Cinema Workshop ورشة سينما


الحب و الحرية و الموت في سينما لويس بونويل
حميد عقبي

الجماليات التي أضافها بونويل

 للفن السينمائي من خلال فيلم تريستانا

لويس بونويل في كل افلامه اشتغل على الحب ، الحرية و الموت هذه مواضيع ليست سهله و لكن بونويل يربط بينهم بشكل عجيب ، في كل مرة يقذف بنا بونويل في فضاء ميتافيزيقي شاسع بلا حدود ، لعل هذا منبع قوة السينما الشعرية ، فالسينمائي يفكر بعقلية و فلسفة الشعر فهو يتامل و يفتح لنا الابواب على مصراعيها ليس لسرد حكاية او من اجل اخذ موعظة و انما كي نعيش داخل هذا العالم و نحس بالم و حلم و قسوة الانسان .

لاحب ولا حرية في مجتمع برجوازي ، لا يعطي أية اهمية لهذه الاحتياجات كي يستمتع فئة بسيطة بالسعادة و الملذات الدنيوية ، بينما تكون غالبية المجتمع ، مجرد خدم و وسائل متع و ترفيه لاصحاب المال و النفوذ ..
 
لعل هذه الأفكار الأساسية التي يعيد طرحها المخرج السينمائي لويس بونويل في فيلم"تريستانا"1970 هو يطرحها في قالب سهل بعيداً عن التعقيدات الشكلية السوريالية الجنونية التي امتاز بها ، لكن بونويل لا يتنازل عن لغة السينما باعتبارها فناً شعرياً و ليس نثرياً روائياً ماذا يحدث في هذا الفيلم؟

 و ما هي الجماليات التي أضافها بونويل للفن السينمائي ؟ .

 


اعطاء مساحة للصوت و الحوار لا يعني اِقصاء الصورة للمرتبة الثانية بالفيلم ، الصوت ياتي احياناً كعنصر يشوش على الصورة ، كونه يحمل صورة متخيلة غير مرئية تزاحم و تنافس الصورة المعروضة .

 

 في بداية هذا الفيلم نرى مجموعة من المراهقين يلعبون ، نرى احدهم عنيفاً هذا المراهق هو ابن الخادمة التي تعمل بمنزل البرجوازي دون لوبيه ، الشاب المراهق ابكم و غامض يظل كلغز بالفيلم ، في هذا المشهد خلط بين صوت اجراس الكنيسة القوي و اصوات هذه اللعبة العنيفة في ساحة مدرسة او مركز داخلي للبكم ، نرى الام و تريستانا مع المسئول عن هذا المكان ، الذي يقرر خروج هذا الابكم كونه عنيفاً و غير مستجيب للتعلم فمن الافضل خروجه للعمل ، نرى تريستانا شابة جميلة بلباس اسود ، تلبسه حداداً على موت امها ، تظهر كانسانة رقيقة رحيمة متدينة ، تذهب للكنيسة تحتفظ بالصليب التي تركته امها ، تعيش في بيت رجل عجوز برجوازي لكنه في مرحلة الانهيار حيث يعاني من ازمة مالية تدفعه لبيع بعض التحف و اللوحات الثمينة ، هو لا يؤمن بالدين و لا يطيق سماع او رؤية اي شيء يتعلق بالكنيسة ، هذا الرجل قام بتبني هذه الجميلة ، ويفرض عليها عدم الخروج من البيت ثم يستغلها جنسياً ، كاننا هنا امام حكاية او اسطورة الجميلة و الوحش و لكن الوحش هنا انسان عجوز اناني ملحد و مستغل لهذه الجميلة ، يحاول سجن جسدها و روحها له وحده لمتعه الشهوانية الحيوانية .


دون لوبيه ، هذا العجوز استعارة للانحطاط الاخلاقي والروحي و القسوة البشعة للطبقة البرجوازية التي يبشر بونويل بسقوطها و انهيارها و موتها في بداية الفيلم ، حلم تريستيانا بموت لوبيه هو اشبه بامنية داخلية عميقة للشابة الجميلة ، هذا الحلم تحليل لوضع هذا الشابة الحبيسة بين عالمين ، عالم الدين الذي يستولي على روحها و العالم البرجوازي الذي يستعبد و يستغل جسدها الانثوي ، في هذا الحلم ترى تريستانا نفسها تصعد لقمة الكنيسة حيث الاجراس الضخمة و المنظر الخلاب للمدينة من الاعلى، تصعد بصحبة الابكم و مراهق اخر ، خلال هذا الصعود ينكشف جزء من فخذها المغري ، يحاول الابكم لمس اجزاء حساسة من جسدها، تظهر كمراهقة صغيرة تتوق للذة الجنسية لكنها تمانع او تتمانع، تظهر مرحة و سعيدة بمشاكسات الابكم و رفيقه، تصل للقمة تحاول تحريك الجرس الضخم فجاة ترى راس دون لوبيه معلق او جزء من هذا الجرس .

 

 هنا ربط بين دلالة دينية و اخرى اجتماعية ، الراس المعلق مخيف هو دلالة للموت للعالمين اللذين يستعبدان هذه الانسانة الجميلة ، تنهض مفزوعة تسرع الخادمة لمساعدتها ثم ياتي العجوز بملابس النوم للاطمئنان عليها ، هذا الحلم ياتي قبل ان تتحول علاقة الابوة الرحيمة الى علاقة زوجية و جنسية دنيئة
هذه الفتاة فقدت امها ، فقدت الحب و الحنان ، هي تشبه شخصية فرديانا في كونها ترى الدين المنقذ او القادر ان يحقق لها السعادة و الاطمئنان الروحي ، هي ساذجة بهذا الاعتقاد , و بسيطة و عفوية اشبه بطفلة منها كفتاة شابة ، لذلك هي بحاجة لضربة عنيفة و تجربة قاسية كي تكفر بالدين و تعرف حقيقة و بشاعة الرجل العجوز، في احد المشاهد بعد خروجها من الكنيسة يكون العجوز بانتظارها ثم يطلب منها قُبلة، تُقبل خده لكنه يطلب قُبلة من الفم ، تستسلم له  بعد وصولهم للبيت ، هنا يغلق الباب في وجه الكاميرا، تظل الكاميرا محدقة بالباب للحظات ، بونويل يدعونا لتخييل الحدث و لا يعرضه .


نرى العجوز بعد المشهد مريضاً ، هو لا يملك القوة الجنسية لاِشباع فتاة شابة ، بل هو بفعله هذا دنس روحها اثار فيها الشهوة تتحول من طفلة الى امراة تفتقد لحب حقيقي و شوق للجنس ، يبيع لوي بعض التحف كي يشتري للفتاة ملابس بدلاً من فستانها الاسود هنا باع شيئاً ليشتري بعض رضا و حب الفتاة لاِغرائها و احكام السيطرة عليها، كونه لا يدرك معنى الروح فهي مجرد شيء يستمتع به، هو يعلم انها لا تحبه كاب او زوج، لذلك يحاصرها و يمنعها من الخروج،كي تظل جارية مطيعة و تجهل العالم الخارجي الذي يتغير ، لا يمنعها من التدين رغم كفره، كونه يعلم ضعف الدين و عجزه ان يُحدث ثورة او يدفعها للعصيان،الدين من وجهة نظر بونويل هو وسيلة لاخضاع و اضعاف الشعب.


الشخصيات في هذا الفيلم معقدة لا يقدم المخرج تحليلاً كافياً لسماتها ، كل شخصية هي عبارة عن ميتافور لعالم معين ، الفيلم سلسلة و فضاء للصراع بين هذه العوالم، كل حدث يكشف لنا العالم الداخلي النفسي و الفكري للشخصيات ، تعالوا نتامل بعض هذه الاحداث في احد المشاهد تسير تريستانا مع دون لوبيه ، نسمع صرخة سيدة تقول حرامي حرامي..امسكوا بهذا الحرامي ، نرى شاباً يركض بعد ان سرق حقيبة نسائية سوداء يسلك طريقاً، نرى الشرطة تركض وراءه يتوقف الشرطي ليسال العجوز لوي عن الشارع الذي سلكه السارق ، يقوم لوي بتضليل الشرطة و يشير لهم باتجاه خاطىء ، تستغرب الشابة لكذب العجوز يبرر كذبه بانه وقوف مع الاضعف ضد الشرطة كونها قوية ، هذا العجوز يحاول تضليلنا هو يدافع عن نفسه، فهو سيسرق جسد هذه الجميلة التي كانت تلبس فستاناً اسود، هنا اللون الاسود يربط بين الحدثين ، هنا ايضاً سخرية من القانون الشرطة تطارد شاباً سرق حقيبة يد نسائية و تجهل جريمة هذا العجوز الذي يسرق و يستعبد جسد و روح هذه الانسانة.


هنا ايضاً الصراخ ياتي من امراة لا نراها كانه تنبه من المخرج للشابة كي تشعر بما يسرق منها لكن يظهر انها بحاجة الى تجربة و وسيلة اخرى كي تشعر بانوثتها، ربما تجربة حب و ممارسة جنسية مع شاب قد تمنحها القوة للعصيان و الثورة و هذا ما سيحدث.


تصاب الشابة بالاكتئاب و الحزن و تتذكر امها الميتة بسبب هذا السجن و العبودية، يسمح العجوز لها بالخروج شرط ان ترافقها الخادمة ، مع خروج الشابة و احتكاكها بالعالم الخارجي رغم محدوديته، يصبح لها رؤية خاصة للاشياء، في مشهد يسبق مشهد تورطها مع العجوز بعلاقة جنسية نراها بالكنيسة تقترب من تمثال لشخص مقدس ممدد ، يغريها هذا التمثال بوجهه يشبه وجه العجوز البرجوازي ، هنا كان المخرج يريد القول لا فرق بين هذا التمثال كرمز للدين و بين الرجل العجوز كجزء من طبقة متعفنة اخلاقياً، بعد خروجها عدة مرات تبدأ باظهار وجهة نظرها في احدى المشاهد تكون مع العجوز للتنزه باحدى الشوارع تساله عن رايه في احد الاعمدة و الاقواس الاثرية يسخر من سؤالها و يرد بان هذه الاشياء لا تثير اهتمامه و لا يرى اي اختلاف، تدور حول احد الاعمدة لتبدي اعجابهها به و ترد بانه لا يوجد في الكون شيئان متشابهان، علينا التمعن جيداً في الاشياء المتشابهة لندرك الفروق، لا يرتاح لوي من هذه الحكمة يطلب منها الاسراع و الكف عن التفكير، هنا يصبح العجوز قلقاً بسبب نضوج فكر الفتاة،فالنضوج الفكري هو ما يهدد و ينذر بزوال التسلط و العبودية.


ترتبط تريستانا بعلاقة عاطفية مع شباب فنان ، تعترف له بمحنتها ، الحب هنا منحها القوة بعد ان تتغلب على خوفها و نرى في مشهد التعارف بين الشابة و الفنان يسير هذا المشهد بالتوازي مع مشهد قتل كلب مسعور ، هذا الكلب هو استعارة و رمز للخوف و وحشية و قبح العجوز لوبيه، تصبح الفتاة سعيدة و لا تخاف من العجوز، في احد المشاهد تقوم برمي الصندل الذي كانت تحرص على وضعة بقدم العجوز، خلع الحذاء و تلبيس الصندل يتم بحركة اشبه بالركوع، رمي هذه الاداة بسلة القاذورات هو اعلان للثورة، الحرية لن تتحقق الا برمي البرجوازية في سلة القاذورات هذا ما يريد قوله المخرج، لكنه يمرر هذه الافكار في شكل استعارات و اشارات لا يعني هنا الخوف من الرقابة و انما هو اسلوب سينمائي شاعر يحرص على ان يحرك خيال و فكر المتفرج .


تهرب تريستانا مع حبيبها الفنان الشاب ، دون لوبيه العجوز يحزن ليس لانه فقد ابنة بل لانه فقد جسداً انثوياً كان منبع اشباع لشهواته الحيوانية ، تعود تريستانا بعد زمن مريضة و تعتقد انها ستموت تفضل الموت في بيت لوبيه ، يتم اجراء عملية و قطع رجلها كي تشعر الشابة بطعم الحياة تتجه بحواسها لموسيقى تظل معظم وقتها تعزف على البيانو، هذا التغيير الجسدي يصاحبه تغيير فكري وروحي ، اصبح لدى الفتاة احساس بعدم وجود الحب ، لذلك لا تحزن على فراقها مع الشاب .

 

 هنا بونويل يريد قول شيء اخر من خلال شخصية الفنان ، فالفن في هذه المرحلة الزمنية الهامة مازال غير قادر على تحرير الانسان من العبودية و المرأة بشكل خاص ، افلام بونويل هي منبع الهام للحركات الثورية الاجتماعية و الفكرية، في 1968 قامت بفرنسا ثورة الطلبة الشهيرة ضد الانظمة و القوانين الاجتماعية و كان لها تاثير كبير على بقية البلدان الاوروبية الاخرى ، لعل اهم المكاسب لهذه الانتفاضة هي الحرية الجنسية و مساوة المرأة بالرجل في كل شيء.


يظل لوبيه مغرماً بالشابة رغم اعاقتها , هذا الاعجاب شهواني محض كونه لا يرى فيها الا الجسد الانثوي، هذا العجوز نموذج للبرجوازية التي يمكنها فعل ي شيء لكسب مصلحة او شهوة،تتزوج تريستانا بهذا العجوز نراه يدخل الكنيسة لاول مرة، هنا الكنيسة باعت هذه المرأة لهذا الهرم ، مراسيم الزواج اشبه بطقوس جنائزية ، لكن الشابة تنتصر لحريتها و ترفض الذهاب لفراش العجوز و تسمعه ما يكره ، تريستانا اكتشفت زيف و كذب الكنيسة و كذب الرجال فاصبحت كافرة بالحب و الدين ، في نهاية الفيلم يكرر المخرج عرض حلم تريستانا الراس المعلق بالناقوس ثم نشاهد دون لوبيه يصرخ و يطلب النجدة ، تتعمد تريستانا بعدم دعوة الطبيب و فتح النوافذ ، يموت هذا العجوز اخيرا ، هنا بونويل حقق رغبة هذا الشابة بالتخلص من هذا الوحش و نيل حريتها ، لعل موت هذا الرجل مكافاة سخية من المخرج للشابة نظير كفرها بالدين و بالمجتمع البرجوازي البشع .
 

 ...........................

من اسرة كتاب ورشة سينما : خاص - باريس

وس 11-11-2009

عودة الى الصفحة الرئيسية

عودة الى سينما القارات

اضاقة تعليق

 

Name:*
E-mail Address:*
Message:*
 
Please enter the code:

Note: Fields marked with * are required.