دراسات ومحاضرات
السينمائي الرائد جريرسونمحاضرة
الأساليب الفنية في السينما الوثائقية
القسم الثاني
د.صباح مهدي الموسوي
ان جريرسون يؤمن بان التصوير المباشر للاحداث والظواهر لا يسهم في تطوير فن السينما الوثائقية .ولا يتعدى حدود التوثيق .لان الواقع لا يصنع فلماً مهماً كان الاسلوب الذي يعرق فيه المادة المصورة .ولكي يكون الفلم الوثائقي خلقاً فنياً"لابد من ان يغوص الفلم خلف هذه الاحداث والمظهر ليقدم لنا خلقاً فنياً يمكن ان يبلغ مراحل الفن العليا .والخلق الفني بهذا المعنى لايعني تصوير اشياء بعينها وانما يقصد به ابراز المغزى الذي ينطوي خلف هذه الاشياء".
هذا المبدأ يؤكد المخرج والمنظر البولوني كاراباخ حيث يقول "ان نظرية الاحداث تعبر عن نفسها يمكن قبولها الى حدود معينة.اما الاخذ بها تماماً فانه يبعد العمل عن مفهومه الفني ويمنع امكانية تفسير الواقع".ويرى جريرسون ان الواقع مصدر المادة الخام متعدد الجوانب وان الكاميرا لا يمكن ان تحيط لكل اوجه الواقع بل تسجل ما تسمح به عدسة الكاميرا لذا فان تعامل الفنان مع الواقع يجب ان يخضع الى عملية انتقاء واختيار من الواقع ما يقع ضمن اهتمام موضوعة الفلم .وهذا لا يتم بشكل دقيق دون تخطيط مسبق ،اي وجود سيناريو ومن يميل جريرسون "الى الاعتقاد بان النص هو القوة الكبيرة وراء الفلم".
مسالة اخرى مهمة يؤكد عهليها جريرسون ويتفق بهامع اسلوب فلاهرتي وهي ان الفلم عليه ان لا يقتصر على الوصف بل عليه البحث والتنقيب للكشف عن دراما الحياة .كما يجب على الوثائقي عدم الاكتفاء بترتيب المادة المصورة عرضها بل عليه ان يتضمن عمل الفلم (المشكلة ،الاسباب،الحلول).
مما تقدم يمكن ان نستخلص السمات الاسلوبية لدى جريرسون على الشكل التالي"
1. التاكيد على التخطيط المسبق ،ووجود سيناريو قبل التصوير كي يعرف الفنان ماذا يريد من الواقع ويختزل الزمن والجهد والمال.
2. على الكاميرا ان لا تكتفي بالوصف والمراقبة بل التغلغل في الواقع للكشف عن دراما الحياة.
3. على صانع العمل ان لا يكون محايداً عند معالجته للموضوع ،بل عليه ان يمتلك موقفاً فكرياً ازاء ما يجري.
د.موسيقى العين"السينما الخالصة
برزت خلال فترة العشرينات من القرت الماضي بعض الافلام الوثائقية التي اعتمدت في بناءها السردي على المبادئ التي جاءت بها الطليعة الفرنسية والممثلة في اراء ابيل جانس ،جيرمن دولاك،ولوي ديلوك وغيرهم ،الذين ينادون بسينما صافية تهتم بحاسة النظر (موسيقى العين ) اي ترتيب الصورة السينمائية مثل الموسيقى في ترتيبها للاحداث للحصول على احساس بالرؤية وتصور معين.
وهذا ما تدعو اليه جيرمين دولاك حيث تقول "ان السينما والموسيقى رابطاً مشتركاً حيث بامكانالحركة وحدها ان تخلق التاثير المطلوب عبر ايقاعها وتطورها" ،برز هذا الاتجاه في الافلام الوثائقية التي تناولت موضوعات المدن والتجمعات السكانية ،وكان فلم (برلين سموفونية مدينة عظيمة) للمخرج الالماني والتر رتمان 1927 خير ممثل لهذا الاتجاه والذي "يسعى الى تقديم مشاهد الفلم في توالي حركة شبيه بحركات السمفونية الموسيقية ،ويتطلب هذا الاتجاه من المخرج ومصوره ذوقاً عالياً وحساً تصويرياً مرهفاً يعتمد على استخدام الايقاعات المتغيرة السرعة والمؤثرات الخاصة".
اعتمد هذا الاتجاه في البناء السردي على مونتاج تعدد الاحداث ،وهو اسرع اشكال المونتاج ،حيث يتضمن سلسلة من اللقطات القصيرة ،تكون ذات عناصر واضحة الا ان التقسيم الزمني الذي رتبت فيه ليس له اهمية .فالسرعة التي تتدفق فيها اللقطات تجعل المشاهد لا يمتلك الوقت الكافي للتفكير في اللقطة او المعيار الذي ربطت فيه ،كذلك فان السيل الصوري الذي يغرق المشاهد يخلق لديه في النتيجة احساس بتصور او رؤية خاصة بالعالم الفلمي المعروض امامه،من خلال تناسق للبنى البصرية ،عن طريق الظل والضوء والايقاء وتعبير الوجه .اما السمات التي يتميز بها هذا الاتجاه فهي"
1. التعبير عن حركة مرتبطة بالايقاع وحده.
2. الايقاع هو تطور الحركة المتشكلة من عنصر فيزيائي وعنصر عاطفي.
3. ينبغي على العمل السينمائي ان يرفض كل جمالية خارجة عنه وان يسعى للحصول على جماليته الخاصة .
4. ان على الحركة السينمائية ان تكون هي حركة الحياة ،او الحياة نفسها.
5. ينبغي على العمل السينمائي ان لايقتصر على الشخصيات البشرية بل يمتد ليشمل مجال الطبيعة والحلم.
هـ: آنية الحدث ،السينما المباشرة والسينما الحرة
شهدت فترة الستينات تطورات كبيرة في التقنيات السينمائية كان لها الاثر الكبير في القدرات التعبيرية للسينما ،وفتح افاق واسعة اما الفنان في متابعته لحركة الواقع ،حيث شهدت هذه الفترة ظهور الكاميرا المحمولة والخفيفة الوزن الامر الذي حرر الكاميرا من اسر الاستودو والاستجابة السريعة لكل الاحداث في مواقعها.
كذلك الوصول الى اكتشاف الاشرطة ذات الحساسية العالية .مما ساعد على التصوير في مختلف الاماكن باجهزة اضاءة قليلة وبسيطة .وبدرجات ضوئية مختلفة .اضافة الى ذلك فقد توصلو الى عملية تسجيل الصوت مع الصورة بشكل متزامن .مما اضفى واقعية ومصداقية على الاحداث كذلك تسجيل المؤثرات الصوتية في المكان نفسه واختزال عملية تسجيل الصوت ثم اضافته الى الفلم .كل هذه المكتشفات ساعدت على بلورة اتجاه جديد في الفلم الوثائقي هو اتجاه السينما المباشرة في اميركا وابرز ممثليها المخرج ريتشارد كيلوك والبرت وديفيد مايزلز، ودي .اي بنييكر.وفي الوقت نفسه ظهر في فرنسا الاتجاه نفسه (السينما الحرة) ممثلة في المخرجين امثال ،جان رووش وكريس جاركو "الا ان الفرع الفرنسي مال الى التاثر بتقاليد دزيغا فيرتوف بينما كان التاثير الاساسي في اميركا وكنا هو لروبرت فرهرتي"
اتخذت السينما المباشرة شعاراً لها هو "اذهب وشاهد ماذا يحدث ل"لانها تؤمن بان الدورات الطويلة للتصوير كفيلة بان تمسك بتلك اللحظات المميزة او الاحداث التي لا يمكن تكرارها،او اعادة تمثيلها لذلك فهي ترفض كل اشكال التخطيط المسبق.معتقد انه يفقد الحدث عفويته ومصداقيته ، ومن اشهر افلام هذا الاتجاه فلم (الانتخابات الاولية ) والذي يصور بشكل مباشرة اغلب تفاصيل الحملة الانتخابية على الرئاسة الامريكية بين كندي ومنافسه همفري ويمكن نستخلص خصوصية هذا الاتجاه كالاتي:
1. بسبب عدم التخطيط المسبق ،فان اغلب الموضوعات التي تتناولها السينما المباشرة هي موضوعات غير مسيطر عليها.
2. التضحية بالصنعة التقنية للفلم وجمالية التكوين في الصورة من اجل الامساك بالحدث بعفوية وبشكل مباشرة.لذا تجد ان اهتزاز الكاميرا والحركة غير المدروسة تمثل خاصية من جماليات الحقيقة للسينما المباشرة.
3. التصوير بالدورات الطويلة للكاميرا والاقلال من القطع قدر الامكان توخياً من ان يقع شيئاً مهماً لا تمسك به الكاميرا.
4. يتحمل المصور الثقل الاكبر في متابعة حركة الواقع اذ عليه ان يتمتع بقدرة ع على الاستجابة السريعة لكل المتغيرات التي تحصل والامساك بها.
5. على صانع الفلم ان لا يسيطر على الاحداث بل عليه ان ينقاد اليه.
ز-اعادة بناء الحدث
هنالك احداث مهمة وذات اثر بالغ في حياة الشعوب قد حدثت ولم توثق وقتها ونظراً لاهميتها السياسية او التاريخية او الانسانية يعاد بناء هذه الاحداث امام الكاميرا بشخوصها ومكانها زمانها قدر الامكان .هذا الاسلوب التمثيلي في الافلام الوثائقية (وهنا نقصد الممثل غير المحترف الذي يعيد تمثيل حياته او ما عايشه من احداث امام الكاميرا )قد اقتسم الاراء اتجاه توظيف الممثل فريقان :الاول يرى ان استخدام الممثل تشويه للصدق والعفويه،فالانسان عندما يقف امام الكاميرا يحيط به كادر العمل والاضاءة ،ينتابه القلق واحياناً تكون افعاله وتصرفاته مصطنعة انطلاقاً من الراي القائل (ان الانسان دائماً يحاول ان يكون بافضل صورة امام الاخرين ) ومن المخرجين الوثائقيين الذين يؤيدون هذا الراي المخرج الامريكي روبرت درو اذ يقول (ان الافلام الوثائقية باستثناء قلة نادرة ،مزيفه فانا ارى الذين يخرجونها ،وارى معدات الاضاءة البراقة ارى الناس واقفين بانتضار التعليمات) اما الفريق الثاني فانه يرى في استخدام الممثل اغناء للسينما الوثائقية واتساع لافاق تطورها في معالجة الواقع وبشكل خاص الانسان ودواخله ،فقد كتب المخرج الوثائقي يوريس ايفانس (هنا حيث نحتاج الى كشف التطورات الذاتية للانسان يتعذر علينا ان نستغني عن الممثلين غير المحترفين وعن فنهم في التجسيد والتعبير .ان الراي الثاني هو الاكثر شيوعاً اليوم فالتداخل بين الاسلوبين الروائي والوثائقي اصبح حالة مشروعة للمخرجين معتمدين على مبدأ الاستفادة من الامكانيات ووسائل التعبير في كلا الاسلوبين سوى في توظيف عناصر اللغة او انماط السرد .ولكن شريطة المحافظة على موضوعية الحدث دون مبالغة او تزييف .ومن الامثلة على هذا الاسلوب فلم يوريس افانتز عن يوم العمال العالمي وفلم عبد الهادي الراوي انقاذ جثة شهيد .ومن سمات هذا الاسلوب هي :
- التعامل فيما يجري امام الكاميرا كواقع حي وليس معاد وعليه يجب ان تترك حركته تجري بكل عفوية وانسيابية دون اي تدخل او توجيه.
- اعادة بناء الحدث في مكانه وزمانه وبشخوصه الذين عايشوه وشهدوه.
- تترك الحرية الكاملة للممثل غير المحترف التصرف امام الكاميرات دون التدخل في توجيه مشاعره واحاسيسه.
- على المخرج التعامل مع ما يجري امام الكاميرا كواقع منساب في حركته وعليه ان يسجل ما يجري بعفوية ومنطقية تحقق قدر اعلى من المصداقية,
المراجع
1- فهم السينما لوي دي جانيتي
2- سينما الحقيقة والحقيقة السينمائية دزيغا فرتوف
3- السينما التسجيلية جون جريرسون
4-السينما التسجيلية د. منى الحديدي
5- بحثا عن السينما عدنان مدانات
6- علم جمال السينما هنري آجيل
..................................................
من اسرة كتاب ورشة سينما
و س 17-1-2010