سلسلة محاضرات ورشة سينما

محاضرة
الدلالات الفكرية للموسيقى والمؤثرات الصوتية في الفلم السينمائي
جمالية الموسيقى تشكل اهمية في الفلم بقدر ما تحمله من معنى يعمق الصورة ويشكل معها بعداً اضافياً
عبر قدرة الموسيقى على أحداث الانفعالات يمكن تحقيق الكثير من الوظائف الدرامية
يمكن للموسيقى ان تسهم في تعميق الحركة في المشهد وان تضيف بعداً اخر للحركة المرئية
أ.د.صباح الموسوي*
عمد دارسو عناصر الصوت في الفلم الى الفصل بين دراسة الموسيقى ودراسة المؤثرات، غير ان دراسة الموسيقى يجب ان لا تكون على حساب خصائص المؤثرات وكذلك العكس، ان ثمة خصائص ومميزات مشتركة تجمع الموسيقى والمؤثرات بصفة عامة على صعيد واحد، فكل المؤثرات التي ترافق الصورة يمكن ان تصنعها الموسيقى حتى الاصوات الانسانية التي لا تتبين كلماتها واصوات الحيوانات والطيور والعواصف التي يمكن ان تؤدي عن طريق الموسيقى.
إذا ما تتبعنا وظائف المؤثرات الصوتية سنتبين " ان الوظيفة الأولى للمؤثرات الصوتية … هي خلق الجو العام ألا أنها يمكن ان تكون بصورة مدهشة مصادر وثيقة للمعنى في الفلم "([1])، من ذلك نلاحظ ان الموسيقى أيضا قادرة وبشكل مؤثر وفعال على خلق الجو العام في ذات الوقت الذي تستطيع أن تكون مصدر للمعنى، وهذا ما يمكن ملاحظته في اغلب الأفلام السينمائية : وهكذا يظهر لنا مفهومان كأنهما قطبان لموسيقى الفلم.. موسيقى تصور الجو وموسيقى تشرح المعاني "([2])، واما الفصل بينهما فيمكن ان يكون لأغراض الدراسة فقط.
الموسيقى وتشكيل الصورة
ان بناء موسيقى الفلم يسهم في بناء وتشكيل الصورة من حيث استخدامها للتطابق والتضاد أو حملها للمعاني السطحية أو العميقة فهي " تحدث في نفوسنا أثار أخرى عبر الآثار الشكلية لها "([3])، ان اهمية مرافقة الموسيقى للصورة لا يعني الاسهاب في استخدامها، فلا ينتظر من الفلم ان يوصل الى المشاهد بمقطوعة موسيقية مهما كانت مؤثرة الا اذا كان لها وظيفة محددة ومنسجمة مع طبيعة الصورة المرئية، فجمالية الموسيقى تشكل اهمية في الفلم بقدر ما تحمله من معنى يعمق معنى الصورة ويشكل معها بعداً اضافياً، وعليه فالموسيقى في الفلم تؤدي وظائفها بطرق مختلفة، فعبر قدرة الموسيقى على أحداث وتوليد الانفعالات لدى المستمع ومناجاة مشاعره، يمكن تحقيق الكثير من الوظائف الدرامية "فنغمات البوق تؤجج الروح القتالية للمحاربين، فكلما اشتدت نغمات البوق ضراوة تأججت البسالة في نفوسهم وهي تهدي الفكر من اجل تحمل الصعاب والانتقالات الصوتية من نغمة الى اخرى تواسي نفوس الكادحين المرهقة "([4])، فهي قادرة اذن على جعل المستمع يحلق في العديد من المعاني والرؤى والعوالم السحرية.
الموسيقى وبناء المشهد
وتمتلك الموسيقى في الفلم قدرة كبيرة على خلق علاقات متراصة من التكوينات الموسيقية او الالحان التي تمسك في ان واحد بطبيعة وتكوين الفلم والجوهر او المحتوى العاطفي للعلاقات المركزية في الفلم " وهتشكوك مثلاً يجعل مشهداً عابراً ظاهرياً يرافق في الاغلب موسيقى قلقة كتحذير للمشاهد لكي يأخذ حذره "([5]).
لقد استطاعت بعض الافلام ان توظف الاصوات البشرية بدون لازمة معينة في الموسيقى لما تثيره هذه الاصوات من حالة وجدانية مشحونة بالغريزة الانسانية كما في فلم ( ارض الخوف ).
ويمكن للموسيقى ان تسهم في تعميق الحركة في المشهد وان تضيف بعداً اخر للحركة المرئية كما في " المشهد الاخير الذي سبق معركة الجليد في فلم ( الكسندر نفسكي) حيث كان المشهد موحيا بامكانيات الحركة السمعية والبصرية معا"([6])، بفعل الموسيقى.
وتوظف الموسيقى للافصاح عن العواطف الداخلية والمزاج النفسي للشخصيات فعندما يطلب من الممثلين ان يجدوا تعبيراً مكبوتا او محايداً ،ان الموسيقى عند ذلك يمكن ان توحي بتلك الشحنة الداخلية من المزاج النفسي في تلك اللحظات، اضافة الى قدرتها على تعميق حالة الياس والحزن فهي تقوم بتأكيد الفعل وتعميقه.
الموسيقى وبعدها السيكولوجي
كما تسهم الموسيقى في تحديد الحالة السيكولوجية للشخصية ففي فلم ( سوناتا الخريف ) ترافق علمية تذكر الابن المتوفي دائماً موسيقى تتسم بالشاعرية والبهجة لتفصح عن التأثير الروحي واجواء المحبة التي يضفيها الطفل على المكان حتى بعد موته، اما اذا كانت الشخصية المراد تصويرها " شخصية ثرثار مندفع فيستطيع المؤلف الموسيقي ان يضع للشخصية جملة سريعة مرتعشة صاخبة "([7]).
ومثلما تقوم الموسيقى بوظيفة خلق الجو العام تفعل المؤثرات ايضاً اضافة الى انها يمكن ان تكون " مصادر وثيقة للمعنى "([8])، وهي تشكل دلالات كبيرة على ما تحمله للشخصيات، هذا اضافة الى ما تضفيه من واقعية ناتجة عن رفقة المؤثرات المستديمة للافعال والاحداث في الحياة.
صحيح ان الواقع يكون حافلاً بالمؤثرات غير ان الفهم الواعي هو ان لا ينقل الواقع بكل مفرداته الى السينما، فلا بد من اسقاط المؤثرات العامة وغير المهمة، ولا يعني ذلك ايضاً اختيار المؤثر الذي يسهم في تجسيد المعنى فحسب بل في كيفية توظيفه ليسهم في خلق ابعاد دلالية وجمالية جديدة تسهم في خلق وعي جديد لدى المشاهد، ففي فلم ( المريض الانكليزي ) صار " صوت امرأة وهي ترثي وتتفجع بدون مصاحبة الموسيقى مع منظر للصحراء.. يربط المشهد دائماً بالصحراء "([9])، ان مثل هذا الاستخدام يمكن ان يخلق مؤثرات جديدة في الفلم يمكن ان تبقى عالقة في ذهن المشاهد.
رمزية المؤثر الصوتي
يمكن للمؤثر ان يوظف للتعبير عن انقضاء الزمن فصوت الجرس الذي دل على انتهاء الحصة في فلم ( البندول ) كان امتداده في البيت حيث تفتح الباب ليظهر البطل وقد وصل الى بيته، فدل صوت الجرس على انقضاء الزمن.
كما يمكن للمؤثرات ان توسع الصورة خارج حدود الاطار ففي فلم (المدينة المهجورة) كانت اصوات الرعد تذكر الفتيات بالمصاعب التي ستواجههم في الخارج، وفي ذات الوقت يمكن ان يولد صوت المؤثر الرعب عند الشخصية، فصوت صرير الباب في غرفة مظلمة على سبيل المثال يمكن ان يولد الرعب اكثر من صورة شخص يدخل منها كما ان رؤية صورة الذئب اقل اثارة للخوف من سماع عواء الذئب.
وتستخدم المؤثرات بشكل رمزي في كثير من الافلام، ففي لحظة محاولة الاعتداء على البطلة في فلم ( باب الحديد ) تزداد صفارات القاطرات كأنها تدين الحدث الجاري في تلك اللحظة..
...........
مراجع
([1]) لوي دي جانيتي، فهم السينما، ترجمة جعفر علي، ( بغداد : دار الرشيد، 1981)، ص 264.
(2) مارسيل مارتن، اللغة السينمائية، ترجمة سعد مكاوي، ( القاهرة : المؤسسة المصرية للتأليف،1964 )، ص128.
(3) ا.ا. رتشاردز، مبادئ النقد الادبي، ترجمة مصطفى بدوي، ( مصر: المؤسسة المصرية للتاليف، 1963 )، ص 225
(4) ر.ا. هنسون، لغة الموسيقى، ترجمة نيران اسماعيل، مجلة الثقافة الاجنبية، ع2، 1992، ص 10.
(5) لوي دي جانيتي، مصدر سابق، ص 276.
(6) جون هاوارد لوسن، فن كتابة السيناريو، ترجمة ابراهيم الصحن، معهد التدريب الاذاعي، 1974، ص 145.
(7) سعد لبيب، دراسات في الفنون الاذاعية، بغداد، معهد التدريب الاذاعي، ص 204.
(8) لوي دي جانيتي، مصدر سابق، ص 284.
(9) يوحنا دانيال، الموسيقى وشريط الصوت في فلم المريض الانكليزي، مجلة الفن السابع ع30، 2000، ص61.
................................
*رئيس قسم الفنون السمعية والمرئية – جامعة بغداد
ورشة سينما - خاص