صورة العراق على الشاشات

"وقف إطلاق النار": أول فيلم ألماني عن الحرب الأمريكية على العراق
أسامة الشحماني
تحاول مجموعة الأفلام التي ظهرت حتى الآن، عن الحرب الأمريكية على العراق توثيق وإثبات كون الحرب إستندت في مسوِّغاتها الدولية على أكذوبة أسلحة التدمير الشامل، ثمَّ حجم الدمار المرافق للإضطراب و التخبط، الذي إتسمت به تحركات الجيش الأمريكي في مجمل عملياته العسكرية في العراق، فضلاً عن عدم وضوح المشروع السياسي والإقتصادي، الذي من المفترض أن تقومَ على أساسه تلك القوات بإعادة إعمار البلد , على إنَّ فيلم "وقف إطلاق النار"، الذي عرض في صالات العرض السويسرية مؤخرا، لا يندرج ضمن هذه الدلالات , الفيلم يتحدث عن أولئك الناس الذين يبدون وكأنهم على إستعدادٍ دائم للمجازفة بحياتهم والتضحية من أجل ما يعتقدون أنه جديرٌ بذلك , أناسٌ ربما لا نسمعُ عنهم شيئاً ، أو لا نعرف عن حياتهم وما مروا به في مسيرة بحثهم عن الحقائق سوى بعض الملاحظات الهامشية التي تكتب بحروف صغيرة وتمر على عجل في شريط أخبار ، لا يحرص أغلبنا على الإنتباه لمضامينه .
"وقف إطلاق النار" من أفلام الإنتاج المشترك (سويسري/ألماني) وهو من تأليف وإخراج كاتب السيناريو الألماني Lancelot von Naso ، الذي تميَّز في تقديم موضوعته في هذا الفيلم بالمزاوجة بين الواقعية والخيال ، الجد والهزل ، فنال إعجاب النقاد ، وحاز على جوائز دولية عديدة ، من بينها جائزة "المشاهد الذهبي" التي تنضمها مدينة زيورخ.
"وقف إطلاق النار" فيلمٌ مشوِّق في أحداثه وصوره إذ تحكي قصته ما تتعرض له مجموعة مكونة من خمسة أشخاص ، قرروا القيام برحلة من بغداد الى الفلوجة لأغراض إنسانية إبان الحرب الأمريكية على تلك المدينة ، أي في شهر نيسان من العام 2004. رحلة مرهقة يتعانق فيها الجو الواقعي بالفنتازي ، يمرون فيها على أطلال طرقات وقصبات منسية مزقها الإهمال و تناهشت أوصالها تراكمات معاولُ الحروب , المجموعة إستغلت الفترة الزمنية التي قرر الجانب الأمريكي فيها وقف إطلاق النار لمدة أربع وعشرين ساعة لا غير، لإنجاز تلك المهمة، التي شرعوا بها من دون أيِّ ورقة أو تصريح رسمي يجيز لهم القيام بذلك التحرك. ولذا فهم في نهاية المطاف في درجة دون الصفر من أي ضمان على حياتهم، على إن هذا لم يكن ليثبِّط عزيمة أحدٍ منهم، لأن الثابت لديهم هو وجوب الوصول الى الفلوجة.
لقد تحركوا على مسؤوليتهم ولم يكن أمامهم للقيام بتلك المغامرة، وضمان نجاح أهدافها إلا أن يشكلوا شراكة أو تضامناً وجدانياً يظهرهم وكأنهم شخصٌ واحد يتعامل بروية وحكمة مع كلِّ ما يحفُّ بالمسيرة من تهديدات وتحديات، مثَّلَ الجندي الأمريكي أكبر صورها .
أفراد تلك الرحلة هم: الممرضة الهولندية كيم (Thekla Reuten) العاملة في إحدى المنظمات غير الحكومية في بغداد ، والتي تريد بأيِّ شكل كان نقل إمدادات إغاثة سريعة الى الجرحى والمصابين من المدنيين في مستشفى الفلوجة , الطبيب الفرنسي ألين لاروخ (Matthias Habich)، الحريص على شرف مهنة الطب والذي يعتقد أن عليه مواصلة مهنته كطبيب على أحسن وجه، مهما كلَّف الأمر، وهو على قناعة تامة بأن نهايته ستكون في العراق , و المراسل التلفزيوني الشاب أوليفر(Max von Pufendorf)، الذي يبحث عن أيِّ مناسبة ليقوم بتغطية مصورة خاصة بالقناة الإخبارية التي يعمل لحسابها، ويرى أنه الآن أمام فرصة تاريخية للإنفراد بنقل حقيقة ما يحدث في الفلوجة، تلك المنطقة الساخنة، الحافل مسرحُ أحداثها بحكايات مروعة، يمكن أن تدخله عالم النجومية و الصحافة العالمية. المصور السينمائي المحترف رالف (Hannes Jaenicke) ، الذي، وعلى الرغم مما عُرف به من ولع بركوب المخاطر، لم يكن موافقاً في باديء الأمر على قرار زميله أوليفر للقيام بتلك المخاطرة، إلا إنه يوافق في نهاية الأمر ويستقل الحافلة صحبة كامرته التي أراد لها أن تعكس من وراء ضيق منافذ الحافلة سعة ملامح الرعب المهيمن على الوجوه، وعمق ما يقبض على عنق الإنسان من كوارث. الشخصية الخامسة هي سائق المركبة القديمة التي تقل هذه المجموعة من بغداد الى الفلوجة وهو حسام العراقي (Husam Chadat)، المتشبِّث بمقود حافلته برغم ما يحيط بها من تفجيرات و عصف، لا يصدق أحد من المجموعة أنه سيخرج منها على قيد الحياة.
لقد نجح المخرج فون ناسو في تقديم فيلمٍ خالٍ تماماً مما إعتادت أفلام الحروب على أن تضعه من مكونات، من قبيل (إستخبارات، عمليات عسكرية، صراع مصالح، تعاملات وعمالة خارجية.. وغيرها). وهو تناولٌ مختلف عن الأطر العامة التي طالما إحتوت مضامين البحث في صور الحروب، إذ لم يقدم مشهد الحرب بوصفه أمراً متعلقاً بوجهات نظر الجنود والمحاربين، وإنما قدَّم رؤية الحرب من منظورٍ إنساني يتجلَّى في عيون الأطباء والصحفيين وعمال الإغاثة. وحرص على أن يشكل نسيجاً متجانساً من أحداث ومعطيات غير متجانسة، تتداخل فيها مشاهد الإثارة السياسية بصور درامية غرائبية و فجائية، تسرِّبُ القلق للمتلقي وتجعله جزءاً من دائرة الإنفعال و الشد النفسي. وهنا تمكن المخرج من أن يسحبَ المتلقي الى تلك الأجواء، إذ سرعان ما يشعر المشاهد أنه أسير دائرة الحدث، أو أنه الراكب السادس المصاحب لركاب تلك الحافلة و رحلتها العجيبة من بغداد الى الفلوجة .
والى جانب البعد الإنساني والأخلاقي الذي حمله الفيلم، هناك قصة واقعية بسيطة ومثيرة للغاية، وهي حكاية إعجاب الصحفي الشاب أوليفر بالممرضة كيم، إذ ما انفكت نظراته تحاصرها على إمتداد قسوة الرحلة وكل ما أحاط بالمجموعة من مخاطر. وربما أراد المخرج من خلال هذه الومضة العاطفية السريعة أن يرمِّز للجانب الآخر من حياة الإنسان، وأن يداخل بين الإلتزام المهني العام والطموح الشخصي الخاص، وكيفيِّات تمازجهما لإدارك الهدف والوصول الى النجاح .
………………………….
ورشة سينما – خاص : جنيف
وس 15-5-2010
جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر ...