محاضرة

محاضرة
الشريط الصوتي : البعد الرابع للصور
القسم الأول
عزالدين الوافي
"Le dialogue est un bruit parmi d'autres, un bruit qui sort de la bouche des personnages dont les actions et les regards racontent une histoire visuelle" Alfred Hitchcock.
...............
لا نبتغي من هذا الدراسة الوقوف عند الإطار النظري لمعرفة البعد الموسيقي والصوتي من حيث اشتغال المشاهد أو الناقد على عوالم الموسيقى كمادة أكاديمية.كما أن أي مقاربة لموسيقى الفيلم بما تتضمنه من أنواع النغمة والإيقاع، وكيفية توزيعها على السلم الموسيقي وفق الآلات الموسيقية المختارة يتجاوز اختصاصنا.إن ما نصبو إليه هو التعريف بمكونات الشريط الصوتي، والاقتراب قدر الإمكان من دلالات الأصوات بما فيها الحوار،وكذا الوظائف السردية للموسيقى.
أهمية الشريط الصوتي
لا يشكل الشريط الصوتي للفيلم جزءا بسيطا ينضاف لشريط الصور، بل هو مكون أساسي من مكونات السرد الفيلمي، بمعنى أنه يرمي إلى خلق هوامش ودلالات أوسع للحدث وللشخصية حتى تكون اللغة المرئية والمسموعة مكملتان لبعضهما البعض.وذلك لما يتضمنه ذلك الشريط من أصوات مسجلة في عين المكان، ومضافة أو هي من رحم الحوار ذاته.الموسيقى التصويرية أو المصاحبة للمشاهد واللقطات عامل هام في ترسيخ تيمة الفيلم وأجواءه.
لا شك أن الأشكال الموسيقية مرتبطة بشكل عام بمظاهر الثقافة وفن السماع وبمدى حضور السمعي في خريطة المرئي.وبالتالي، فالعلاقة بين الأذن والعين أي بين الشفهي والمرئي علاقة تطبع التحولات الثقافية والوجدانية فيما له علاقة بالتذوق الجمالي والتربوي للحواس.وهنا تتدخل بحدة قضية ما يعرف ب "تربية الأذن" وإعطاء المستمع فكرة لا بأس بها عن القواعد الأساسية في التربية الموسيقية، سواء من جهة المنتج أو من جهة المستهلك.
بناء على ما سبق ، فأي توظيف للموسيقي في الفيلم لا يجب أن يكون مجرد تلبية لرغبة غامضة في ملء فراغ سردي، أو التمويه عن فقر في عمق الشخصية أو في البناء الدرامي للقصة،حيث ستتحول الموسيقى آنئذ من مكون ذو وظيفة أساسية إلى مكون ثانوي ليس إلا.
وفي علاقة الصوت بالصورة، هناك من يعتبر أن الصوت يضفي" قيمة مضافة" على مغزى ومبنى الصورة. إن الوظيفتين ليستا متكاملتين بمعنى ارتباطي، ولكنهما، بما يحفزان في إدراك المشاهد من استقاء للمعنى وبناءه، فإنهما يصبحان أي، الصوت والصورة، متداخلين بالمعنى الفلسفي الذي يجمع بين متناقضين.وهذا ما يساعد المشاهد على تكوين وإنتاج صورة موازية وأحيانا مكملة سواء للمنطوق أو للمعروض.
عادت أهمية الموسيقى لتحتل الصدارة في الإنتاج الفيلمي في الستينيات من القرن الأخير وخصوصا مع الموجة الجديدة حيث لمح فرانسوا تروفو إلى كارثة تغييب الموسيقى في الفيلم، وذلك بعدما صار لكل جنس فيلمي موسيقاه مع بعض الاستثناءات التي كانت تهدف إلى تكسير القاعدة بإدراج نماذج موسيقية لا يتطابق فيها المرئي مع المسموع كأن تظهر لحظة حرب موسيقى رومانسية.تعود المخرج خلال هذه الفترة على الاكتفاء باختيار قطعة موسيقية أو أغنية من ضمن مجموعة من الأشرطة الكلاسيكية عادة، وإلصاقها حسب رغبته في مشاهد ما وفق اختياراته الفنية والذاتية التي يراها هو ذات مغزى .
بالإضافة إلى الموسيقى كمكون جمالي وسردي، هناك عناصر أخرى كأصوات الممثلين الصادرة عن الحوار، والضجيج المصاحب للحركة وللصورة كمحيل على مكان الحدث أو على نوعية العاطفة المرغوب في استئثارها.ولا بأس هنا من تحديد مجموعة من الملاحظات لإدراك موقع كل من الموسيقى والصوت على الشريط الصوتي وعلاقتهما بالصورة.
نتساءل دائما عن مصدر الصوت،أي هل هو نابع من داخل مجال الصورة أم من خارجها. ومن أجل هذا نشير عندما تتدخل إحدى الشخصيات كصوت فقط Voix seule أو نشير خارج الحقل Hors champ أي أن الممثل أو الممثلة يتحدث من دون أن نرى صورته.بعد ذلك لابد من الربط بين نوعية الموسيقى وتيمة الفيلم أو التيمة الفرعية التي تتناولها المتتالية أو اللقطة.ثم ننتقل لتحديد علاقة إيقاع الموسيقى بإيقاع اللقطات،هل هي رتيبة أم سريعة وتتنقل من لقطة إلى أخرى؟
نقطة أخرى لها دلالتها من حيث التوقيت ليس الزمني من حيث المدة، ولكن من حيث الوقوع، أي هل تبدأ الموسيقى مع بداية المتتالية، تتوسطها أم تتدخل عند نهايتها؟ كما يلزمنا أن نتساءل عن مدى استمرارية الموسيقى لتشكل رابطا صوتيا بين متتاليتين؟ كما أنه بالإضافة للمرتبة الدرامية التي تحتلها الموسيقى،وللقيم التي تقوم بتمريرها وتسعى لتأكيدها كتلك التي ترتبط بالسخرية وبالتراجيديا أو بالدلالات البطولية،فإن أهمية الموسيقى تبرز من خلال الموقع الذي تحتله في المشهد، أي هل تأتي من الأمام أو من الوسط أو كخلفية سمعية تحيل على التواري والاختفاء؟
لماذا الأصوات والموسيقى؟
تبدو الأصوات بضجيجها وخلفياتها وكأنها عاكسة حينا لمشاعر الممثلين، ومحيلة على زمن ومكان ، وسير الأحداث،ووترتها الدرامية حينا آخر.ونعلم أن وظائف الموسيقى قد تتراوح بين ما هو تزييني محض،وهذا هو الأسوأ، وبين ما هو توليفي خالص، وهذا هو المطلوب.إذن يمكن أن نتحدث عن تعاقب شريط الصور بما يتضمنه من نظرات وألوان وحركة وسط بنيات مكانية،كما يمكننا الحديث عن فضاء صوتي بتركيبته السمعية الموزعة داخل متتاليات زمنية وسردية أو كفواصل رابطة بين المشاهد .
ارتبطت في أذهاننا العديد من أفلام الويسترن وأفلام الرعب بأنواع موسيقية معينة أو العكس.وحتى في غياب العرض الصوري، ظلت إيقاعات بعض المشاهد تتردد على مخيلتنا ومسامعنا بالرغم من مرور الزمن عليها.وكم من فيلم حقق شهرته بفضل نوعية الموسيقى والأغاني التي استعملت فيه،أو بفضل الصوت الحنون أو الرخيم لأحد ممثليه. فهل يتعلق الأمر يا ترى بارتباط عاطفي بلحظات مشاهدة معينة تركت بصماتها علينا، أم بشغف بتلك النماذج الموسيقية من دون التفكير في ما إذا كان للفيلم كأحداث أي أهمية تذكر؟
ما من شك أن طريقة استعمال الموسيقى في الأفلام تتوقف على الغرض الذي يصبو المخرج إلى تحقيقه، والحيز الذي يجب أن يحتله الشريط الصوتي جنبا إلى جنب شريط الصور.لذلك يرى البعض أمثال كل من تاركوفسكي ورونوار وبونويل، أن الفيلم الجيد والمتمكن من لغته السينمائية قد لا يكون في حاجة إلى إضافة عنصر الموسيقى أصلا، على اعتبار أن لإيقاع المونتاج، ولدلالات الكادراج، وكيفيات التصوير موسيقاها التي تغني عن كل أصوات إضافية ،ولنا في بعض الأفلام الصامتة خير دليل على ذلك،نموذج شارلي شابلن وإزينشتاين وبعض الأفلام الانطباعية .
وظائف الصوت والموسيقى
يلجأ المخرج للموسيقى لأسباب متعددة فقد يريد منها تأكيد ما تحمله الصورة من مضامين وأحاسيس،وهذا يبقى أسوأ استعمال للموسيقى على اعتبار أن الموسيقى تحكي أشياء أخرى لا تظهرها الصورة، وبالتالي تكون دلالاتها أعمق وأغنى عندما تدل على معاني غير مضمنة في ما هو مرئي. فعوض أن نسمع عزف ناي أو مقطع رومانسي يصاحب مشهدا غراميا، يقوم المخرج بعرض طلقات رصاص أو صوت آلة للحرث.هذا ما يمنح للموسيقى استقلاليتها وتميزها.وهي فكرة للمخرج جان لوك غودار الذي يعتقد أن الموسيقى يجب أن تدل على أحاسيس لا يستحضرها حوار شخصيتين .
تستقي الأصوات، مع المكونات السمعية الأخرى، أهميتها من خلال القيمة الجمالية والفيلمية التي تضيفها على العمل السينمائي.فبالإضافة إلى كونها ذات قيمة إخبارية/سردية،فإنها تساهم في الدفع بإدراك المعنى الكامن في تيمات الفيلم،كما تساعد على الكشف عن نوعية العلاقة بين الشخوص من خلال الحوار.
يعتبر هذا ضمن ما يدفع بالمشاهد إلى محاولة فك شفرات الفيلم المنطوقة والصامتة. للشريط الصوتي أيضا وظيفة تعبيرية تروم خلق جو من المشاعر المسالمة أو العدوانية كالحب أو الخوف، أو الانتقام والغيرة.ويمكننا أن نضيف إلى جانب هاتين الوظيفتين، الوظيفة التشخيصية أو التجسيدية. فعند سماعنا لخرير شلال ماء متدفق، ورؤيتنا لصورة شلال فأننا نربط بين الصوت والصورة في عملية تكميلية.لكننا بالمقابل، وخصوصا عندما نكون إزاء وظيفة الموسيقى كمجاز وكربط بين السمعي والبصري، فقد يعمد المخرج إلى التشبيه بين امرأة ثرثارة أو رعشة جنسية وبين سيل منهمر من الماء، وفي كلتا الحالتين قد نرى الماء أو لا نراه .
....................................
باحث في مجال الصورة والسينما: المغرب- ورشة سينما :خاص
وس 26-11-2009
اضافة تعليق