Cinema Workshop ورشة سينما

دراسات ومحاضرات

فيرتوف فيرتوف

محاضرة

الأساليب الفنية في السينما الوثائقية

القسم الأول

د.صباح مهدي الموسوي

بالرغم من الدور الكبير الذي يضطلع به الفلم الوثائقي واسهاماته الكبيرة في مجالات التوجيه الفكري والتوعية والارشاد والاعلام ،فان نصيبه من البحث والدراسة والتنظير من قبل الباحثين والمنظرين قليل جداً ،والملاحظ في الامر ان النسبة الكبيرة من التراث النظري للسينما الوثائقية قد كتب من قبل صناع الافلام انفسهم ،والذي جاء على شكل بيانات او توصيفات او تحليلات لاعمال تم انجازها من قبلهم ،لذ من الممكن استنباط  الاساليب السردية للفلم الوثائقي وتحديد سماتها من خلال تلك التنظيرات تلك التنظيرات والتي يمكن تحديدها كالاتي:

أ.نظرية عين الكاميرا :دزيغا فرتوف

يحتل اسم فرتوف مكانه كبيرة في مسيرة الفلم الوثائقي ،حيث انعكس تاثيره عل كل من عمل في السينما الوثائقية من خلال الوسائل والاساليب والاكتشافات التي حققها في مجال الفلم الوثائقي ،فقد ساعدت ظروف الثورة الروسية وقتها فناني السينما امثال ايزنشتاين ،كوليشوف،بودوفكن،فرتوف،على التجريب والبحث في خلق نظريات جديدة في مجال المونتاج السينمائي،قد استطاع فرتوف من خلال عمله في مونتاج الجرائد الاخبارية من صياغة نظرية عين الكاميرا في مجال الفلم الوثائقي "والتي تهدف الى تسجيل الحياة كما هي في واقعها وحقيقتها فلم تتحكم في مادته سوى امكانيات الة التصوير وعملية التركيب والمونتاج" ،ولم يعد المونتاج عند فرتوف مجرد عنصر من عناصر التعبير السينمائي،بل يشكل لديه منهج متكامل لديه منهج متكامل ،يبني من خلاله المادة الخام التي يمنحها له الواقع .

ومن اختيار وتنظيم هذه المادة استطاع فرتوف تحقيق اساليب جديدة ومبتكره في خطاباته الفلمية منطلقاً من فهم دقيق لبنية الفلم ابتداءاً من محتوى اللقطة والمشهد وصولاً الى البناء الكلي للفلم ،"انا العين السينمائية..اني اخذ من احدهم الايدي الاقوى .والاكثر مهارة ومن آخر الارجل الاكثر صقلاً والاسرع ومن الثالث الرأس الاجمل والاكثر تعبيراً وعن طريق المونتاج اصنع الانسان الجديد الكامل" ،فالمونتاج لدى فرتوف ليس عملية ربط اللقطات او المشاهد المصورة وفق ترتيب زمني وعرضها بمساعدة تعليق ،بل التعامل مع المادة المصورة مونتاجياً بشكل اكثر تعقيداً "نحن نجمع الحروف بحيث تنتج كلمة (فلاح) او كلمة (طريق) او كلمة (حصان) وفي المحصلة ينتج "الشتاء .يحتفل الفلاح بتعبيد الطريق بالخشب"، اذن المونتاج يدخل المادة المصورة في علاقة جدلية تفاعلية .انها كتابة سينمائية يسعى فرتوف من خلالها ان يرى المشاهد ما يريد قوله هو "ساجبر المتفرج على ان يرى هذه الظاهرة المرئية او تلك كما يفيدني انا ان اعرضها" ،فالهدف الذي يسعى اليه هو تقديم الجانب الاعلامي والدعائي للثورة عن طريق حقائق ملموسة من الواقع .فهو يفصل بين موضوعية المادة المصورة وبين موضوعية الفلم."فموضوعية المادة المصورة تاتي من كونها مادة موجودة اصلاً في الواقع ،ولكن موضوعية الفلم تاتي من التحليل العلمي المادي ،من الربط الجدلي بين الاحداث والظواهر والمواد المصورة ،من التطابق بين النتيجة الفكرية التي يصل اليها الفلم وبين منطق التطور التاريخي الموضوعي والحتمي" .الى جانب الاساليب المونتاجية المتنوعة التي وظفتها فرتوف ،والتي تعد المرتكز الاساسي في البناء السردي لافلامه ،فقد اعتمد فرتوف اسلوب تصوير الحياة كما هي .دون التدخل في مجريات ما يجري امام الكاميرا .من اجل الحصول على مادة تتسم بالعفوية والصدق ومن اجل الامساك بالهدف بحرارته استخدم اسلوب التصوير المفاجئ ،والكاميرا الخفية للوصول الى تللك اللحظات الانسانية والاحداث التي لا يمكن ان تتكرر امام الكاميرا بنفس الحياة والمصداقية .يقول فرتوف "التكرار هو الشيء الوحيد المستحيل على وجه الارض فاذا سجلت على الشريط ما راه الان مع كيفية رؤيتي له فاني لن اسجل هذا ابداً مرة اخرى بشكل مماثل تماماً .انني اضع تشخيصاً واسجل في الحال ".

ان الانية التي انتهجها فرتوف في رصد حركة الواقع ترفض كل اشكال التخطيط المسبق وبشكل خاص السيناريو وكل التقاليد الدرامية في السرد الروائي معتبراً اياها افيون  مضلل للحقيقة "يسقط الفنانون والدراما الفنية ،اعطونا سينما جديدة ".ورايه في السيناريو "ان السيناريو خرافة الفها الاديب عنا .نحن نعيش حياتنا ولا نخضع لاي اختلاق"   وانطلاقاً من فهم فرتوف للفلم الوثائقي باعتباره وسلة نظال ترتبط بحاجات الجماهير فقد استطاع ان يبني  علاقة تفاعل بين الكاميرا والواقع من خلال الغور في اعماق الواقع والكشف عن الظواهر والمستجدات وليس مجرد التسجيل السطحي ،لان غاية الفلم الوثائقي تفسير الواقع من خلال الواقع نفسه.    

بعد هذا العرض الموجز لاهم السمات التي ترتكز عليها نظرية عين السينما في بنية الفلم الوثائقي يمكن تلخيصها على الشكل الاتي:

  1. تصوير الحياة كما هي .دون تدخل في مجريات ما يجري امام الكاميرا.
  2. اعتماد اسلوب التصوير المباغت والكاميرا الخفية للامساك باللحظات العفوية والتاكيد على مصداقية التعبير.
  3. الارتكاز على عنصر المونتاج في عملية الاختيار والتنظيم وفق فكرة مسبقة ،بشكل يعيد تشكيل المادة المصورةبما يخدم اغراض واهداف محددة.
  4. التغلغل في خلايا الواقع وتفسير مظاهر الواقع من خلال الواقع نفسه.
  5. رفض كل ما هو متخيل ولا يربط بالواقع وبالتالي رفض كل التقاليد المسرحية والروائية.

ب.الملاحظة الطويلة :روبرت فلاهرتي

كانت السمات الشخصية التي يتمتع بها المخرج الامريكي روبرت فلاهرتي والمتمثلة بحبه للمغامرة  والبحث والاستكشاف الدور الكبير في صياغة افلامه وبالتالي بلورة اتجاهه الخاص .الذي يعرف بالاتجاه الشاعري .فقد كانت موضوعات افلامه تبحث عن كل ما هو غريب غير مألوف وليس بالعادي .فكل فلم من افلامه يمثل رحلة استكشاف للطبيعة والانسان .لذا نجد ان الثيمة الاساسية في اغلب اعماله تدور حول علاقة الانسان بالبيئة التي يعيشها .وصراع الانسان المتواصل من اجل البقاء وديمومة الحياة.

فقد تمتع فلاهرتي  بحساسية عالية جداً في مراقبة حركة ما يجري امام الكاميرا مستفيداً من دورات الكاميرا الطويلة في تسجيل تلك الصور الواقعية برؤية شاعر معبراً عن التفاصيل الحياتية الدقيقة بنعومة وبساطة دون اي تعقيد "وتتميز اعماله بانها تجمع بين السرد الوثائقي والروائي الشاعري باسلوب زاخر بالعواطف الفياضة والمشاعر الانسانية الرقيقة والافكار المتفتحة"

لقد استطاع فلاهرتي ان يختط له اتجاهاً في معالجته السينمائية للواقع ضمن بناء سردي لم يسبقه احد اليه .وقد تبلورت اهم الخصائص الاسلوبية لهذا الاتجاه عبر عدد من الافلام من بينها (نانوك رجل الشمال 1922،وفلم رجل من اران 1934 وفلم حصة لويزيانا 1948)،اعتمد فلاهرتي في بناء افلامه على اسلوب الملاحظة الطويلة فبعد معايشته للمكان والناس فترة طويلة ومعرفة تفاصيل حياتهم ،تبدأ مرحلة المراقبة والتسجيل على ضوء ما تولد لديه من افكار حول الموضوعى ،فهو لم يستند الى سيناريو معد مسبقاً وانما من خلال معايشته وغوره في اعماق الواقع وكشفه عن ادق التفاصيل وتسجيله لها تاتي مرحلة الاختيار والترتيب للمادة المصورة عن طريق المونتاج  الذي يمثل المرحلة الاخيرة في بناء الفيلم ومن الملاحظ على اسلوب فلاهرتي انه مسرف في التصوير ففي فلم قصة لويزيانا "بلغ نسبة التصوير 1-30 وهي نسبة عالية اذ اعتبرنا انه النسبة العادية عند معظم المخرجين هي حوالي 1-5 " .كذلك فلمه رجل من اران حيث بلغ طوله 7000 قدم منتجت من اصل 200000 قدم من الفلم.

ان الهدف من هذا الكم الكبير من المادة المصورة يرجع الى اعتقاد فلاهرتي "ان الفنان يكشف فقط ما هو موجود اصلاً هناك في الحياة وفي الفلم الخام". وعلى الرغم من ان اسلوب فلاهرتي يجمع بين الروائي والوثائقي  الا انه في بنائه للقطة ينمو بواقعة في تشكيل عناصرها من خلال "تاكيد على العلاقات المكانية الداخلية بواسطة التصوير العميق وتتم المحافظة على الزمن الحقيقي بالاستخدام المتكرر لدورات التصوير الطويلة".

كما تشكل اللقطات الواسعة للكادر وبساطة استخدام حركة الكاميرا المدروسة تاكيداً على اسلوبية فلاهرتي في "ان تحتفظ طريقة العرض السينمائية لحادث طبيعي بشء من التلقائية الحادث نفسه".

اما بالنسبة للمونتاج .فليس هناك نص سيناريو يتم على ضوءه ربط اللقطات كان هناك وصف عام "اما التفاصيل وخطوات التسلسل فكانت تتقرر حسب ظروف التصوير وجودة اللقطات ولم يكن يفكر فيها فلاهرتي قبل وصولها لمرحلة التركيب".

لان المادة المصورة تعتمد على سرد حدث ما وليس على قصة متسلسلة في احداثها .لذا فان اللقطات يكتسب شاعريتها ومضمونها العاطفي من خلال التركيب اي الاختيار  والترتيب.

بعد هذا الاستعراض يمكن ان نستخلص اهم السمات الاسلوبية في بنية السرد لدى فلاهرتي كالاتي:

  1. المزاوجة بين الاسلوب الروائية والوثائقي .من خلال استخدام الممثل غير المعروف واعادة تمثيل الحدث.
  2. عدم التخطيط المسبق وعدم الاعتماد على السيناريو .بل الاعتماد على المعايشة الطويلة والمراقبة الدقيقة في النفاذ الى اعماق الحياة والكشف عن التفاصيل وتسجيلها.
  3. البساطة في التقنية والتكيد على تلفائية الحدث في بناءه وعرضه.
  4. استخدام الدورات الطويلة في التصوير ،والتوظيف الواقعي لالة التصوير في متابعة الحدث.
  5. عدم الاكتفاء بالوصف بل التنقيب والكشف عن دراما الحياة.

ج_التخطيط المسبق:جون جريرسون

 يعد جون جريرسونالاسكتلندي الاصل الاب الروحي للسينما الوثائقية،فقد كرس كل جهوده في خدمة السينما الوثائقية معلماً وداعياً ومنظراً.فاكتسب شهرة واسعة وتاثر كبير امتد خارج انكلترا ليشمل الولايات المتحدة وكندا واستراليا ونيوزلنده.فلم تكن شهرة جريرسون نتيجة اعماله فهو مبستر في هذا الجانب ولديه فلم واحد هو (صائدوا الاسماك)1929 استقبله النقاد بالاعجاب كونه دراما ماخوذة في الواقع الحقيقي،يحكي حياة صائدوا الاسماك واعمالهم اليومية وما تضمنه الفلم من مناظر طبيعية لم تكن مؤلفة الرؤية على الشاشة.

لقد استطاع جريرسون مع مجموعة من الوثائقيين الذين التفوا حوله الاستفادة من اعمال العديد من الفنانين امثال فلاهرتي،فرتوف ،ايزنشتاين ،بودوفكن،وعداهم واستنباط قواعد واسس جمالية وفنية للفلم الوثائقي هي مزيج من التقاليد الامريكية والروسية .شكلت اسلوب في التعبير الفني يتسم بالسهولة وبعيداً عن المبالغات .فقد استطاع جريرسون من صياغة مفهوماً للفلم الوثائقي معتبراً اياه (معالجة خلاقة للواقع) ووفق هذا المفهوم فان جريرسون يرى الفلم الوثائقي ليس الواقع المجرد بل الواقع مضاف اليه شروط العمل الفني ،واولى تلك الشروط هي الموقف والرؤية ازاء الواقع ،وعلى الفنان ان لا يكون مجرد وسيط بين الواقع والمشاهد .بل على الفنان ان يتغلغل في الواقع  وان يعيد بناءه وفق هدف وفكر مسبق.

ومن هذا المنطلق قسم جريرسون السينما الوثائقية  الى مستويات:

الاول:مستوى اعلى :وهو الذي يجب ان تقتصر عليه عبارة الفلم الوثائقي.حيث ينثل الفلم من مرحلة الوصف السطحي البسيط الى مرحلة الانتقاء والترتيب باعادة التنظيم ثم التكوين الفني لهذه المادة الطبيعية.

الثاني:مستوى ادنى:وهو الذي يحوي بقية انواع الانتاج الوثاقي كجرائد ومجلات وافلام المعرفة والافلام العلمية .وهذا النوع لا تعالج موضوعاتها علاجاً درامياً بل يكتفي بالعرض والوصف السطحي وتعتمد على التعليق بشكل اساسي".

يتبع ..................

(المصادر والمراجع في نهاية القسم الثاني)

.........................

من اسرة كتاب ورشة سينما – خاص

وس 4-1-2010