطور التالي للسينما بصوررة عاصفة و لكنها ثبتت في النتيجة موقعها الإجتماعي. وإستمر هذا الوضع لغاية ظهور التلفزيون . فحينها تبدلت مكانة الفلم على
الخارطة الثقافية. و الحق ان الوضع الجديد قد سهل نضوج الإتصال الفلمي ومكن من صعود النوعية الفلمية. إلا أن الوضع نفسه دفع الى مراجعة المباديء و المنجزات في هذا السياق الإتصالي الجديد ومن ثم الوصول الى
إستنتاجات أملتها أخطار المنافسة التي خلقها ظهور التلفزيون و بقية وسائط الإيصال الجماعي.
السينما في بعدها التقني
إن الممارسة الفلمية التي تشكلت تحت تـاثيرات ٍ بينها الجبريات
الثقافية الجديدة قد كشفت عن خصائص نعثر عليها بدرجات ووتائر متباينة في مناطق أخرى من الإتصال الإجتماعي للقرن العشرين. و جديدها إعتمد وليس على مسألة أيّ شيء خلقته فقط. فقد كانت هناك اساليب جديدة في
تنفيذ الإعمال السينمائية وكذلك ما يخص وضع المؤلف و سبل تقديم صور معدة و طراز المتلقي السينمائي.
وحفلت عملية تنفيذ المؤلفات الفلمية نفسها بنوعيات جديدة. وعاد إليها قبل كل شيء المنحدر التقني للفلم و الطابع الإقتصادي للإنتاج و إسهام الكثيرين من مجموعة االتنفيذ في نشوء العمل وكذلك التقدم الكبير في
العملية المؤسساتية intitutionization للعمل الفلمي.
إن اساس السينما هو المخترع التقني . و إستخدامه لتنفيذ الأفلام قد تطلب معرفة تقنية تامة و كسب قابلية الإستخدام الأداتي. و تبين أن القاعدة التقنية هي الشرط اللازم، ولو أنه تمهيدي ، لنشوء النتاج الفلمي.
ونوعية الصور الفلمية و صلاحها التقني إعتمد بالطبع على المعرفة بأسرار فن التصوير بالكاميرا، كما انه إعتمد على حساسية الشريط السيليلويدي ، وعلىمسالة اخرى : كمية الاشرطة التي كانت تحت التصرف اثناء
العمل. ولم يقل في الأهمية المستوى التقنى لنسخة الفلم و المواصفات التقنية لشروط العرض. إن تدخل الماكنة في عمل الفلم إمتلك طبيعة ثابتة و ضرورية و أساسية : خلق التدخل واقع الشاشة سواء اثناء التسجيل أو
في مرحلة عرض الصورة الجاهزة. وشكل كل مقطع فلمي و الأعمال كاملة أرسيت على قاعدة التكنيك.
و الإسهام المباشر للتكنيك في نشوء الفلم لم تترتب عليه ممارسات عملية مرتبطة بالإنتاج فقط بل كانت في ذات أحوال القلق النابعة من هذا الإعتماد المتبادل بين النظام التقني والاخر الأستيتيكي. إن إسهام
عمليات تقنية معقدة كشرط لابد منه لنشوء الخطاب نفسه قد تحقق أولا في حالة الفوتوغرافيا و بعدها بأمد قصير في الفلم. و تدخل التكنيك في عالم الفن أو الإتصال قد حرّك للمرة الولى إشكالية عملية و نظرية تخص
العلائق التقنية – الفنية. و هذه الظاهرة توسعت بسرعة بفضل ظهور الراديو ثم التفلزيون كما أنها شملت قطاعات أخرى مثل الموسيقى ألألكترونية أو الفن الحركي kinetic وبعدها حسمت الألكترونيكا وجه الإتصال في زمننا. و لايرجع الأمر فقط
الى شبكة التوزيع بل الى مادة و طابع الوسيطة media .
في حقبة سينما الأسواق اصبح الفلم نتاجا صناعيا. و لإعتبارات تقنية و تنظيمية و مالية أدى صنع الأفلام الى نشوء فرع مستقل للصناعة : الصناعة الفلمية. للمرة الولى تدخلت الصناعة بالصورة المباشرة في ميدان
الخلق. وفي الحقيقة كان الإتصال الإجتماعي قد دان بالفضل لتطور الصناعة وخاصة في فروع الطباعة إلا أن ذلك خصّ فقط ميدان توزيع وتعميم الكتب و المجلات و صور الأعمال الفنية و الإسطوانات. لغايتها كانت
الصناعة تساهم في توفير نتاجات جاهزة للجمهور أي مضاعفة النسخ و الأعمال الأصلية وكانت الحال هكذا في مجال النشريات وخاصة الصحيفة التي لاوجود لها بدون الصناعة.
ولقد تبين أن حالة الفلم مختلفة جوهرا. فبدون إلتزام القدرة الإنتاجية لا يمكن أن تنشأ الصورة – الأصل prototype . وكمايبدو فإن مصطلح ( مصنع الأحلام ) ينطبق تماما على الشركات
المنظمة لإنتاج الأفلام في البلدان المصنعة. و تنفيذ الأفلام قد إشتبك مع مباديء عمل كل فرع من فروع الصناعة الساعية الى الإنتاج النمطي للسلع المخصصة للسوق و التي تراعي قوانينه.
إن دور المنتج في تنفيذ الفلم قد إعتمد على تمويل العمل كله.وهذا لم يذكر براعي الفن والذي عرف لغايتها. كان المنتج رجل اعمال مارس مهنة هي إنتاج الأفلام وما كان يعنيه القيمة التجارية للصورة الجاهزة.
المنتج وظف الراسمال ممن أجل ان يبيع المنتوج النهائي و تحقيق الربح و ليس من اجل خلق عمل كبير فنيا لكنه بدون ريع مالي. فالمنتج لم يكترث للمعايير الفنية ولم يسند الفن، لكن بدون مؤسسة المنتج لما كان
ممكنا تنفيذ الفلم. ومن هناد درجة إعتماد مجموعة المنفذين على المنتج ، و التي ظهرت في مرحلة خلق العمل مما كان يعني إعتمادا هو أكبر بكثيرمن إعتتماد المؤلف على الناشر، وهذا الشيء خلق وضعا يهدد بتصادم بين
القيم والمصالح. ومحاولة التوفيق بين هذين الطرفين تمثلت بوجود شركات خاصة للتعاون من أجل إنتاج أفلام معينة. وجاءت هذه المحاولات من اجل تفادي الماكنة الصناعية مما تبين أنه أمر ممكن لكن في حالة واحدة فقط
وهي تخص الطلائع الفلمية التي تخلق طريقا مستقلا لكنه ذو نطاق غير واسع للإتصال الفلمي.
إن القران المتازم بين الفن و الصناعة قد اثار سخط معاصريه. و الطابع المزدوج للعمل الفلمي : الصناعي و الفني قد تعرض لمعايير التقييم ونماذج السلوك المقررة. إلا ان نزعة تبسيط الإجراءات و الممارسات في حقل
الإتصال كانت في توسع مستمر وشملت مختلف قطاعات الثقافة وعملت على نشوء حقل جديد واسع للصناعة هو الصناعة الثقافية أو صناعة الثقافة ( عن ذلك يتكلم بصورة موسعة أدغار مورين E.Morin في كتابه " روح الزمن" ). كما القى ذلك بتأثير ه على تحولات الثقافة
الأدبية التقليدية. فتطور تقنيات الطباعة الجديدة و العدد الكبير من نسخ المجلات و الكتب و التعاون بين رجال القلم والإذاعة و الفلم و بعدها مع التلفزيون قد أصبح عنصرا مهما لشروط الإسهام الجديدة في
الثقافة، كما خلقت وضعا مختلفا عن القائم لغايتها بالنسبة لتشكيل الخطاب و شيوعه ، و لمؤلفيه ايضا.
إن إنتاج الأفلام ، بدءا ً بالأساليب الحِرَفية و إنتهاءا بتصنيعه ، قد تطلب إحترافية و تخصصا لمختلف الوظائف الضرورية لإنتاج الصورة. وكانت كوادر الأخصائيين السينمائيين في مرحلة الولادة آنذاك. وكان رواد
الفلم مرغمين عن طريق التجربة و الخطأ غنم التجارب أي من الأساس. أما الجيل التالي من السينمائيين والذي تربى في عصر السينمافقد كانت نقطة إنطلاقه أسهل. و العرض السينمائي نهض نتيجة التعاون بين مجموعة أناس
من مختلف المهارات. كانوا مؤلفي السيناريوهات و الحوارات ، ومنفذي الصور و المخرج و الممثلين و مصممي السينوغرافيا و الملابس و الكومبارس و الفنيين و واضعي الموسيقى و الأغاني وشتى اصناف المعاونين. و العمل
في المجموعة صار الصفة المميزة للإنتاج الفلمي.
وقد أنجزت عملية تحويل الأدوار المرتبطة بالتنفيذ الفلمي ، في العشرينات و الثلاثينات. في البدء جاءت مهنة المصور السينمائي. و بعدها كاتب السيناريو و المخرج كما نشأت مهن أخرى خاصة بالفلم. و أسرار رجل
الفلم المحترف غنمها كل متطوع منخرط في الأعمال المتعلقة بتنفيذ الفلم. و مر بعض الوقت قبل أن تنشيء الثقافة الفلمية مؤسساتها التعليمية . و في شتى حقب تطور السينما تقدمت مهن أخرى على غيرها. وكانت مهن
المصورين و كتاب السيناريو و الممثلين و في الأخير المخرجين الذين نالوا الموقع الرئيسي في تنفيذ الفلم و بالإعتماد على الموديل الراهن للسينما. ولكن مواقف أعضاء المجموعة المنفذة من الفلم كانت مختلفة.
بعضهم وجد في تنفيذ العروض الفلمية عملا لا يختلف عن الأعمال الأخرى لكسب الرزق . و آخر وجدالعمل من الوظائف الفنية و الإجتماعية و إعتبروه نوعا من أنواع الخلق.
وعمليات مهنية الفلم لم تخص السينما وحدها بل شملت كامل ثقافة القرن العشرين و صارت مع مرور الوقت من الصفات المميزة .إلا أن فكرة العمل في الجماعة لم تكن أمرا جديدا . فنحن نلقاها في المسرح ، و بالإعتماد
على الموديل الراهن للمسرح كانت هناك في المقدمة بضعة مهن. و العمل الفني الجماعي كان الأساس أيضا في عمل الأوركسسترات السمفونية . لكن طبيعة هذا الشكل الجماعي في الفلم كانت أخرى تختلف عن المسرح أو
الأوركسترا. و ما حسم الأمر بالدرجة الرئيسية إختلاف الصفات الإتصالية للعروض الفلمية. ففي المسرح أو الصالة الموسيقية ثمة وصل زمكاني بين المتلقين و مكان ( اي خشبة )الأداء الفني . في حضور و إسهام
المشاهدين في كل عرض تكون المجموعة كلها خالقته. أما في السينما فإن وساطة شريط السيليلويد تمكن من التصرف الحر بالمادة المسجلة ، و الطابع غير المباشر لهذا الإتصال يخلق لجميع اعضاء مجموعة التنفيذ وضعا
مغايرا لمنفذي شتى أجزاء النتاج الفني. فالسينما اشاعت و أبقت على نموذج دور( المنفذ الجزئي) الذي يملك تأثير محدودا للغاية على كامل النتاج و على الهيئة النهائية و معنى جزئه المحقق الذي لا يملك تاثيرا
كبيرا.
أن توزيع الأدوار في العمل الفلمي و إسهام جماعة الأدباء كمؤلفين للسيناريوهات الأصلية أو التكييف أو الحوارات قد عمل على تثبيت دور جديد للكاتب. و هذا الدور قاد ، رغم الموقع العالي لكاتب السيناريو في
عملية الإنتاج السينمائي ، الى تنفيذ الطلبيات التي هي في الواقع جزء معين من الكل ولا يقرره مما يترتب على ذلك أن هذا الجزء لا يتحمل المسؤولية كاملة . و حتى هذا الجزء قد يتعرض الى التغيير في هذا الكل و
ليس بحكم الضرورة ، ضرورة تحويل الكلمات الى صور فلمية صوتية و إكتسابها معان جديدة او إضافية نتيجة لعملية ركن هذا الجزء في المكان الفلمي ذي الأبعاد المتعددة. فالتغيرات كانت بمكنتهاأن تنتج بسبب نشاط
اعضاء مجموعة التنفيذ الباقين أو المنتج أو الرقيب و الى آخره. وهذا مهد الطريق لنشوء مواقف لدي الكتاب تميل الى تقديم الخدمات التي قد تتعارض مع أفكار ومعتقدات و ميول الكاتب من جهة و من جهة أخرى بدون
الحاجة الى التعبير عنها أو الرغبة في ذلك. إن هذا النموذج ل( المنفذ الجزئي ) بشتى اصنافه قد شاع في كامل الإتصال الإجتماعي للقرن العشرين.
لكن ليس جماعية العمل الفلمي وحدها قد حدت من إمكانية التعبير الحر في الخلق الفردي بل جاء عنصر بالغ الأهمية يتمثل بتحول التحكم بالخلق الى مؤسسة .
إن مناطق الإتصال الإجتماعي خضعت دائما الى السيطرة الإجتماعية. وهذه شملت مختلف أبعاد عملية الإتصال و بضمن ذلك مساسها بمرحلة الخلق ذاته. ولكن هذه السيطرة عملت ، عامة ، عن طريق شتى أنظمة القواعد و
التوقعات و المواقف السائدة في هذا الزمكان وذاك. . وهذه الوساطة غالبما تجسدت في هيئة ضغوط ومطالبات و نتائج تخص المؤلف بالصورة الأكثر مباشرة. و تبين أن السينما و الصحافة قد أظهرتا كل ذلك باسلوب بيّن و
ثابت وخاضع بدون اي إستثناء ، للسيطرة المباشرة ذات الطبيعة المؤسساتية ، وذلك في مرحلة الخلق نفسه. و في الحقيقة شملت العمليات المؤسساتية كامل الإتصال الإجتماعي في النصف الأول من القرن العشرين. إلا أن
المؤسساتية في حقل الخلق ذاته تكشفت بالشكل الأكثر وضوحا في ميدان الفلم. فجميع عناصر ومراحل الإتصال الفلمي خاضعة لضغوط السوق و الدعاية وتأثيرات مصالح الجماعات و الدولة. و كثرة درجات العملية المؤسساتية
قد زادت من قوة تأثير العوامل خارج الفنية ، و عملت على دعم المناورات و التلاعب بشتى أصنافها. و أصبحت الفروق واضحة بين مؤسسة الحامي patron التقليدي و أصول عمل المؤسسات الجديدة المبرمجة و الممولة و المسيطرة
على النشاط و ليس الإعلامي فقط أو الدعائي الصريح بل الثقافي.
إن جميع هذه النزعات الجديدة تؤكد بقوة ، حضورها في الممارسة الفلمية ، وكانت جزئيا الشهادة على التغيرات في وضع الخالق – المؤلف ، كما جاءت إشارة الى حدوث التغيرات في الحقول الأخرى من الثقافة. لقد كشفت
أيضا عن إرتباط الفنان بقضايا المشغل التقني و الصناعي و أحوال إعتماده الإقتصادي و السوقي و في الأخير النظام المؤسساتي. و التبدلات الفعلية في وضع الخالق نتجت عن التحولات الإجتماعية التي طرأت على صورة
الفنان التي والى جانب غموضية الإلهام ظهرت عوامل أخرى كالمهنية الماهرة و التقنية إضافة الى اسرار الخلق وغير ذلك. لقد صيغ دور الفنان في حرفة، ومهنة الفنان الى جانب الأبعاد الأستيتيكية عليها أن تراعي
المسائل الإنتاجية. و اسطورة الخلق الحر الذي لايقيده اي ّ شيء أخذت تحل محلها المساعي الواعية صوب توسيع حقل الإختيار و إستقلالية موقف المؤلف وضد المناورات سواء أكانت الهادفة الى مضاعفة رأس المال أم
السلطة على الأرواح. ( ينشربالتعاون مع القصة
العراقية)
* كاتب وباحث وناقد ومترجم مقيم في الدنمارك
...............................................
شارك / ي برأيك