سينما القارات

2012 2012

نهاية وشيكة للعالم

أمريكا تتوق إلى النجاة في  فيلم 2012

 


احمد ثامر جهاد

 

 

قبل عامين على النهاية

حتى قبل ان يطلق المخرج رولاند ايمريش فيلمه الموسوم 2012 للعرض في العام 2009،فانك بمجرد أن تضع هذا التاريخ في محرك البحث العالمي (غوغل) ستكون بمواجهة آلاف العناوين المؤمنة والرافضة وتلك الساخرة من فكرة هلاك العالم بعد سنتين من الآن. فهو بنظر البعض هالك لا محالة ولكن ليس اشد مما هو الآن.

في غضون ذلك تمتزج مشاعر الضجرين من حياتهم بالعواطف الدينية للمؤمنين بصواب النهاية الوشيكة للعالم،فضلا عن مئات القصص الفردية التي يرويها أناس من وحي أحلامهم ورؤاهم،وكذا الحوادث الغريبة التي يصدرها عدد غير قليل من المتنبئين بعلامات الخلاص الأخير،وربما من بينهم ايضا أولئك المتطلعين لزوال حكم إسرائيل واندلاع الحرب الكونية بين دول الشرق والغرب.

المتتبع لإنتاج هوليود السينمائي،خاصة في العقدين الأخيرين،يلاحظ العديد من الأفلام التي اشتغلت على هذه الموضوعات التي تصنف ضمن ما يعرف بأفلام الكوارث والخيال العلمي والفنتازيا،وكان اكثرها فشلا   في رأيي في السنوات الاخيرة فيلم (2012 يوم القيامة) للمخرج نك ايفرهارت والمنتج عام 2008. وعلى ما يبدو فان السينما الأمريكية ستظل مولعة أكثر من غيرها بفكرة الخطر الوشيك،الكامن،والمدمر الذي سيتعرض له البشر سواء الموجه ضد الولايات المتحدة بشكل محدد أو إلى بقية سكان الأرض.

فضلا عن الدوافع التجارية لجني الإرباح فان مثل هذه الأفلام تعبر بشكل واضح عن ميل ثقافي وإيديولوجي له جذوره العميقة في العقلية السياسية الأمريكية،أو لنقل تصور ميكانيكي يعاد إنتاجه من حين إلى آخر،تكون أمريكا فيه امة ممتحنة بشرور الآخرين الذين يفشلون غالبا في النيل من قوتها ومكانتها وجبروتها المطلق.

أمريكا في سينما هوليود تبدو على الدوام راعية لفكرة ان الخطر الذي يستهدفها إنما يستهدف العالم الغربي برمته،قيمه وحضارته ونمط حياته.ومنذ الحرب الباردة درجت السينما الأمريكية على تنميط الصراع الإيديولوجي ذاته(أمريكا والكتلة الشيوعية) وتحويله بفعل التطور الدراماتيكي إلى حرب سرية بينها وبين عوالم أخرى لها وجوه وأشكال مختلفة لكنها إجمالا تهدد مصير الديمقراطيات الغربية حين تهدد أمريكا.

أما موضوع فناء البشرية الوشيك عبر تعرض سكان الكوكب إلى أخطار شتى من حالات الغزو الخارجي بآلات متطورة أو وحوش كاسرة او سواها من المخاطر،فانه خضع لتطورات عدة محكومة بضرورات موضوعية وفنية وتجارية،وهو إجمالا تحريف درامي لصورة أعداء الأمس (الهنود الحمر،الزنوج،النازية،الشيوعية ولاحقا الإرهاب الأصولي) وبالطبع لا تقف الولايات المتحدة وهي القوة الأعظم مكتوفة الأيدي إزاء ما يحدث لها ولجيرانها الغربيين،بل عليها التصرف بحسم بوصفها قائدة العالم للدفاع عن مصالح سكان المعمورة،لاسيما رعاية مصالحها في البقاء كقوة وحيدة عاتية وخيرة!

في مقابل شهرة هذا النوع من الأفلام المشوقة يحتفظ تاريخ هوليود بمفارقات ملفتة للنظر لها دلالتها،فأكثر الأفلام التي تتضمنها قائمة كبار نقاد السينما في أمريكا كل عام باعتبارها أهم الأفلام من الناحية الفنية تكون اقل الأفلام شعبية والأمثلة لا حصر لها حول هذا النقطة. لا يعني ذلك ان نوازع سطحية هي التي تحرك الجمهور،بل لان انجذاب الجمهور أو انحيازه لنوع سينمائي بعينه هو في النهاية حصيلة لتفاعلات اجتماعية وثقافية وإعلامية معقدة.

صورة سينمائية لنهاية العالم

في فيلمه الموسوم (2012) الذي حظي بشعبية كبيرة حاول المخرج الألماني الأصل رولاند ايمريش بث الحياة مجددا في فكرة مثيولوجية قديمة وإعادة صياغتها كفرضية ذات أسس علمية ترتبط بتغيرات في موازين وأحوال كوكب الأرض.

أصل هذه الفكرة يعود لمعتقدات قديمة شاعت في حضارة المايا التي قامت في شمال جواتيمالا ومناطق من المكسيك والسلفادور والتي بلغت أوجها سنة 700ق.م قبل ان تدمرها حملات الأسبان والأوروبيين.وتذهب الفرضية التي تضمنتها بعض كتب الديانات السماوية خاصة رؤية دانيال إلى أن هلاك الأرض سيحل بتاريخ 21 ديسمبر 2012،مع حدوث انقلاب شتوي في ذلك الوقت الذي تكتمل فيه دورة التاريخ عقب مرور 640 ألف سنة،أي أن دورة الحياة على كوكبنا ستنتهي بفاجعة درامية مريرة.

وعلى الدوام ناظرت فكرة نهاية العالم بشكل شامل ومحتوم فكرة عودة العدالة إلى  نظام الحياة بعد طول غياب،معبرة بذلك عن يأس كامن من إصلاح العالم.

فيلم المخرج ايمريش والذي لا يخرج عن نمط أفلام الكوارث تناول فكرة فناء العالم من منظور عقائدي مسند بأسباب موضوعية لغرض منح القصة جاذبية خاصة وجدت صداها في لاوعي ملايين المشاهدين في شتى بقاع العالم،ممن يتداولون أفكارا ورؤى مختلفة حول مصير العالم والبشرية.

من هنا تضمن الفيلم الذي شارك المخرج في كتابته مع هارولد كروسر،عاملين أساسيين كان لهما الدور الأبرز في تحقيق شهرته ونجاحه التجاري،اولهما التاريخ القريب الذي ستتحقق فيه نبوءة الفناء،وثانيهما المسببات العلمية التي يتوفر بعضها حاليا في الآثار السلبية للمشاكل البيئية التي ليس من المستبعد أن تؤدي وفقا لتفاعلات عدة إلى ارتفاع حرارة الأرض واختلال موازين الضغط وانتشار الزلازل والفيضانات.

امتيازات هوليود للحياة والموت

في فيلم 2012 الذي استحوذ على اهتمام المشاهدين في مختلف أنحاء العالم وحقق إيرادات ملفتة في أسابيع عرضه الأولى بلغت قرابة 769 مليون دولار كان استخدام التقنيات السينمائية عاملا أساسيا في تحقيق جاذبية الفيلم الذي يحبس الأنفاس في تصويره مشاهد وقوع الكارثة وانهيار البنايات الشاهقة والجسور العملاقة وتلاشي المدن بما فيها تحت الأنقاض.

تبدأ قصة الفيلم من واقعة اكتشاف عالم فيزياء فلكية في الهند التغييرات الجيولوجية التي تطرأ على الأرض والتي تتسبب بارتفاع غير مسبوق لدرجة حرارتها.وينبه العالم الهندي صديقه الأمريكي هيمسلي إلى ذلك الخطر،فيما يتابع الأخير باهتمام مجريات الاحداث،ويخبر رؤساءه في الإدارة الأمريكية بان العالم على وشك التعرض لكارثة حقيقية.

تقترب الكارثة بشكل أسرع مما توقع الجميع وتدخل البلاد في حالة استنفار شديد،فيما تتوجه نخبة من الأمريكيين (ساسة ورجال أعمال وشخصيات بارزة)إلى سفن النجاة التي تتسع لـ 400 ألف شخص فقط. في غضون ذلك يفضل الرئيس الأمريكي(الممثل داني كلوفر-في تلميح واضح إلى الرئيس اوباما) البقاء في المدينة ومن ثم التضحية بنفسه لإنقاذ الآخرين.

تظهر أحداث الفيلم تعنت الإدارة الأمريكية وبيروقراطيتها حين ترفض تصديق الخبر أو الاهتمام به في البداية، لكن بعد ظهور سلسلة زلازل وحوادث غرق وهزات أرضية مهولة في عدد من المدن وتحديدا كاليفورنيا تسارع الحكومة إلى إتباع إجراءات الطوارئ في مقابل إخفاء الحقيقة عن الناس خوفا من انهيار الأسواق والاقتصاد وحدوث فوضى عارمة.

لكن الأمور تخرج عن السيطرة حين يفشي مدير متحف اللوفر في فرنسا هذا الموضوع للصحفيين ويتم اغتياله على الفور جراء ذلك،خلال نقل مقتنيات المتحف المهمة إلى أماكن محصنة خشية سرقتها لحظة تعم الفوضى المتوقعة مدن العالم.

ولاثبات ان لاشئ يقف امام هول الحدث تنهار ابرز الرموز الدينية المقدسة في العالم كمبنى الفاتيكان والهيكل اليهودي(والاكتفاء باظهار لقطة علوية للكعبة) ستكون سفينة النجاة الراسية في شواطئ الصين بمثابة نموذج حديث لسفينة نوح التي أنقذت الجنس البشري من الطوفان.وعلى ما يبدو فان هناك ضرورات لانتقاء الكائنات التي يتوجب إنقاذها حتى من بين الحيوانات لغرض البدء بإنشاء حياة جديدة في مكان آخر سيمثل المستقبل القادم  للبشرية.

تزدحم السفينة بكائنات مختلفة وأعراق وأزواج من كل نوع بإمكانه إنتاج حياة جديدة.اللافت هنا ان أمريكا تبدو في هذا الفيلم وكأنها غير قادرة على قيادة العالم لوحدها فهي مضطرة لقبول فكرة الشراكة مع الآخرين لإنقاذ العالم حيث يناقش ممثلو الدول الكبرى سبل الخروج من الكارثة ويتقاسمون مع الدولة العظمى المسؤولية الأخلاقية والسياسية ومتابعة خطط الوصول إلى سفن النجاة.

ومع انه ليس الفيلم الأول الذي يصور تعرض كوكب الأرض لنهاية كارثية إلا ان فيلم ايمريش الذي ينم عن احتراف تقني في تنفيذ مشاهد الكارثة،ركز على إظهار الأنانية التي تحكم البشر وفقا للمكانة والامتيازات التي تتمتع بها نخبة سياسية واقتصادية وبالتالي شمولهم بفرصة الصعود إلى سفينة النجاة.في حين يسمح لأمير عربي ثري يرتدي زيه التقليدي بالصعود إلى السفينة لا لشئ إلا لكونه مصدرا مضمونا للأموال.بمعنى ان قبول العربي ضمن صف الناجين لم يكن مبنيا على أهمية هذا العنصر بحد ذاته ومساهمته في إنشاء حضارة الغد وإنما لثرواته التي سيستثمرها الآخرون في بناء حياتهم.وبما يشبه العقاب السماوي يكون مصير بعض الشخصيات الجشعة مأساويا خلال الأحداث اللاحقة كما يحصل مع المستثمر الروسي الذي يفرط بذويه لإنقاذ نفسه.

ورغم ان مراهنة المخرج ايمريش في هذا الفيلم كما في أفلامه السابقة(يوم الاستقلال،غودزيلا)كانت معتمدة بشكل أساسي على توظيف قوة المؤثرات التقنية في صناعة المشاهد المشوقة،الا ان الإيقاع الفيلمي خرج عن السيطرة وأصبح مترهلا بسبب الإطالة غير المبررة للأحداث التي يخفت بريقها بالتزامن مع أداء تمثيلي باهت لنجوم الفيلم: جون كوزاك واماندا بيت وثاندي نيوتن وودي هارلسن.

هكذا توغل الصورة السينمائية في تدشين صياغتها النمطية،ويواصل مشروعها إنتاج سيل من البطولات الأمريكية الخارقة والموجهة للقضاء على المخاطر المحتملة لغير الأمريكيين،وبشكل عمد يجري التغافل في الخطاب الأمريكي عن حقيقة ان المخاطر الحقيقية لتفاقم اغلب نزاعات العالم الراهنة باتت مرتبطة بقدرة أمريكا ذاتها على ضبط سلوكها وميلها نحو استعراض القوة المفرطة..لذا ربما على العالم اجمع ان يكون مستعدا لحلول الكارثة.

إشارة أخيرة: حول موضوع الكارثة التي يتعرض لها سكان الأرض والتي تناولتها أفلام عدة،قدم المخرج جون هلكوت في العام ذاته الذي أنتج فيه فيلم (2012) تحفته السينمائية الموسومة (الطريق) والمأخوذة عن رواية شهيرة بذات الاسم للكاتب الأمريكي الحائز على جائزة بوليتزر كورماك مكارثي.

هذا الفيلم الذي يحمل رؤية أليمة للمستقبل البشري مع أمل ما بالنجاة قد يضع خاتمة للأفلام التي تتناول صورة المستقبل البشري القادم،ذلك انه برع في معالجة فكرة أساسية مفادها ان الإنسان ذاته بنوازعه السيئة والشريرة هو من سيتسبب مستقبلا بتخريب عالمه وليس أي شئ آخر.

..........................................................

 

من اسرة ورشة سينما :خاص –العراق

وس 20-10-2010

المقال للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر

 

 

 

Name:*
E-mail Address:*
Message:*
 
Please enter the code:

Note: Fields marked with * are required.