Cinema Workshop ورشة سينما

سينما القارات

في فيلم " التحدي" :هل خرج ادوارد زويك عن تقاليد هوليود؟

احمد ثامر جهاد

ارتبط اسم المخرج الأمريكي ادوارد زويك بأفلام معروفة عالجت عددا من القضايا السياسية والاجتماعية الحساسة منذ فيلمه المثير للجدل (الحصار-  1998) الذي صور تعرض المدن الأمريكية إلى هجمات إرهابية من قبل جماعة من المسلمين المتطرفين ارتبط احد أعضائها بوكالة الاستخبارات المركزية خلال حرب الخليج الثانية،في حين تتصارع إرادات حكومية من الجيش والشرطة الفيدرالية والاستخبارات المركزية لوضع حلول ناجعة لتلك التهديدات.

عند عرضه على الجمهور أثار هذا الفيلم المصنوع بإتقان سينمائي محترف اكبر موجة اعتراضات ومظاهرات قامت بها الجالية العربية المسلمة في أمريكا،كونه عد بنظر الكثيرين إساءة مباشرة وتحريضا صريحا على الكراهية.وقد دافع ادوارد زويك عن فيلمه الذي جمع نخبة من ابرز نجوم هوليود(دينزل واشنطن وبروس ويلس وان بيننغ) باعتباره صورة حية عن عالم اليوم،أراد من خلالها إيصال رسالة تحذير عن الخطر الكامن الذي تتعرض له الأمة الأمريكية من قبل أعداء جدد اشد قسوة من خصوم الأمس ايام الحرب الباردة.

التحدي اليهودي بوصفه سردا سينمائيا:

في فيلمه الجديد (تحدي- DEFIANCE) يعود المخرج ادوارد زويك وهو الذي لم يحالفه النجاح الكبير في أفلام سابقة كـ(الساموراي الأخير،الماس الدامي) إلى تناول قضية مثيرة أخرى هي اضطهاد اليهود إبان الحقبة النازية،من خلال قصة يشير الفيلم إلى انها مستوحاة من أحداث (حقيقية) شارك في كتابة السيناريو لها مع كلايتون فرومان وتتحدث عن مجموعة من الناجين من المحرقة اليهودية يضطرون للهرب بعيدا عن مدنهم والعيش في غابات بيلاروسيا الباردة هربا من النازيين.

اعتبر بعض النقاد ان الفيلم لا يختلف كثيرا عما طرحته العديد من الأفلام السينمائية الأمريكية التي تعيد إلى الأذهان –إجمالا- تأكيد الرواية الرسمية لليهود والتشديد على حقهم المشروع في وطن بديل،سواء بالإشارة الصريحة أو المضمرة. واللافت خلال السنتين الأخيرتين ان غير فيلم سينمائي تناول موضوعات لها علاقة بأوضاع اليهود ومصائرهم عشية الحرب العالمية الثانية،ما قبلها وما بعدها،ومعظمها (مع تفاوت الأسلوب والمعالجة) يضمر نوعا من التكفير عما لحق بالضمير الأوربي من ذنوب جراء الحروب الكبرى وحملات الإبادة التي ما زالت ذكراها الأليمة ماثلة للعيان.

في المقابل فان هوليود المعروفة بمحاباتها لليهود وخضوعها لقوة تأثيراتهم تحاول بين فترة وأخرى عبر إنتاج بعض الأفلام المغايرة أن تبدو غير منحازة بشكل صريح لطرف دون آخر،سعيا لدرء التهمة عنها،والاهم استعادة أموالها وأرباحها من جمهور لم يعد مستعدا لقبول أطروحات الغرب السياسي الذي غالبا ما يقدم بوصفه الصواب دائما.

وقد كان لتوقيت عرض فيلم (تحدي) خلال الاعتداء الإسرائيلي الأخير على غزة أثرا كبيرا في تحويل الجدل حوله إلى جدل سياسي أكثر منه فني،وصل بالبعض(وتلك هي المفارقة) إلى اتهام المخرج بمعاداة السامية رغم كل زخر به الفيلم من تعاطف مع محنة اليهود،في حين اهتدى البعض الآخر إلى قراءة مختلفة عدت الفيلم صورة مقلوبة دالة عن الصراع الحالي في الشرق الأوسط،يتحول فيها اليهود (ضحايا الماضي) إلى نازيين جدد تجاه الفلسطينيين الذي ينقسمون بدورهم إلى فريقين يعبرون عن عقيدتين مختلفتين:المقاومة المسلحة،وعملية السلام.

ربما يجد زويك في هذا النوع من الأفلام مساحة واسعة للتعبير عن شغفه بالقصص والأحداث المثيرة،سيما انه المخرج الطموح الذي يجد نفسه منجذبا للأفلام التي تعالج قضايا معاصرة ذات بعد تاريخي من دون الحاجة (من وجهة نظره) إلى الفصل بين الأفكار الخلاقة والترفيه المطلوب تجاريا لضمان نجاح الفيلم في صالات العرض.

يفتتح الفيلم بلقطات وثائقية سريعة يظهر فيها هتلر يخطب بالجماهير الألمانية بحماسه المعهود وتتوالى صور أخرى بالأسود والأبيض لحملات الابادة ضد اليهود الذين قتل منهم خمسين ألفا خلال أسابيع فيما ينتظر أكثر من مليون آخرين الترحيل والموت.

ومع انه في السينما الروائية قد لا تبدو الحاجة أصيلة للتأكيد على واقعية الأحداث المعروضة،كون الفيلم يساهم بسردياته الخاصة في خلق واقع بديل،صورة مضادة أو محرفة تحاكي تاريخية الأحداث.فالفيلم بذاته يمكن النظر إليه كنوع من (تأرخة) جديدة لكل ما هو حاصل أو متخيل أو مشكوك فيه.وهاهنا يصبح السرد السينمائي بكل ما يستتبعه من وجدانيات وما يثيره من عواطف وأفكار اشد وقعا وربما مصداقية من سرد التاريخ ذاته.

من هنا فان إشارة الفيلم السينمائي (أي فيلم) في مفتتحه إلى ان الأحداث المعروضة حقيقية هي مراهنة تقليدية تهدف إلى كسب تعاطف اكبر مع دراما الفيلم وشخصياته،وغالبا ما تكون محاولة غير مأمونة تفقد الفيلم أصالة أفكاره ومعالجاته الفنية أكثر مما تنفعه.

الفيلم المأخوذ عن رواية بالاسم نفسه للكاتب (نيتشاماتيك) استوحاها من أحداث وقعت قبل أكثر من نصف قرن،يشير في بدايته إلى انه مأخوذ عن قصة حقيقية تتحدث حول ثلاثة أشقاء يهود بولنديين من عائلة بيلسكي ينجحون (رغم اختلاف رؤاهم) في إنقاذ ١٢٠٠ يهودي عبر تهريبهم إلى غابات بيلاروسيا.

ولكي يبدو الصراع الدرامي مقنعا يطرح الفيلم الذي صور في ليتوانيا موقفين متعارضين للأخوين بيلسكي تصطف وراءهما مواقف الآخرين،احدهما (الممثل دانيال كريغ) يؤمن بفكرة ان مجرد بقاء اليهود على قيد الحياة هو بحد ذاته مقاومة كونهم مستهدفين في جنسهم ومعتقداتهم وعليهم وفقا لذلك ان يقدموا للعالم أمثولة في الصمود والتحدي وتجاوز الصعاب،والثاني (الممثل ليف سشريبر) يؤمن بالعنف وحده حلا نموذجيا للازمة بمواجهة النازيين بالقوة وليس بالفرار الجماعي إلى الغابات.

في النصف الأول من الفيلم يبدو موقف اللاعنف راجحا بين أناس متعبين يبحثون عن الأمان ويشرعون بإقامة عالم توراتي صغير يتعلم فيه الجميع دروس معرفية وأخلاقية ويساعد بعضهم بعضا على بناء مجتمع بدائي مسالم بما يشبه اليوتوبيا.

ولكن مع تطور الأحداث يتصاعد الخلاف بين الشخصيات الرئيسية ويقع الانشقاق بين الأخوين بيلسكي ليشمل الجماعة اليهودية ويتطور إلى عنف مباشر ضد اليهود أنفسهم ، فيما يقرر الأخ الثوري - بعد العجز عن فرض سلطته- الانضمام إلى فرق الجيش الأحمر المرابط على مسافة ليست بعيدة عن الغابات لإعلان حالة المقاومة المسلحة ضد الألمان النازيين.

عشرات العوائل الهاربة تضحي بأبنائها في خضم تلك الأحداث الدامية،لكنها تستمر في المقابل بتأدية أعمال نافعة لباقي المجموعة حيث تسود أواصر الأخوة اليهودية في أوقات المحنة وتعلو على نزوع البعض لإثارة الشغب أو التخاذل أو حتى التشكيك بقدرة الأخ الأكبر بليسكي على تولي قيادة الآخرين.

تدريجيا تفقد المواقف المتباينة مبررها مع اقتراب الخطر النازي وتهديده حيوات الجميع بفعل بعض مكائد الوشاة والمتآمرين،فيصبح لزاما حينها استخدام قوة السلاح وتجنيد هؤلاء الناجين لدرء الخطر الداهم الذي يتعرض له مجتمعهم الصغير خلال هجمات عدة يسقط فيها عشرات القتلى والجرحى.

ولكي لا يبدو مسار القصة رتيبا ومحدودا في مكانه وزمانه سيكون من الضروري لاعتبارات فنية عدة إضفاء بعض التشويق على قتامة الأحداث،وهنا يحظى البطل بعشيقة جميلة تتعاطف معه وتتفهم تطلعاته البعيدة التي اعتبرها البعض نزوعا نحو التفرد بالسلطة والتحكم بمجتمع الغابة. سنرى ان البطل (كعادته دوما) ينجو من النيران المعادية رغم عنفوانها ليتمم رسالته الإنسانية،مبرهنا على صوابها وحقها بالبقاء.

رغم مستواه الفني المتواضع يمكن لنا ان نرى في فيلم المخرج الأمريكي ادوارد زويك سجالا سينمائيا ينحاز في عمقه لضرورة إعادة النظر فيما اعتدنا الإيمان به كمسلمات لا يرقى إليها الشك. فاليهود في المحصلة الأخيرة بشر كسواهم ينجحون ويخفقون،وليسوا (داخل التاريخ البشري خاصة) أنبياء معصومين من ارتكاب الأعمال الدنيئة حتى بحق أبناء جلدتهم.

………………..

من اسرة كتاب ورشة سينما – خاص

و س 4-1-2009