Cinema Workshop ورشة سينما

محاضرات

محاضرة

الشريط الصوتي : البعد الرابع للصور

القسم الثاني

 عزالدين الوافي

"Le dialogue est un bruit parmi d'autres, un bruit qui sort de la bouche des personnages dont les actions et les regards racontent une histoire visuelle"               Alfred Hitchcock

 

أشكال الإنصات

يمكن أن نحدد أشكالا متعددة للإنصات منها:

ـ الإنصات السببي،الذي نحاول من خلاله تحديد مصدر وسبب الصوت .

ـ الإنصات الدلالي، حيث نحاول فهم المعنى المشفر لصوت ما من خلال عبارة أو كلمة في حوار ما.

ـ الإنصات المختصر الذي يركز بالأساس على خصائص الصوت كحدته ودرجته،ثم الإيقاع  ونوع النوتة إذا تعلق الأمر بالموسيقى.

ـ الإنصات للصوت كرابط بين لقطتين.

ـ الإنصات لمصدر الصوت كمؤشر على استباق حدث أو شخص قادم من جهة معينة خارج إطار الصورة.

 ـ الإنصات لصوت شخصية خارج إطار الصورة من دون مشاهدتها، وهو ما يعرف ب Voix seule  أو خارج المجال .

المؤلف الموسيقي والمخرج

لا بأس من الإشارة، أن وظيفة المؤلف الموسيقي وعلاقته بالمخرج السينمائي، وإلى الفترة التي يجب أن يتدخل فيها لتقديم خدمته، أي هل قبل إعداد السيناريو، أو خلاله، ثم هل خلال التصوير، أم بعده؟ بعض المخرجين يعملون على إدماج الموسيقى خلال عملية كتابة السيناريو، ويوجهون الموسيقى نحو ملامح معينة من الفيلم التي يودون تأكيدها.

في هذه الحالة تصبح الموسيقى جزءا لا يتجزأ من الفيلم مضيفة بعدا أعمق للشخصيات ،وللحركة ولزمن الحكاية أي حقبتها التاريخية، كموسيقى فيلم "القلب الشجاع" لكيفين كوسنير التي تحيل على إرث إسكوتلاندا وموسيقاها التقليدية،أو بعض الأنواع الموسيقية من أهازيج وأناشيد توظف في بعض الأفلام المصرية والهندية .

الموسيقي ليست مجرد شخص تابع لا رأي له بل له نصيبه في عملية الإبداع برمتها، في كثير من الأحيان قد تتجاوز جمالية الموسيقى جمالية الصورة ذاتها.من هنا طرحت العلاقة مجددا بين المخرج والمؤلف الموسيقي، وكيف يتوجب على كل منهما أن تكون له ثقافة تتجاوز حدود حقله. فهل على الأخير أن يكتفي بالامتثال لطلب الأول في إعداد موسيقى ما تتماشى مع فيلم ما وفق معايير ما.

يبقى أن نتساءل هل للمخرج حق الاختيار في توزيع هاته المقاطع على لحظات معينة وتوظيفها هنا وهناك، وعلى مؤلف الموسيقى أو المشرف عليها أن يتمتع بنظرة إبداعية تدرك أبعاد وجماليات تلك الصورة وتختار لها النوتة التي تناسبها  وفق رؤية فنية وإخراجية محددة؟  أم أن المخرج هو الذي سيقوم بكل شيء ويكتفي بإعطاء تعليمات بلغة غير لغة الموسيقى، ويتدبر أمره محكما حاسته الموسيقية في الاختيار ما دام هو المسؤول عن إخراج الفيلم؟

بعض المخرجين ينطلقون من تصور واضح عندما يتعلق الأمر باختيار الموسيقى.فبالنسبة لهم إن للصوتي وللموسيقي عالم سردي بكل مرتكزاته ومميزاته حيث يحكي عن شيء ما ضمن بنية ووفق معايير إيقاعية وشعرية لامرئية، بل تدخل في صميم التخييل. لذا فهم، من وجهة نظرهم على الأقل، لا يحاولون التشويش على المرئي بالسمعي، لأن ذلك من شأنه أن يشحن الفيلم بما لا يتحمله، ويزيد بالتالي من غموضه وتعقيده.

هنا تبرز الدقة في استعمال الموسيقى في الفيلم ودرجة الحساسية التي يمكن أن تثيرها نماذج موسيقية معينة.فبقدر ما   قد تجلب المشاهد، بقدر ما قد تنفره وتشوش على إدراكه لشريط الصور وإيحاءاتها المستترة.وقد نجد أن لبعض المنتجين في الغرب مواقف معينة من موسيقى ستراوس أو فاغنر، أو من مؤلف موسيقي له قناعات  إيديولوجية معينة.

مكونات الشريط الصوتي

يمكننا التمييز بين نماذج وأشكال موسيقية تتوزع مثلا بين الصوت الخارجي Voix offكصوت الراوي أو المعلق كما في الأفلام الوثائقية والتي تنبثق عادة من خارج مجال الصورة والصيرورة السردية، والصوت الداخلي في الحوار أو من مصادر أخرى تشكل المشهد الصوتي بكل مراتبه.والمجال السمعي عموما في الفيلم يمكن تقسيمه إلى ثلاثة مكونات هي :

 ـ مستوى ضجيج الفضاء

ويعد من مسؤولية Le bruiteur أي المكلف بالتقاط أنواع مختلفة من مصادر الصوت كهبوب الرياح،وتغريد العصافير وأزيز المحركات وغيرها، ويمكن التقاطها مباشرة من موقع الحدث كما يمكن إضافتها وهي جاهزة من شريط مستقل.

  ـ مستوى الحوار

يقوم بالإشراف عليه  بداية كاتب الحوار  بتنسيق مع المخرج ثم في مرحلة التصوير أو المونتاج  مهندس الصوت ويتدخل الميكروفون من خلال ما يعرف بجهاز la perche أي عصا الميكروفون  الذي يعلق شيئا ما فوق مستوى رؤوس الممثلين حتى لا يلتقط وسط إطار الصورة،أو من خلال ميكروفونات دقيقة توضع تحت الملابس.\

 ـ مستوى الموسيقى

هناك أصوات طبيعية أو حيوانية وأصوات صناعية، ثم أصوات بشرية كما يمكن خلق أصوات هجينة يتم تركيبها عن طريق المزج بين شكلين مختلفين كحديث الحيوان أو بكاء الإنسان الآلي مثلا.والربط بين شريط الصور وشريط الصوت هو ما يعرف عادة بالميكساج،ويتم على طاولة خاصة أو على جهاز الكمبيوتر مباشرة.ويمكن  إخضاع الشريط الصوتي للتصحيح الرقمي حتى تكون درجة الصفاء والنقل عالية بوفائها لنبرة الصوت ومستوياته.

ـ مستوى الصمت

لا يعني بالضرورة خلو اللقطة من الحركة أو المعنى ولكنه مقاربة أخرى لاستقاء المعنى من خلال الإيحاء والترميز المعتمد على فك الشفرات المرئية من دون الشفرات المنطوقة.

يمكن الاقتراب من علم أو عالم الموسيقى بالإشارة أيضا إلى طرق العزف والآلات الموسيقية المستعملة بين ما هو وتري ونفخي والآلات الإيقاعية وبين العزف الفردي والعزف الجماعي، أو الغناء الفردي والأوركسترا لي  حيث أنه لكل آلة نغمتها وجماليتها.فالكلارنيت ليست هي العود، والناي ليس هو الدف.ونلاحظ مثلا كيف تعمل بعض المسلسلات والأفلام العربية على الإكثار من نغمات الناي أو الكمان  لما لهما من وقع رومانسي وعاطفي يصل حد البكاء. وبالتالي فكل عزف لنوتة ما على درجة من السلم الموسيقى بالماجور أو بالمينور توحي بنغمة قد تتراوح بين الإيقاع الفرح والسريع أو الحزين والبطيء.

كل هذه الميزات لها دلالتها الرمزية في طرق التعبير عن خلق التوتر وتأكيد خطر جامح ،أو التعبير عن مكنون الشخصية أو عن مفاهيم مرتبطة بالفضاء كالاتساع أو الضيق.من هنا،نلاحظ أن التوظيفات الموسيقية ترتبط بأفق انتظار المشاهد من حيث التأزم الدرامي للسرد وهو ما يدفعنا لتأكيد تلك الوظيفة الدرامية للمقطع الموسيقي، كما نلمس من خلال نماذج لتشايكوفسكي،أو من حيث الكشف عن باطن المشاعر والأفكار كما نلاحظ من خلال أفلام هيتشكوك.

إذا كنا نتابع حادثة سير بطلها مثلا الممثل الرئيسي، ولن تسفر تلك الحادثة عن موت البطل، فنوعية الموسيقى ستتباين حسب درجة وخطورة اللقطة،أي أنه بإمكاننا أن ندرك هل الحادثة ستكون قاتلة أم لا. كما يمكن لمس أهمية الموسيقى في خلق الإحساس بالزمن وذلك بتسريع وتيرته  أو تبطيئها.

المؤكد أننا بإمعان النظر في أهمية الموسيقى نكون إزاء وظائف معينة.منها ما يدخل في صميم العمل الفني الذي يبقى أثره العميق على إدراك المشاهد ليدفع به للانغماس في عالم الفيلم، وبالتالي يجعل من الفيلم قطعة فنية تتناسق أطرافها لتشكل عملا بديعا. حينئذ نكون  أمام الوظيفة الحقيقية للموسيقى التي تتناغم مع ما قد تحمله الصورة من تعبير رمزي وإيحائي لتؤكد معاني المواقف وخلفيات المشاهد، وحركات الممثلين ورغباتهم المحققة والمحبطة.

وظائف الشريط الصوتي

يمكن القول إن هناك وظائف ثلاث للشريط الصوتي هي:

ـ  وظيفة توليفية

 يصبح فيها الشريط الصوتي بموسيقاه وأصواته وضجيجه وحواراته من صميم العملية الإخراجية ليساهم في تعميق العلاقة الدياليكتيكية بين المحتوى والشكل، أي  بين الصورة والصوت.وهناك من يعتبر أن هذه المرحلة بالذات هي العمود الفقري للفيلم من حيث إيقاعه وتضاد لقطاته، والربط بين متتالياته.

ـ  وظيفة ثيمية/درامية

  تنساق وتتماشى مع موضوع الفيلم، إذ تعمل على التكرار والإطناب لتأكد مدلول الفيلم خشية عدم إيفاء الفكرة ، أو باقي المكونات الإخراجية حقها.

ـ  وظيفة تزيينية

 يكون الهدف منها ملء الفراغ  الذي تبقيه الصور والسرد في مخيلة المشاهد وذهنه.وفي هذه الحالة يعمل المخرج على حشو نماذج موسيقية معينة قد لا تتماشى أصلا مع جنس الفيلم وفكرته، فنجدها ميالة أكثر للنغمة الغنائية ذات الإيقاع الراقص الذي يخاطب أذنا تعودت على أنماط سمعية ترتكز على الإثارة والذاكرة أكثر مما تخاطب الوجدان والذوق الرفيع.

تدخل الموسيقى في صلب السرد الفيلمي بما تشكله من خلفية سمعية تتضمن نقل عوالم الشخصية ونزعاتها. وكما أننا نتحدث عن مستويات المشهد كقولنا مشهد أمامي،ومشهد متوسطي،ومشهد خلفي، نفس الشيء يصدق بخصوص مرتبة اللقطات الصوتية، أي هل يحيل مصدر الصوت بحدته ووضوحه على القرب من الواجهة الأمامية للشخصية والمكان،أو أنه يتوارى شيئا ما ،أو أنه بعيد وغامض ويحيل على خلفية الحدث المكانية؟ وقد تمكن الطريقة التي سوف ستسجل بها الأصوات، أي هل مباشرة من/ ومع الصورة،من التدخل في نوعية الصوت ودرجاته في ما بعد في الأستوديو لتصحيح وضوحه وحدته.

في فيلم "هيروشيما يا حبي"للمخرج الفرنسي ألان رينيه نترقب ظهور شخصية ما عندما تقترن بعزف على آلة نفخية.بينما تظهر شخصية أخرى عندما يصاحب الحديث عنها آلة موسيقية أخرى.وعندما تجتمع ثلاث شخصيات نحس أن العزف يكون على ثلاث نوتات متكررة.بل إن طريقة العرض الموسيقي تدخل في علاقة تعايش وتكامل مع طريقة التصوير بحيث يصير اختيار نوعية النوته جزءا لا يتجزأ من نوعية اللقطة، لذا يتم تقديم ثلاث وحدات موسيقية صغيرة متبوعة بواحدة كبيرة.

نلاحظ بشكل مواز كيف ننتقل على مستوى اللقطات من ثلاث لقطات ثابتة متبوعة بلقطة ترافلينغ، كما نلاحظ كيف تحاول الموسيقى تتبع الإيقاع الداخلي للمشاعر بقطعة من سيمفونية بيتهوفن وترافقها في ذلك لقطة كبيرة لقسمات وجه البطل.بفضل التكنولوجيا الحديثة تمكن الإنسان أخيرا من رؤية الصوت على شكل تموجات، لكن هذا لا يمنعنا أن نتساءل مع فرانسوا تروفو متى سنتمكن من سماع الصورة ؟

...........................

باحث في مجال الصورة والسينما: المغرب- ورشة سينما :خاص

 عودة الى القسم الأول من المحاضرة